التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

ماذا وجدت وسط الكارثة

رشا حلوة في بحثي المستمر، الرسمي وغير الرسمي، ذلك الذي أخصص له مساحة مباشرة في كتاباتي وعملي الصحفي، أو بين السطور، عن كيف تحملنا الكوارث؛ تلك السياسية والاجتماعية وحتى الشخصية إلى طرق بإمكاننا أحياناً، بعد سنوات أو أشهر أو أيام، أن نرى شيئاً مضيئاً فيها، أو ليس بالضرورة أن يكون مضيئاً، لكن على الأقل أن نلمس فيها معنى ما، أي معنى - في بحثي هذا، التقي بغرباء، أصدقاء وعائلة، أكتب من حواراتي معهم/ن القليل على ورق، أقصد اللاب توب، وأكثر أحملها معرفة وحكمة للحياة، أحياناً لا أشاركها مع أحد. اليوم، وأنا أنظر إلى سنوات من الكتابة، حفرت - وما زلت - في تاريخ عائلتي وبلدي وناسي في فلسطين، تحدثت إلى صديقات وأصدقاء فُرض عليهم/ن مغادرة أوطانهم/ن، في سوريا أو مصر أو تونس أو إيران، التقيتهم/ن افتراضياً أو حقيقة في برلين، البلد الذي قررت الاستقرار فيه بعد فلسطين. عرفت قصصاً لم أكن لأعرف بوجودها لو لم تحدث هذه اللقاءات، التي كان للصدفة مساحة فيها أيضاً. وفي جميعهم، وفي وسط الحزن والكارثة التي تحملها القصص، كان معنى ما، حسب الرواة، وكان المعنى هو ما يضيء. وليس في قصتي هذه أي "كليشيه". انتقلت ...

عن أمنيات العام الجديد بأن يكون حنوناً

عكّا، كانون الثاني/ يناير 2020 حَنَّ: (فعل) حنَّ / حنَّ إلى / حنَّ لـ / حَنَّ على ، حنَنْتُ ، يحِنّ ، احْنِنْ / حِنّ ، حنينًا ، فهو حانّ ، والمفعول محنون إليه حَنَّ العُودُ: صَوَّتَ عِنْدَ النَّقْرِ حَنَّتِ النَّاقَةُ: أَحْدَثَتْ صَوْتاً وَهِيَ تَمُدُّ عُنُقَهَا شَوْقاً إلَى وَلَدِهَا حَنَّنَ: (فعل) حنَّنَ / حنَّنَ على / حنَّنَ عن يُحنِّن، تحنينًا، فهو مُحنِّن، والمفعول مُحنَّن حَنَّنَ الشَّجَرُ: أَخْرَجَ نَوْرَهُ حنَّن فلانًا / حنَّن فلانًا عليه: أثار رأفتَه واستدرَّ شفَقَتَه حنَّن قلبَ أبيه، حنَّن عليه: عطَف وأشفق عليه *** أحبّ الفعل "حنَّ". أحبّ من يسمح للحنيّة أن تكون أكثر صفاته ظاهرة. أحبّ المرأة الحنون، وأنجذب كثيراً للرجل الحنون. لطالما شعرت أن الحنّية قوة ورحمة أيضاً. كانت جدتي سلمى تقول، لو رأتنا نرمي غرضاً ترغب بأن تحتفظ به - مثلاً: "حنّ عليه يا ستّي". الكثير من العطف والشفقة في الحنية، لكنها ليست ضعفاً، ولا يرى مانح الحنية بأن المحنون إليه ضحية. الحنية هي ملجأنا من القسوة المتواصلة، والتي لربما ستزداد مع الأيام. الحنية لا ...

سيناريوهات

by  Jacky Gerritsen بالأمس، قبل أن أراك، كان سيناريو اللقاء جاهزاً بذاته، هيك لحاله. فأنت تعلم، أن سيناريوهات لقاء من نحبّ، أقوى مننا. تماماً، كما الفكرة عن الموت، أقوى من حقيقته. هذا مع الإدراك التامّ أن السيناريو في 90% منه، لن يتحقق. سيتحقق اللقاء بك فقط، هذا ما وعدت به عندما تحدثنا قبل وصولي. لم أكن أتوقّع أن أراك عندما أخرج من المرحاض أصلاً. كنت واقفاً، زحماناً كثيراً، ترتدي جاكيتاً أحمر اللون وتي شيرت أزرق. عندما سألتك عن اختيارك للألوان في مدينة رمادية كهذه، كل من فيها يرتدي "الأسود"، أجبتني: "قررت أن أرتدي اللون الأزرق اليوم". قلتها مبتسماً وبلا أسباب "عميقة" أخرى. بالعودة إلى السيناريو، هذا محور القصّة الأهم. أردت أن أركض إليك، برجلي التي تؤلمني، أحضنك حضناً قديماً، وأبوح بكل ما يُتعب روحي، تزامناً مع "اليوم العالمي للصحّة النفسية". هيك، نحن نحبّ المناسبات. أردت أن أخبرك عن أصدقائي المعتقلين لدى النظام المصري، عن صديقتي التي تبكي أحبابها في شمال سوريا منذ أن شنّ أردوغان وعصابته الحرب على أهلها، وأردت أن أخبرك عن وجع ق...

"فوكس" بار، عفويّة الثقافة الإيطاليّة في برلين

برلين – رشا حلوة بالقرب من محطّة "هرمان بلاتس" في حيّ "نويكولن" البرلينيّ، وفي شارع فرعيّ تصل نهايته إلى النهر، هناك بار صغير يحمل الاسم "فوكس"، شبابيكه الكبيرة على الشّارع، التي تطلّ منها تفاصيل البار؛ كراسيه وكنباته القديمة، إضاءته الخفيفة، الشموع، ولون الحيطان الأخضر، كلّها محفزة لزيارة الجوّ "البيتوتيّ" هذا. بالإضافة إلى جوّه الحميميّ، زيارة البار منوطة بالاستماع دومًا إلى موسيقى خاصّة من كلّ العالم، مع تسليط ضوء على الموسيقى الإيطاليّة. نسمّيه البار الإيطاليّ، ليس بسبب الموسيقى فقط، إنّما بالأساس لأن صاحب البار هو إيطاليّ الهويّة، كما أنّ معظم العاملين والعاملات في البار جاءوا من مناطق مختلفة في إيطاليا إلى برلين، كما أن جمهوره في غالبيته من الإيطاليّين/ات الذين يعيشون في المدينة، واللغة الإيطاليّة حاضرة دومًا. صاحب البار اسمه ماسيمو فينكو، مواليد العام 1979 في فيرونا الإيطاليّة، هو فنان وموسيقيّ وكاتب أغاني، وصل إلى برلين في العام 2006 للعمل كفنان، وبموازاة ذلك عمل عندها في وظائف عديدة، تنظيف مواعين في المطاعم ومن ثم طباخًا، وك...

مشاهد من الأرض

المشهد الأوّل : الأجواء ربيعيّة، أطفال يركبون السّيارة مع جدّهم، والد أبيهم، يسمعون صوته وهو يقود سيارته، ويرون منه فقط شيب شعره. صوت الراديو المنخفض في الخلفية، والأطفال يستمعون إلى جملة كررها جدّهم كلما كانوا معه في السّيارة: "كلما بتشوفوا شجر صبر، اعرفوا إنه هون كان في قرية فلسطينيّة، تهجّروا أهلها ". المشهد الثّاني : تذهب مع ورقة في يدها بخط طفلة إلى أبيها الجالس على كنبته في صالون البيت. "بدي أقرألك قصيدة"، قالت له، "قصيدة عن الأرض"، تابعت. ثم قرر والدها أن ينشر "قصيدتها الأولى" في إحدى الجرائد. اليوم، أصبحت الطفلة في الثلاثين من عمرها، ولا زالت ورقة الجريدة الأصليّة موجودة، ومنها نسخ كان قد صورها جدّها، ليتسنى لكل من يحبّ أن يحتفظ بها . المشهد الثّالث : جدّها، والد أمها، يعود إلى قريته المهجّرة، إلى أرضه الأولى، ميتًا في تابوت . المشهد الرّابع : أعلام مرفوعة، هتافات، وجوه مألوفة وجديدة. تعود إلى البيت، لتخبر والدها الذي أتعبه المرض، عن الأمل . المشهد الخامس : تزور قبر والدها، لترى الحقيقة من جديد. وتقول للتراب: أصبح...

عن متحف "أم كلثوم" في القاهرة: يُعرف المرء في عصره، بحبّ الناس فقط

القاهرة – رشا حلوة زرت القاهرة مرات عديدة، وزياراتها كانت طوال الوقت عبارة عن مطلّ على الحياة فيها، وخاصة حياة ناسها، لإيماني أن المدينة هي "حاجات كتيرة" ممزوجة بتفاصيل سكانها. كانت زيارتي لمواقع تاريخيّة وأثريّة مرافقة بكثافة للزيارة الأولى مع عائلتي في العام 1995، ومن بعدها، كانت الشّوارع، قصص الناس وأحاديثهم، المقاهي والبيوت، بمثابة شبابيك واسعة لمعرفتي عن هذا البلد. خلال زيارتي هذه إلى القاهرة في ربيع العام 2014، قررت أن أذهب إلى متحف "أم كلثوم"، الموجود في شارع "الملك الصالح" وفي جزيرة "المنيل روضة" في النيل، والمتحف هو أحد مباني "قصر المانسترلي" ، والمنطقة معروفة أيضًا بإسم "المقياس"، لوجود مقياس النيل الشهير، حيث كان يُستخدم لقياس منسوب نهر النيل. مساحة المتحف هي عبارة عن 250 مترًا، وكانت قد فتحت أبوابه وزارة الثقافة المصريّة في عام 1998، على أن يكون متحفًا "يليق بعطائها، يحمل اسمها الخالد، ليصبح منارة إشعاع فنّيّة وثقافيّة". قاعات المتحف ومضمونها في المتحف، ثلاث قاعات أساسيّة، الأولى هي التي ت...

RASHA HILWI: ART, AS A LIFESTYLE

In Arabic we have the expression »he/she is an artist in his/her work,« ( فنّان/ة بشُغله/ا ) and we use it to describe how we evaluate people in their different jobs. He could be a fisherman; she could be a flower seller. Any job could fit this expression, but the one common thing is that people, the customers, decide if the person is an »artist« in his or her job or not. It’s always a question of who decides who is an artist. Is the one who decides the working person him- or herself, or the recipient of the product? And the product can be food, goods, idea, articles, or  music. I guess that an important and basic element of making an artistic product is that its maker is doing or creating it with enjoyment. We can also add love, although maybe a poem could be written from feelings of hate or be a story of betrayal, but even then the poet could write the poem with love. In love not with the feelings or the story/background of the poem, but with the writing pr...

عن أشياء تهمني

پاريس لا تهمني، بقدر ما يهمني أن أمشي في شوارع حيّ بلڤيل وأبحث عن الزوايا التي شربت إيديت بياف فيها زجاجة نبيذ أحمر وغنّت. أمستردام لا تهمني بقدر ما أشتاق للمرأة الغجريّة التي عزفت على الأكورديون عند أحد جسور المدينة، وحدثتني عن والدها الذي مات من السرطان. طنجة لا تهمني بقدر ما أحبّ أن أمشي خطوات ذكريات محمد شكري في "الخبز الحافي" وأشرب شاي ونعنع في مقهى الحافة. عمّان لا تهمني بقدر اللحظة التي لم تعجبني قهوة عمّان وأوقعتني المدينة سرًا في حبّها. القاهرة لا تهمني بقدر سعادة أمّي حين سمعتني أتحدث بمصريّتي المكسرة وشعرت بأنها عادت إلى أغنية من السبعينات. الإسكندريّة لا تهمني بقدر شوقي لكأس بيرة في بار الشيخ علي، أو لليلة التي حدثّت صديقة فيها عن حلمي بتأسيس خطوط قوارب من هناك إلى عكّا. بيروت لا تهمني بقدر ما أتحمّس لشجار مع صديقة حول كيف يجب أن تكون التبولة، مع بندورة أم بدون؟ رام الله لا تهمني بقدر ما أحنّ إلى ليالي 2011. برلين لا تهمني بقدر ما أشعر حين أجلس معه فيها، بأني في الشّام. وعكّا لا تهمني، مثلما كانت، عند كل مرة عدتُ إليها فيها، وكان والدي يستقبلني هناك.

بيانو ولا قلبي؟

دخلت على العمارة، اللي ساكنة فيها مؤقتًا، عمارة بتشبه بنايات القاهرة بسنوات الخمسين. أوّل ما تفوت عليها، بتحس في قصص طالعة ونازلة على درج الخشب المغطى بسجّاد بني غامق. بعد ما تركتك، مشيت ع البيت ووصلت العمارة، كان في صوت بيانو مسموع بأوّل طابق، طلعت الدرج، والصّوت بيرتفع. وصلت البيت، دخلت غرفتي، المؤقتة أيضًا، وكأنّه بس فيها مسموع صوت عزف البيانو. إسّا أنا مش عارفة إذا هو صوت البيانو اللي لساته مسموع، ولا صوت قلبي. قلت الحل إنّي أسجّل الصّوت عشان أتأكد. بس وقف العزف. شفت؟ هيك تمامًا بصير لما تفكر بأسئلة ما إلها طعمة: بيانو ولا قلبي؟ مش مهم، المهم في موسيقى.

الطبخ والنّاس

شوربة عدس بحبّ الطبخ كتير، بس بالعموم، بحبش أطبخ وآكل لحالي. بحس أكل الطبيخ، هو دايمًا فعل لأكثر من شخص واحد. الأكل الثنائيّ أو الجماعيّ عمومًا، هو من أكثر اللحظات اللي فيها سفر لأحاديث كثيرة. بايخة أو مهمّة. مش مهم. بس مرات، بضطر أطبخ لحالي، إنّه جاي عَ بالي كثير آكل أكل بيت، وقتها، بفكر بالشخص أو بالناس اللي جاي عَ بالي آكل معهن، وأحيانًا، بكفي التفكير فيهن واستحضارهن بشكل ما، عشان يطلع الطبيخ طيّب. إنّه بتخيّل وجوهن وهني عمّ بدوقوا الأكل، وشعورهن بالنعس بعد ما يعبوا بطونهن، ومرات تعليقاتهن الزنخة، ونكتهن اللي غالبًا بتضحّك حتّى لو بايخة، بس إنت عاملة حالك بتضحكي بس على نكت عميقة. على كل حال، بصحّة الناس اللي بتدفي القلب، القريبة والبعيدة، وبالذات، الناس اللي مستحيل تدوق من أكلاتنا، مش لأنه بدهاش، لأنها مش هون.. بس روحها شمعة بتضوي قلوبنا بهالبرد. ראש הטופס

تمرين على الضحك

قبل منتصف الليل بشوي، وبالطريق للبيت، مشيت باتجاه محطّة المترو. بالمحطّة، في خطين، واحد تحت الأرض، والثاني فوقها. أنا لازم آخد اللي فوقها، بس أوّل باب بطريقي، بوصّل على المترو اللي تحتها. المهم، بلا طول سيرة، الجوّ شتا، والشتا بهالبلاد بحبّش ناسه. شفتوا مرة شتا بحبّش ناسه؟ ومش حنون كمان. قلت بفوت على المحطّة من الباب للمترو اللي تحت، أحسن ما أمشي بالبرد ويجمّد قلبي (عَ أساس إنه موّلع من الدفى هو). يلا ما علينا، نزلنا على المحطّة، وبكل المحطّة فش إلّا زلمة ختيار، عنده دقن وشعر شايبين، لابس أبيض من راسه لساسه، وبعمل شغلة وحدة: برفع راسه لفوق، وبضحك: ها ها ها! ضحكة مزيّفة، بسكت شوي، وبرجع بضحك. كانت حالته بتشبه سانتا كلاوس وهو بستنى المترو للغابة، عشان يلاقي الغزلان لينطلقوا، وهو قاعد بتمرّن! المهم، فجأة لقيت مصعد قدامي، مكتوب عليه رقم المترو اللي لازم آخده للبيت. قلت لحالي: يا بت يا رشا، الساعة متأخرة والدنيا برد، وليش تمشي كل الطريق للمترو؟ خلص خدي المصعد وبتوصلي لهدفك من غير مجهود. وصدى ضحكات سانتا كلاوس اللي قاعد عمّ بتمرّن، بترّن بالخلفيّة. إجا المصعد، كبست على زر الطابق...

عن البرد

أن تعيشي في البرد، أن تكرري جملة "الدنيا سقعة" بلهجات ولغات المدينة كلّها، كل يوم أن تتعرّفي إلى أنواع ثياب جديدة، تُسمى بالدافئة. الأوروبيون لا يعتقدون أن هنالك طقس بارد إنما يجب ارتداء الثياب "الصحيحة". أن تضيفي إلى انفصامك، أن البيوت هنا دافئة في البرد. وأن الحياة في البرد، تمشي كالمعتاد؛ يذهب الطلاب إلى المدارس مع سقوط الثلج. يلاحقني صدى أصوات الجيران البعيدة، تناديني من الشبابيك كي أعود إلى البيت، عندما سقطت الثلوج على مدينتي الساحليّة وأنا صغيرة. أن تخترعي طرقًا للتدفئة، تظنين أن الناس هنا لم يفكروا بها من قبل، وأنها ستنجح معك: الاستماع إلى أغاني جميلة مثلًا. البحث عن حضن متوفّر مؤقتًا البكاء، يُقال أن الدموع مفعولها دافئ. والغضب على غيابك، حرارة غضبي هذا، تدفء صقيع العالم.

أرشيف محادثة

في السّفر، وعندما أنسى أن أحمل كتابًا معي، أفتح شباك محادثتنا القديمة، تلك التي توقفت في زمنٍ ما. أعود إلى البداية، الرسالة الأولى التي رسمت وجه الكون، أقصد عالمنا نحن، ذاك الذي أكل عليه الدهر وشرب. حسنًا، أكل عليه دهرك وشربته، أنا لم أتجرأ أن أمحو المحادثات بكبسة "ديليت". أنتظر أن تحصل مصيبة مع التكنولوجيا، أوك هذا حدث بشريّ كبير، لا مع التكنولوجيا كلّها، إنّما مع هاتفي أنا الوحيد. المهم يا حبيبي، بالعودة إلى موضوع الكتاب وأرشيف محادثاتنا. أبدأ بقراءتها من سلامك الافتراضيّ ا لأوّل، أمرّ على المحادثة سطرًا بعد سطر، أعرف أين جلستُ عندما وصلتني رسالة منك تخبرني بأنك متعب. أو المكان الذي كنت أقف فيه وهبطت على السرير من حزني على خبر أن القطار فاتك يومًا ما. صراحة، لم أحزن على وقتك الضائع عندها، عرفت أنك ستفعل شيئًا تحبّه مع ذاك الوقت، تدندن أغنية مثلًا. لكني حزنت بأن انتظاري سيطول. المهم، أعود إلى الصّور، وتفاصيل أماكن كنتها ولم أكن معك فيها. أحاول أن أقرأ المحادثات من جديد بعيون محايدة. ها؟ هل قلتُ محايدة؟ أسمع صدى أصوات أصدقائي من مصر، يرددون مقولتهم الشهيرة: ...

بيوتنا اللي معنا

كنت كتبت عن هاد الشرشف (اللي بالصّورة) من شي سنة وشوي. هاد كان في بيت بحيفا، بشارع الجبل، نقلنا عليه أنا وأختي سنة 2015. وقتها لقينا أغراض كثير تاركينها صحاب البيت، منهن هالشرشف، الإشي الوحيد اللي خليته من أغراضهن.  ليش؟ لأنّه حلو، ولأنّي فجأة لقيت إنه الماركة لسّه عليه، مكتوب عليها "دمشق - سورية". وقتها قررت وكتبت، إنّي رح أحمل هالشرشف معي وين ما أروح بالدّنيا. نقلته معي من هداك البيت اللي بشارع الجبل بحيفا، لبيت ثاني بشارع الحمير بحيفا، وبزيارتي الماضية لفلسطين، جبته معي لأ لمانيا. دفيت فيه تختي اللي ببرلين، وقررت أحمله معي لهاد الشّهر لشتوتغارت. بتدوينة "دمشق في بيتي" اللي كتبتها في آذار/ مارس 2016، قلت: "رح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.". اليوم، ومن خلال أصدقاء سوريّين وصديقات سوريّات ببرلين، قادرة كتير مرات أطلّ من خلالهن على دمشق، من قصصهن وذكرياتهن، مرات بروح رحلة لهناك، وكل مرة بحسّ إنّي بعرفها أكثر. رح نضل نحمل بيوتنا معنا، لكل البيوت اللي جاي، هيك منض...

قصص قصيرة عن عكّا

- اليوم قررت إنّي أطلع من البيت، بيتنا اللي على البحر، عشان أروح أشتغل بمقهى على البحر. زي كيف بعمل عادة بمدن ثانيّة. رحت على المقهى، قعدت على كرسي قدام البحر، طلبت قهوة، فتحت دفتري ومن ثم اللاب توب، صفنت بالبحر، سكرت اللاب توب ورجعت على البيت. كنت مجبورة عشان كان عندي ديد لاين. - اللي بقعد بمطاعم ومقاهي عكّا، أو بمرق من جبنهن، بكون متأكد من شغلة أساسيّة بهاي الحياة، إنه أم كلثوم وجورج وسوف خلقانين يا إما بساحة عبود أو بحارة الفاخورة*. - البلد الوحيد اللي بقيم فيه إمكانية الـ check in من الموبايل، هو فلسطين. يعني، إنتو عارفين إنه مش ناقصة حرقة دم. إسّا أوّل ما وصلت على عكّا، نسيت أقيم التشيك إن من الموبايل، فتحت الإنستغرام عشان أرفع صورة من البحر، قام طلعتلي احتمالات متعددة للتشيك إن، وواحد من اللوكشن كان كالتالي: على شط بحر الهوى - عكا. طيّب أهرب من قلبي أروح على فين أنا؟

كان من المفترض أن تحتفل بعيد ميلادك الستين

لطالما كان الموت سؤال الحياة الأوّل. وحضوره القريب، يجلب معاه أسئلة لا نهائيّة، لا بل يوميّة عن كلّ تفصيلة مرّت وتمرّ وسوف تمرّ في هذه الحياة، هو سؤال المعنى والعدم، الماضي والمستقبل، ومحاولة مستمرة ودائمة لإعطاء أيّ قيمة، ولو صغيرة، لما يُسمى الحاضر/ الآن/ اللحظة/ إسّا/ هلق/ هلكيت/ دلوقتي/ توّا.. إلخ. وهو سؤال الاحتمالات، والاحتمالات كما نعرف يا أبي، ليست جميلة دومًا. لكننا، خلقنا في منطقة يلعنها التاريخ كلّ يوم، ولا زالت تتمسك بما قاله سعد الله ونوس يومًا ما: محكومون بالأمل . يخيفني تكرار هذه المقولة أحيانًا، خوفًا من الكليشيهات، وصوت ضحكات الساخرين هناك في مكان ما سرًا، على كليشيهات الأمل. معليش، سأواصل البحث عن قلوبٍ في الشّارع . المهم، بالعودة إلى الاحتمالات يا أبي. اليوم، العشرون من آب/ أغسطس، كان من المفترض أن تحتفل بعيد ميلادك الستين. كل القصص الحزينة أعيشها في هذه الجملة: كان من المفترض أن. وما لم يتيح الافتراض هذا، لا سفر إلى مكان ما، بيننا وبينه طائرة أو قطار أو سيارة قديمة، إنما هو الموت . " أن نصل إلى الستين من عمرنا"، هو احتمال وارد، لكنه غير واردٍ أ...

قصصٌ لأبي

صباح الخير أيّها الجميل، لا من مناسبة محددة بالأيام تجعلني أكتب لك اليوم. غير أني استقيظت مع شعور جديد من الشّوق، لم أختبره من قبل. هو مؤلم بكل الأحوال، لكنه على الأقل يستدعي الكتابة. بالإضافة إلى أمريْن أردت إخباركما بهما، على أمل أن لا تغضب مني يا ابن البحر. المهم، قبل شهر تقريبًا، وبعد مرور ثلاثة شهور على انتقالي إلى برلين، كانت أسماء هنا. كنا نبحث عن مكان نأكل به. مررنا بجانب مطعم سمك تركيّ. كنت مشتاقة لسمك المتوسط كثيرًا عندها. أوكي، أنا مشتاقة للسمك دائمًا حتى وإن عشت  بجانب شاطئ البحر. قررنا أنا وأسماء أن نجرب السّمك في هذا المطعم، لكننا تأكدنا قبل طلب أي وجبة بأن السّمك قادم من المتوسط، وكان كذلك. الأمر الثّاني يا أستاذي هو بأني ذهبت قبل أيام مع أصدقاء وصديقات إلى رحلة قارب في إحدى بحيرات برلين. لم أجهز نفسي للسباحة عندها، أنا لا أحبّ أن أعوم في أي جسم مائيّ عدا عن البحر، وبالأساس المتوسط، كل البحار الأخرى تافهة بالنسبة لي. أخبرت أصدقائي بذلك. لكن مع ارتفاع درجة الحرارة واقتراب الشّمس من جلدي، قررت أن أجرب هذه المرة أن أنزل إلى الماء وأعوم قليلًا. لم تكن المياة ...

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد. الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.  الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها. الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.  وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.  خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.  الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.  الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.  مرات، بلحظات صغ...

وين غلاية القهوة؟

طلبت أمي مني بالأمس، أنّ أجهز قهوة. سألتها: "وين غلاية القهوة؟"، أجابتني: "يعني مش عارفة وين بحط غلايات القهوة؟". فقلت لها: "يا إمي، ما أنا مش عايشة هون، فممكن إنك غيّرتي مكانها..".. فذهبت فورًا إلى الخزانة التي أعرفها. بعد صمت قصير قالت: "بعرف إنّك مش عايشة هون، بس بحبش تقولي هيك.." أثناء تجهيزي للقهوة، كنت أفكر بما قالته أمي.. وقلت لنفسي: "أنا مثلها، أرفض حقيقة أن كثيرين لا يعيشون معي في نفس المكان، لكنهم يعيشون معي جميعًا.. يعرفون أين توضع كؤوس النبيذ، فناجين القهوة، زجاجة العرق، أين تقع زاويتي المفضّلة للكتابة.. كلهم يعيشون في تفاصيل حياتي اليوميّة، رغم غيابهم، الاختياري أو القسري.. أو حتى، رغم أنهم لم يمرّوا يومًا على بيتي أو أي بيت مؤقت أعيش فيه. لكني أحضرتهم إليه في الخيال.. وصنعوا الواقع أجمل".

قصص الحبّ

كلّ قصص الحبّ، بلا علاقة لمدتها الزّمنيّة، تبدأ بالأغاني، وتنتهي بعواء كائن، خلقته النهايات داخلك؛ له وجه يشبهك وأسنان ذئب وجد فريسته للتوّ، فريسة تشبه قلبك.. عواء الذّئب ينهم القلب، الذي يبقى على حجمه تمامًا، ولا يتوقف عن عشق الأغاني.