الأربعاء، 14 سبتمبر، 2011

أيام مصرية


أعيد هُنا نشر 17 تدوينة قصيرة شاركتها عبر صفحتي في موقع "الفيسبوك" الإجتماعي (من خلال الستاتوس) عن بعض الأيام والذكريات التي عشتها في مصر في آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر الماضيين (2011).

"يوم في مصر 1":

البائع: إنتو من فين؟

ر.ن: أنا من لبنان

ر.ح: أنا من فلسطين

البائع: يعني ده الموج كان عالي وجابكو لحد هنا؟

"يوم في مصر 2":

مين قال إنه القاهرة مدينة "لا تنام"؟ هي بتنام، ولكن مش بالليل..

"يوم في مصر 3":

إنك تكوني في تاكسي وقت عز الزحمة بعد الإفطار، أو يجي عَ بالك تركبي قارب على النيل في نص الليل، أو لما تشربي قهوة الصبح (والصباح نسبي هون).. ودايما مزاجك جاي على عبد الحليم، فش حاجة تدوري على أغنية محفوظة عندك أو في اليوتيوب، كلّ المسألة إنك تفتحي على موجة 105 إف إم.. هو دايماً موجود، وبختار أغنياته على مزاجك.. تماماً، ما هو بغنّي هون 24/7.. وإنتِ عارفة إنه يمكن مليون حدا غيرك عم بسمع نفس الأغنية، عَ القليلة.

"يوم في مصر 4":

كيف نشفى من حبّ تونس ومصر؟

وبالإذن من درويش، مين قال إنه لازم نشفى؟ خاصة لما المرض يكون الحبّ..

"يوم في مصر 4":

البرينس في إمبابة

"يوم في مصر 5":

كلّ الأحاديث عن الثورة المصرية وتفاصيل أيامها، وأهم من هيك نبرة صوت المتحدثين والمتحدثات؛ التأثر، اللهفة، الحبّ، الفرح، القلق والقصص المليانة سخرية وضحكات عالية.. وهني عم بحكوا، كأنهن عم بحكوا عن شي حصل مبارح.. أو قبل شوي.. الثورة المصرية مستمرة!

"يوم في مصر 6":

إنك تتمشي على كوبري "قصر النيل" مع صديقتك التونسية، صديقك العراقي وصديقك المصري..

"يوم في مصر 7":

إنك تمشي في "ميدان التحرير" وجه الصبح، وتشوفي كلّ أحلامك؛ اللي مرقت، واللي عم تتحقق. واللي جاي مع الشمس.

"يوم في مصر 8":

إفطار رمضاني وبروفا مع فرقة "اسكندريلا"؛ موسيقى، أغاني، فؤاد حدّاد، صلاح جاهين، الشيخ إمام، أمين حدّاد، سيد درويش، مصر وفلسطين والوطن العربي.. كلّه كان حاضر بهالبيت الدافي.

شكراً على الحبّ والأمل

"يوم في مصر 9":

إنك تتمشي في شوارع "وسط البلد"، وتعرفي توصلي للمقهى اللي بدك إياه.. بدون ما تضيعي.. وما تتصلي بصديق تطلبي إنه يوصفلك الطريق.. وحتى وإنت ماشية للمقهى، يجي حدا يوقفك بالشارع يسألك كيف يوصل للمكان الفلان، وتعرفي توصفيله كيف.. يبقى إنتِ أكيد في البيت :)

"يوم في مصر 10":

ناي غنّت في القاهرة، صوت فلسطيني غنّى لبنان ومصر وفلسطين.. أكثر من 63 سنة من الاحتلال ما قدر ولا رح يقدر يمنع أم كلثوم، فيروز، سيد درويش من بيوتنا..

"ويا ريت صدري جسر أعبركم عنه.. ونعيش أنا وياكو عيشة فلسطينية"

"يوم في مصر 11":

أكلات فلسطينية ولبنانية في صحبة القاهرة والأصحاب الطيبيين.. عشان نضل نحلف بهالليلة.. وبصحتكم

"يوم في مصر 12":

لما تتأكدي إنك بتشبهي هالمدينة.. وإنه قلبك متل النيل، قادر يتدفى فيها..

"يوم في مصر 13":

حكالي صديق: القاهرة هي إنك تشوفي الشروق والغروب من نفس الشباك وبنفس النهار.. بدون ما يكون في فاصل بيناتهن..

"يوم في مصر 14":

الإسكندرية، هي أول مدينة على حوض البحر المتوسط بكون فيها بعد مدن الساحل الفلسطيني، ما عدا غزة المحاصرة.. قديش ممكن مدن تكون بعيدة عن بعضها 63 سنة من الاحتلال وبتضل تشبه بعضها؟ ذات الألوان والبحر ووجوه الناس.. شي يوم رح أركب قارب من الإسكندرية وأمرق على عكّا ألمّ شوية أصدقاء من الشطّ ونكمل نسهر على شط بيروت.. شي يوم..

"يوم في مصر 15":

إنك تشربي قهوة مع كفافيس في بيته.. وتتجولي بين الغرف، وتقعدي على كرسيه وتكتبي على مكتبه.. وبعدين تروحي تفطري مع أصدقائك في "ألبان سويسرا".. وتعرفي إنك رح تضلك شبعانة 3 أيام.. عَ المساء تمرقي تسلمي على سيد درويش، وتوصلي لهناك تكتشفي إنه بيته أنقاض.. وتلعني الدنيا مليون مرة! ليش كفافيس لا زال عنده بيت وسيد درويش لأ!؟ ها!؟ وبآخر هالليل ما إلك إلا البحر.. لأنه منه رح تسمعي صوت يقول: مصر يا أم العجايب..

"يوم في مصر 16":

إنك تودعي صديقتك المسافرة بيروت كمان شوي.. وتتأكدوا إنتو التنتين إنه شي يوم ما رح تضطري تودعيها بالقاهرة.. رح تسافري معها بيروت، وتنزلي من هناك بالمواصلات العامة إلى عكّا.. وتلتقوا على الشطّ اللي عَ بالكو.. وقت ما بدكو.

"يوم في مصر 17":

وإنتِ تودعين المدينة صباحاً، أغمضي عينيك طوال مسافة الطريق، كي لا تتأمليها بعيون راحلة. الطريق بشعة، وأغنية "طريق المطار شو حلوة" غير سارية المفعول.. وإنت تودعين المدينة صباحاً، تأكدي أن الذكريات المخبئة في عيونِك، ستُنير أيامك القادمة، ودرب الرجوع إلى المدينة.

الأحد، 11 سبتمبر، 2011

ورقة بيضاء/ رشا حلوة


على طاولة بيضاء في بيت صغير في القاهرة أخط هذه الأسطر، لا لا.. شو أخطها هاي؟ أخطها هي كلمة قديمة لا تعني شيئاً اليوم.. خاصة بأنهم قلائل الذين لا زالوا يستخدمون أقلامهم للكتابة، أنا شخصياً قلمي يستخدم للملاحظات القصيرة التي أكتبها على الدفتر الصغير المسافر معي في محفظتي البيضاء، أو لحوار حبّ في بار ما بعيد، لا أذهب إليه دوماً، لا لأني لا أرغب، بل لأن صدفة ما جعلتني أولد في عكّا وليس في القاهرة مثلاً. أما للنصوص طويلة، فالمجد للكيبورد!

ودفتري الصغير في المحفظة البيضاء هو نتاج إحدى عاداتي؛ بأني فور وصولي إلى بلد ما في العالم أشتري دفتراً.. كُتب عليه هذا المسكين الصغير أن يحتوي حياتي كلّها، يعني ممكن يكون فضيحة؛ أرقام هواتف لأشخاص قابلتهم للتوّ ولا يحملون بطاقات أي "البيزنس كاردز"، مقادير "الكشري" التي أرسلتها لي صديقتي من القاهرة من عند "كشري أبو طارق"، رسمة لصديقتي اللاجئة من قرية ميرون المقيمة في صيدا والتي التقيت بها منذ أشهر قليلة في كوبنهاجن- لو أنهم لم يحتلوا بيتها وأرضها، لكنا التقينا في صفد مثلاً، كانت من الممكن أن تعيش وتدرس الموسيقى هناك.. وكانت بالتأكيد سترسم لي رسمة أخرى على دفتري، غير التي رسمتها مؤخراً.. أو كانت ستفاجئني بدعوة خطيّة لمعرض رسوماتها في دمشق، سيكون هذا هو الأول لها هناك.. كانت ستكون الدعوة من تصميمها، وفي برنامج الافتتاح ستكون لها فقرة غنائية. آه صحيح.. وكنت سأقترح عليها أن نسافر سويةً في سيارتي الجديدة والذي سيكون لونها أبيض بالتأكيد. وكنت سأخرج من عكا إلى ميرون لاصطحابها معي، ومن ثم ننطلق إلى دمشق.. وكنا سنخرج في الصباح الباكر كي نتمكن من أن نصل وقت موعد الغداء، (وجبة غدا بالشام بتسوا الدنيا).

حين وصلت قبل فترة قليلة إلى أم الدنيا، ألقيت على بعض أصدقائي المصريين مهمة "إيقاظي من هذا الحُلم".. هذا الحلم بأن أصل إلى القاهرة بعد غياب أكثر من سنة وبعد الثورة المصرية المستمرة تحديداً. والأهم من هذا كلّه، هي أن زيارتي هذه حطمت وجودي كسائحة، فأصبحت "بنت البلد". أنا التي وُلدت في عكّا، في رواية أخرى، كان يمكن أن أصل إلى مصر من خلال البحر. كان يمكن أن يكون هنالك شخص اسمه عمي أبو علي، مواليد مدينة عكّا عام 1945، يملك قارباً كبيراً معداً للسفر لمسافات طويلة عبر البحر، كان سيصبح عمي أبو علي وأولاده وأحفاده فيما بعد الجسر البحري ما بين عكا والاسكندرية، كان سيقضى معظم حياته "شغال على هذا الخط"، وكانت ستكون زوجته اسكندرانية، بعد قصة حبّ يتحدثون عنها حتى يومنا هذا في عكا والاسكندرية. خالتي أم علي أحبته بعد ما سافرت معه مرة من الاسكندرية إلى عكا، وكان عمي أبو علي في ذلك الوقت عالي المزاج، وكان يغني "شط اسكندرية يا شط الهوا".. ووقعت في غرامه.. بالمناسبة أيضاً، هي التي غازلته في البداية.. نظرة فابتسامة فتزوجا عمي أبو علي وخالتي أم علي.. وقررا أن يسكنا في عكا- أيوا كده!

المهم، كنت سأصل إلى مصر عبر البحر، أنا ابنة البحر؛ لا أحبّ الطيران كثيراً، خاصة أني لا أحب فكرة رؤية الغيوم البيضاء من فوق. من تحت أجمل. كنت سأحبّ السفر الطويل عبر البحر، كان عندها سيكون بإمكاني أن أنتهي من قراءة الرواية التي لا ترغب أن تنتهي، وكنت سأنهي روايتي الأولى.. وكنت سأحبّ مصرياً وأسرقه معي إلى عكا.. من البحر.. متل ما عمل عمي أبو علي.

سأعود إلى عكّا قريباً، في محفظتي البيضاء دفتر جديد، أو للدقة، دفاتر كثيرة، بما أن دفاتري مرتبطة بالأماكن ورائحتها، فأريد أن أبقى في القاهرة لفترة طويلة، لذا قررت أن أشتري دفاتر عديدة تكفيني لنصف سنة. سأعود إلى طاولتي البيضاء هناك، أقضي ساعات طويلة أمام شاشة اللاب توب، فطبيعة حياتي وعملي تلزماني بذلك، ولي مدينة أعيشها في هذه الشاشة.. أنا والعديد من الأصدقاء. هي مدينة كبيرة، بيروت فيها لا تبعد مسافة 63 عاماً، والاسكندرية مسافة قرار وبعض النقود كي أتمكن من أن أسافر نهاية الأسبوع إليها، لأني سئمت من بحر عكّا. وفيها أيضاً، لا زالت أم كلثوم تستطيع أن تأتي لتغنّي في حيفا.

هذه المدينة، رسمناها أنا وأصدقائي على ورقة بيضاء، وسوف تُنشر الرسمة قريباً.. فهي قيد الرسم منذ 18 ديسمبر 2010.

البحر/ صابرين