الأربعاء، 30 مايو، 2012

حيّ اليوتوبيا


بعدسة: طلال ناير 


منذ أن عدت من "لقاء نسيج الإقليمي للإعلام المجتمعي وأدوات التعليم البديلة" في شرم الشيخ وأنا على رغبة بأن أكتب نصاً ما، ولو كان قصيراً. الأمر تأجل مراراً، لأسباب لا إرادية، فعادة حين تأتيني رغبة الكتابة، أنفذها على الفور، خوفاً على زوال لهفتي بكتابة نصٍ ما حين يمرّ وقتاً طويلاً على التجربة. لكن، نحن في عصر تكسير النظريات. وتباً للقواعد الموروثة.

المهم، كنت قد انطلقت قبل المؤتمر بيوم واحد من عكّا صباحاً باتجاه عمان ومن ثم مطار عمان ومن ثم إلى شرم الشيخ، وكنت بمثابة من تصلح عليها المقولة:"أفطرت في عكّا، تغديت في عمان وتعيشت في شرم الشيخ". أعلم بأني أكرر هذه الجملة كثيراً، لا لشيء، بل لأن تطبيقها يشكل مساحة آمنة تؤكد مقدرتنا على حصر الاحتلال في زاوية ضيقة - ولو مؤقتاً-  كفرصة الإلتقاء بأربعين شابة وشاباً من الوطن العربي في مكان واحد وعلى مدار 4 أيام يشكلون مشهداً سينمائياً لم أكن أتخيل – أنا الفلسطينية إبنة عكّا المحتلة عام 1948- أن أعيشه يوماً.

لم أستطع حتى الآن أن أكتب تقريراً صحافياً عن ما حصل في تلك الأيام، كرصد أو كتوثيق لتفاصيل لقاء لربما كان هدف كلّ من المؤسسة المنظمة والداعية "نسيج" بالتعاون مع "أضف" في القاهرة و "حراك" في بيروت منه أبعد من تقديم الندوات والمحاور المتنوعة والمهمة، كان هدفهم هو أن نلتقي. هكذا بكلّ بساطة من جهة وبصعوبة من جهة أخرى. ببساطة فكرة الإلتقاء بمن يشكلون جزءاً من جسدك وهذا في حال كنا نعيش في واقع "طبيعي" وصعوبة  أن تختار مكاناً واحداً يكون بمثابة الأسهل للجميع الوصول إليه، لا يحتاج لسيرورة طويلة من أجل إصدار تأشيرات الدخول، بما فيها من عذاب مستمر لكلّ مسافر عربي من وإلى بلد عربي ما. أحياناً أشعر أن إمكانية الإقامة في المريخ أسهل. فبالإذن من شاعرنا- فلتسقطوا عن كلنا جوازات السفر!

في محاضرة قصيرة ألقيتها قبل فترة في مدينة الناصرة حول الإعلام المجتمعي وما يحيطه من تفاصيل تحدثت عن صديق أخبرني ما يلي:"بعد قليل سوف يخفي الإنترنت الحدود الجغرافية بعد البشر". يا سلام! على الفور، وبعد أن أنهى جملته، أطلقت ضحكة عالية لسببين: الأول أنه لا زال يعتقد بأن موضوع الإنترنت وقدرته المحصورة بإخفاء الحدود لا زال قيد التنفيذ. والسبب الثاني، وسأقوله باللهجة الفلسطينية:"مين فارق معه الحدود!؟". بالنسبة لي، لن أعطي الاحتلال فرصة التفكير بأن مخططه نجح معي ولو للحظة. لي أصدقاء وصديقات يعيشون معي يوماً في عكّا. فليذهب سايكس بيكو إلى الجحيم.

كان يوم الأحد موجعاً. حين غادرت معظم المجموعات شرم الشيخ. كأن الفندق أصبح فارغاً تماماً، وخيل لي أن الاحتجاج على انتهاء اللقاء عمّ أرجاء الفندق كلّه بما في ذلك العمّال. فقد قاموا برمي القهوة وما تبقى من زجاجات ماء في البحر.. فمشروع إحضار زجاجة ماء أصبح من المستحيلات. كان موجعاً أن تسمع صمتاً في غرفة الطعام بدلاً عن حوارات الأغاني المستمرة بين المشاركين. ففي الليلة الأولى لعبنا لعبة الأغاني ومن ثم قدمنا وصلة لأغاني وردة – وماتت في اليوم الثاني – وأغاني ما بين الورشة والأخرى وعند المسبح وعند البحر ليلاً.. ياه، نحن شعوب تسرد قصصها بالأغاني.

كان ذلك ظهر يوم الأحد. وبعد أن غادرت الغالبية العظمى، اجتمعنا أنا وصديقتي السورية رانيا في جلسة تقييم غير منظمة – سنحدثكم عنها في لقائنا القادم- إلا أن جلّ ما دار الحديث حوله هو اختيار المشاركين من قبل المؤسسات المنظمة. كان الاختيار دقيق ومدروس ومميز حتى بما يتعلق بتوزيع المشاركين في الغرف، لدرجة أن هذا الاندماج الطبيعي لا يمكن إلا أن يكون بين أناس عاشوا أكثر من 20 سنة سويةً، ولا علاقة له بالكحول على فكرة.  لنا طباع متشابهة وأمزجة مجنونة وأحلام كأنها منسوخة من واحد إلى آخر.. نحب نفس الأغاني ونتشارك نفس الهموم حتى البسيطة منها.. لدرجة أني أكبر رانيا سناً بيوم واحد فقط! :)
أصدقائي وصديقاتي، لن أطيل الحديث عليكم وعليكن.. أردت فقط أن أشاركم القليل من أفكاري التي رافقتني منذ شرم الشيخ ولا زالت تعيش معي في عكّا، لا بل تنقذني. وأنا على دراية بأنها لا تختلف كثيراً عن ما يفكر كلّ منكم.
أريد فقد أن أنتهز الفرصة لأشكر كلّ من "نسيج" و"أضف" و"حراك" ولأشكر كلّ واحد وواحدة منكم على إنكم كنتم بمثابة إثبات قوي بأننا "في زمن الأحلام اللي بتتحقق". آملة أن يأتي اليوم الذي نعيش كلنا فيه في عكّا، في حيّ نبنيه كما نشاء ونطلق عليه إسم "حيّ اليوتوبيا"، تماماً كما الأيام القليلة التي عشناها في شرم الشيخ.
دمتم/ن لي.
كلّ الحبّ،
رشا حلوة
عكّا، فلسطين

الثلاثاء، 15 مايو، 2012

تذكير لبعض النقاط الجوهرية في ذكرى النكبة

1- فلسطين هي مش بس "الضفة الغربية وغزة".
٢- لا يحق للي عايشين في فلسطين القرار بقضايا بشأنها وكأنه الموضوع يخصهم فقط. على سبيل المثال "دولة أيلول".
٣- النكبة ليست ذكرى واحدة في السنة، النكبة مستمرة، واللي مش متأكد يسأل ستي (جدتي) اللي مرة بالسنة بتزور قبر سيدي في قريته إقرث اللي ما قدر يرجع عليها حي، مسموحله كان يرجع بس بتابوت.
٤- قضية فلسطين هي ليست قضية الأقصى فقط أو أي من المقدسات. احتلال فلسطين لا علاقة له بالدين ( كما ترغب الصهيونية أن نرى ذلك)، المشروع الصهيوني هو مشروع إمبريالي ورأسمالي مستمر! وقضية فلسطين هي قضية الإنسان والأرض.
٥- إحياء ذكرى النكبة مختلف منذ عامين، في ظل ثورات شعوبنا العربية التي تشكل فلسطين محوراً أساسياً فيها.
٦- جدي أبو الزوزو، دايماً كان هاد اليوم بمثابة "دروس عن الوطن" منك. اليوم كمان عيد ميلادك.. إشتقتلك.
٧- تحرير الأرض لا يمكن بلا تحرير الإنسان وبشكل خاص المرأة.

الاثنين، 14 مايو، 2012

إلى رشا نجّدي، بيروت


(أعيد هنا نشر رسالة إلى صديقتي رشا نجدي من بيروت، نُشرت في رسائل "صبابة وحنظلة"/ الأخبار في العام 2010" تزامناً مع إحياء الذكرى الثانية والستين لنكبة شعبنا الفلسطيني).

عزيزتي رشا،
آملة أن تكوني بألف خير،
كيف بيروت؟
أكتب لك هذه الرسالة المطوّلة ردًا على محادثتنا القصيرة عبر الإنترنت قبل أسبوع تقريبًا، كنت أود لو أنقلها لك بصوتي، لكن كما تعلمين فالاتصال الهاتفي لبيروت ليس سهلاً- يعني هاد اللي كان ناقصنا!
بالنسبة لاقتراح القانون في برلمانهم حول منع إحياء ذكرى النكبة، فبالطبع قد علمتِ أن القانون مرّ بالقراءة الأولى، مع "بعض التعديلات!" ولكن مثلما قال الشباب في الناصرة: "اللي بطلع بإيدهن، يطلع بـ...". أو مثلما قال الشباب في عكّا: "شخّرله!".

بين علنية الناصريّ و"شخرة" العكيّ، سنحيي ذكرى النكبة بالتأكيد. وسيبقى موعدنا على ما هو عليه مثل كلّ عام؛ سوف نلتقي عبر الأسلاك "الإلكترونية"، مفصولين بـ"الشائكة" منها، أنا وأنتِ مثل كلّ 15 أيار، عندما تحلّ ذكرى النكبة الثانية والستين لهذا العام، أنت في مقهى "ة مربوطة" في شارع الحمرا،  وأنا في "لاز" عكّا، تجهزين مع رفاقكِ ورفيقاتك المراسيم المتواضعة لإحياء الذكرى "هناك"؛  بعض الشموع واللافتات تحوّل "المربوطة"، "هناك"، إلى وطن، و كلمات متفرقة من قصيدة أو قصة تعيد "هُنا" إلى الحياة.. للحظات قليلة يتحد الـ"هناك" و الـ"هنا" لتسقط – ولوّ لثوانٍ – كلمة النكبة، وتبقى الذكرى، جميلة رغم عمرها الطويل، مبهجة رغم حزنها الملتف بأغاني تيريز سليمان وسناء موسى، الأغاني التي أعطيتك إياها يوم التقينا صدفةً في عمان عام 2008. كان لقاؤنا ساحرًا؛ الاسم نفسه، لعنته ذاتها؛ أغنية "حبيبة بابا رشا" للفنان المصري محمد ثروت والتي أصدرها عام 1983، فسُميت 30000 طفلة، على الأقل، بـ "رشا".(على فكرة، هل أخبرتك بأن في صفي الابتدائي كنّا ثماني طالبات نحمل اسم رشا!؟).

بلا طول سيرة.. منرجع لموضوعنا؛ سأكون أنا في عكّا، في بيتي بداية ومن ثم أذهب إلى مسرح اللاز-على اسم مازن غطاس، المسرح الذي أرسلت لك صورًا له، هل تذكرين؟ المسرح الذي أقيم في طريق الميناء بجانب "مسمكة" عزو، حيث ستقام هناك أمسية عكّا المركزية لإحياء ذكرى النكبة، بالتوازي مع العديد من النشاطات السياسية، الثقافية والفنية في فلسطين وعدا عن مسيرة العودة التي تُنظم كلّ عام في قرية فلسطينية مهجّرة، وفي هذه السنة ستُقام في قرية "مسكة".
هل ستطلبين مني مرة أخرى أن أضيء شمعة فور صعودي منصة المسرح قُبيل فقرة قراءتي لأقول للجمهور إنه في هذه الأثناء تضاء شموع عديدة في بيروت، وإن الناس في بيروت يرسلون سلامهم إلى العكّيين؟ أم أن لديك اقتراحًا آخر لهذه السنة؟

أخبريني، أين سنلتقي هذا العام؟ عمّان أم القاهرة؟
إلى أن نلتقي في بيروت أو عكّا يا صديقتي..عندما لن نعيش النكبة، سنتذكرها فقط.  
وعندها سأرسل لك رسالة في زجاجة فارغة عبر البحر، لن يمنعها أحد من الوصول إليك. رسالة؟ لا داعي، عندها لن نحتاج للرسائل، ساعتان وأكون في بيروت، والعكس صحيح!

كلّ الحب والأمل،
رشا حلوة
عكّا
24 آذار 2010


الأحد، 13 مايو، 2012

ملاحظات في ذكرى النكبة

مبنى "مصنع الكبريت" المهجور

تفاؤل
تتزامن الذكرى الرابعة والستين لنكبة شعبنا الفلسطيني مع معركة الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال. وتتزامن أيضاً مع كلّ ما يشهده العالم العربي من ثورات مستمرة وحراك شبابي عربي يمتد من "المحيط إلى الخليج" (بالإضافة إلى الهزة الأرضية الأخيرة)، أليس كلّ هذه أسباب تجلعنا ننظر بأمل ما إلى ذكرى النكبة؟

التكنولوجيا
أصدقائي وصديقاتي في بيروت والقاهرة وغزة ورام الله يعيشون معي يومياً في عكّا. يعني، فليذهب الاحتلال إلى الجحيم.

"سيد الكلّ"
لم يتوقف جدي يوماً ما بالحديث عن "أيام زمان"، هو المولود في الخامس عشر من مايو 1928. لكن فاته أن يحدثني عن عمله في "الصليب الأحمر" في عكّا أثناء احتلال فلسطين.. وإنقاذه لمصابين كثيرين في معركة عكّا. ولربما نسي أن يحدثني عن أشياء كثيرة. لكن، قد أصبح الوقت متأخراً.

الحجر
على مبنى "مصنع الكبريت" المهجور في عكّا، الموجود في المنطقة خارج الأسوار، والذي بناه إبراهيم اللحام، لاحظت قبل أيام وجود لافتات على الجدار الخارجي للمصنع كُتب عليهن "عكّا، فلسطين" باللغة الانجليزية. قمت بتصويرهم ومشاركتهم مع الأصدقاء. الصورة مهمة، لكنها بالمقابل لا توفينا بمعلومة لا نعرفها. هي دليل على النكبة. لكن الدليل الأكبر سيكون حين يُهدم مبنى "مصنع الكبريت" بعد أيام قليلة.

حقيقة
في إحدى السهرات مع أصدقاء من الجليل، كنا نغني أغاني من لبنان وسوريا والعراق ومصر وتونس، كانت الأغاني أكبر سناً من كلّ شخص في المجموعة. 64 عاماً، لم يستطع أحد أن يمنع أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز من أن يعيشوا في بيوتنا، عندها لم يدخلوا إليها/ إلينا من شبابيك الإنترنت. كانت "صوت القاهرة" تُبث من حيفا، ولا زالت، بهيئة جديدة. فليذهب الاحتلال إلى الجحيم، مرة أخرى.

بن غوريون: "الكبار يموتون والصغار ينسون"
-        هل أخبره أحد، بالإضافة إلى أنه مجرماً، بأنه أصبح مسخرة التاريخ؟


السبت، 5 مايو، 2012

لماذا نسينا إبراهيم طوقان؟



في كلّ مرة نسمع أو نغني فيها "موطني"، تأتي صورته بالأبيض والأسود ونظارته السوداء كخلفية للنشيد الذي لحنه الموسيقار اللبناني محمد فليفل في العام 1934، بالنسبة لي ولكثيرين ممن لا زالوا يعتبرون أن "موطني" هو  النشيد الوطني الفلسطيني. وأن النشيد لا علاقة له بحركة سياسية وسيرورتها التاريخية بل هو مرتبط بفلسطين الحقيقية على كامل التراب الوطني، وليس على حدود "أوسلو".

النقاش حول النشيد الوطني لم ينتهِ، إذ لم يكن هذا النشيد لفلسطين وحدها فقط، بل نادى كما كاتبه النابلسيّ إبراهيم طوقان بالحُلم العربي (لا الأوبريت) والمعركة ضد الاستعمار الأجنبي والإمبريالي المستمرة والمتمثلة بوجوه عديدة أهمها الوجود الصهيوني في فلسطين.

لكني لم أكتب هذه التدوينة القصيرة كي أتحدث عن نشيد "موطني"، بالرغم من القلق بأن يُنسى النشيد يوماً ما وخاصة لدى الأجيال القادمة، لكن النشيد لا زال حيّاً على الأقل لدى شريحة كبيرة من الشعب الفلسطيني والتي تعتبر أنه النشيد الوطني الفلسطيني (مع الـ تعريف). لكن الخوف الأكبر، أن يُنسى إبراهيم طوقان كما نُسي بشكل أو بآخر في الذكرى الواحدة والسبعين لرحيله (2 أيار/ مايو 1941).

في بيان صحفي قصير نُشر في العديد من المواقع الإلكترونية، كُتب:" استذكرت حركة فتح ذكرى رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير ابراهيم طوقان، وقال بيان صدر عن مفوضية التعبئة والتنظيم لحركة فتح إن إبراهيم عبد الفتاح طوقان شاعر فلسطيني (ولد في 1905 في نابلس بفلسطين- توفي عام 1941 وهو الأخ الشقيق للشاعرة فدوى طوقان". أما تكملة الخبر فهي عبارة عن نقل المعلومات الموجودة عن إبراهيم طوقان في موقع "الويكيبيديا".

أعتقد، أنه بإمكاننا أن نتذكره مرة واحدة في السنة على الأقل، وأعتقد أيضاً أن حركة فتح بإمكانها أن تستذكر رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير إبراهيم طوقان مثلاً بإسترجاع "موطني"، لا النشيد فقط.



البحر/ صابرين