التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصصٌ لأبي


صباح الخير أيّها الجميل،
لا من مناسبة محددة بالأيام تجعلني أكتب لك اليوم. غير أني استقيظت مع شعور جديد من الشّوق، لم أختبره من قبل. هو مؤلم بكل الأحوال، لكنه على الأقل يستدعي الكتابة.
بالإضافة إلى أمريْن أردت إخباركما بهما، على أمل أن لا تغضب مني يا ابن البحر.

المهم، قبل شهر تقريبًا، وبعد مرور ثلاثة شهور على انتقالي إلى برلين، كانت أسماء هنا. كنا نبحث عن مكان نأكل به. مررنا بجانب مطعم سمك تركيّ. كنت مشتاقة لسمك المتوسط كثيرًا عندها. أوكي، أنا مشتاقة للسمك دائمًا حتى وإن عشت بجانب شاطئ البحر. قررنا أنا وأسماء أن نجرب السّمك في هذا المطعم، لكننا تأكدنا قبل طلب أي وجبة بأن السّمك قادم من المتوسط، وكان كذلك.

الأمر الثّاني يا أستاذي هو بأني ذهبت قبل أيام مع أصدقاء وصديقات إلى رحلة قارب في إحدى بحيرات برلين. لم أجهز نفسي للسباحة عندها، أنا لا أحبّ أن أعوم في أي جسم مائيّ عدا عن البحر، وبالأساس المتوسط، كل البحار الأخرى تافهة بالنسبة لي. أخبرت أصدقائي بذلك. لكن مع ارتفاع درجة الحرارة واقتراب الشّمس من جلدي، قررت أن أجرب هذه المرة أن أنزل إلى الماء وأعوم قليلًا. لم تكن المياة كما بحيرة طبريا بالطبع. سبحت لدقائق معدودة، وكانت قد سمعت الأعشاب التي في البحر صراخي بأني أكرهها.

في كلا القصتيْن كنت حاضرًا جدًا. في الأولى، لأن صدى صوتك الذي حذّرني لسنوات طويلة أن لا آكل سمكًا بمدينة ليست على البحر، وفعلتها للمرة الأولى ربما. وفي القصّة الثانيّة لأني كلما اقتربت إلى حافة القارب والحديد الذي يحيطه، تذكرت ألعابك مع القوارب والبحر، هو الذي لم يخيب ظنك أبدًا. وتذكرت هذه الصّورة.

أبي، وصلتني رسالة هذا الصّباح من صديق تونسيّ، عاتبني بصدق لأني لم أطمئن عليه منذ فترات طويلة. لكنه، كما كل أبناء البحر، قلبه يتسع لكل أحزان الدّنيا، لكنهم دائمًا سيجدون متسعًا للحبّ. فأرسل لي أغنية تحمل الاسم "يا موج البحر"، وقال لي في رسالته: "الأغنية عن فتاة تعيش في الصحراء، ولكنها تغني للبحر. أنا من الناس الذين يعرفون تعلقك بالبحر، وأظن أن عطشك للبحر وخاصة بحر عكّا، جعلني مدفوعًا برغبة جامحة منذ مدة طويلة في أن أكتب إليك.".

صديقي، الذي يُرسل لي أغاني دائمًا باللهجة التونسيّة، يُرفق معاني الكلمات دومًا، ولم يبخل بذلك هذه المرة أيضًا. فتقول الأغنية:
يا نحيب القلب يا عيني السكيبة ** من فراع الليل في دقاته دبك
القلب ما يحساب الفرقة قريبة ** ما يحساب الوقت يا عيني يفك
الحاصل ها الأيام لا صعيبة ** حتى الوقت خان ومعاك إشترك
الحاصل يا الأيام كل حد ونصيبه ** الحلو يدوم يدوم ويعد بالمر


الحلو يدوم يا بابا، ورح يعدي المرّ.
ما زعلت مني، ها؟
اشتقتلّك. صباحك خير.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …