الأحد، 29 يناير، 2012

حملة "ما" ضد التسلّط




*ما تخسرنيش، ما تسرقنيش، ما تورطنيش، ما توعظنيش، ما تخذلنيش، ما تهمشنيش، ما تحاربنيش، ما تكفرنيش، ما تتجاهلنيش، ما تلغينيش، ما تضطهدنيش، ما تسكتنيش، ما تسجنيش.. مشروع الفنان المصري باسم يسري بروح الثورة*

// رشا حلوة

خلال الأيام الأولى  للثورة المصرية المستمرة، قرر الفنان المصري باسم يسري أن يعمل على حملة إلكترونية مجانية بعنوان "ما تخسرنيش". تزامناً مع الأصوات المصرية التي انطلقت من ميدان التحرير وكلّ المدن المصرية مطالبة بالتغيير والحريّة والعدالة الإجتماعية وإسقاط النظام المتمثل آنذاك بالرئيس المخلوع حسني مبارك واليوم بالمجلس العسكري. وقد جاءت هذه الحملة الالكترونية، والتي بدأت من موقع "فيسبوك" الإجتماعي بتجسيد هذه الأصوات من خلال جمل باللهجة المصرية تبدأ بكلمة "ما"، دلالة على رفض هذا الواقع المستمر إلى يومنا هذه بأشكاله المختلفة.

عند بداية الحملة، تم إنشاء صفحة على موقع "الفيسبوك" تحت عنوان "حملة ما تخسرنيش"، والتي هي بشكل أو بآخر تلخص فكرة الحملة، بالحفاظ على الإنسان والمواطن، وتم نشر صور هي عبارة عن خلفية بألوان مختلفة وجملة ذات خط موحد مثل؛ ما تسرقنيش، ما تورطنيش، ما توعظنيش، ما تخذلنيش، ما تهمشنيش، ما تحاربنيش، ما تكفرنيش، ما تتجاهلنيش، ما تلغينيش، ما تضطهدنيش، ما تسكتنيش، ما تسجنيش.

الفكرة الأساسية هي بتوجيه هذه الجمل والمواقف تجاه "سلطة" ما؛ الفرد، العائلة، المجتمع، وبالأخص السلطة السياسية خاصة في ظلّ الفترة التي يعيشها المصريون وبالتالي هي حملة موجهة للقيادات السياسية التي "عايزة تفكرلنا" كما ذُكر في بيان الحملة، أو سلطة تنوي الإعتداء على إنسانية المصريين أو "لأي حرامي لابس بدلة وقدامه مكتب"، أو لمن يبثون الكراهية بإسم الدين واستغلاله من أجل السيطرة على الإنسان وأيضاً تجاه الأشخاص التي لا تخرج من بيوتها للمشاركة في  الحراك الشعبي وحتى من فقد الأمل بنجاح الثورة المصرية وكلّ من له مطالب فئوية لا تمت بصلة لمطلب المصريين العام.

تهدف المبادرة إلى أن يعبر كلّ من المصريين عن نفسه بجملة واحدة وباللهجة المصرية فقط، كي تكون أقرب إلى الناس، من أجل إيصال هذا الصوت إلى كل من يتمثل بالسلطة، وبما في ذلك هنالك دعوة لأي شخص يرغب بأن يشارك في جملة ما أن يرسلها إلى مبادر الحملة على أن تكون بنفس وزن الجملة والمبادر سوف يعمل على نشرها إلكترونياً، حتى لو خارج مصر.

في أيلول الماضي، تطورت الحملة أكثر وخرجت عن الإطار الإلكتروني، لتصبح أيضاً بمثابة مطبوعات على أوراق بحجم A3 تقريباً، من خلال اختيار بعض الجمل من الحملة وتسلميها لعدد أكبر من الشباب والشابات المصريين – وأيضاً غير المصريين- من أجل إلصاقها في المدن والأماكن المصرية المختلفة وفي العالم العربي. فكلّ شخص بإستطاعته أن يضعها في المكان أو أمام الجهة التي يرغب بتوجيه جملته له أو حتى أي مكان في الشارع، وبذلك تخرج الحملة من الحيز الإلكتروني إلى أرض الواقع، كونها منبثقة منها.

عندما يُسأل مبادر الحملة، الفنان باسم يسري عن هدفها، يقول بإختصار: "الحملة مش هدفها بيع. كلّ حاجة ببلاش. هدفها نشر معاني التسامح وتقبل الآخر رغم إختلافه ونبذ العنف الطائفي وغير الطائفي والفساد والتعذيب".

لمتابعة الحملة على موقع "الفيسبوك"، حملة ما تخسرنيش


نُشر في ملحق صحيفة الإتحاد، يوم الجمعة 9 كانون الأول/ ديسمبر 2011

الجمعة، 27 يناير، 2012

«حتة من قلبي..»


ميناء عكّا، في حبّ مصر


قبل أيام قليلة، جلست برفقة أصدقاء في مقهى في القاهرة، وقع عليه الاختيار لأنه دافئ نسبيا. فالمصريون إجمالا يفضلون المقاهي الخارجية أكثر، لكن «طوبة» (اسم شهر في التقويم القبطي يأتي ما بين 9 كانون الثاني/ يناير و7 شباط/ فبراير)، هو أكثر الأشهر برداً وقدرة على منع الجلوس فيها.
في المقهى، كانوا يستعيدون قصة حدثت مع اثنين من الأصدقاء، لم تكن لي علاقة بها، ولكني سبق وتواجدت أثناء حصولها. بالإضافة إلى الضحك الهستيري الذي أصابنا جراء تذكرها، شعرت بفرحة ما ترقص في قلبي، كأنها تقول: «لست جزءاً من هذه الذكرى، وهي لا تحكي عني أثناء تواجدي في القاهرة، والأهم من ذلك تحدثنا عنها صدفة، ولكني أتذكرها تماماً، كما لو أني أعيش هنا كلّ يوم».
كأني أصبحت فجأة جزءاً من التفاصيل اليومية في هذه المدينة. صديقي إسلام يقول دائـماً حين يودعني وأنا عائدة إلى فلسطين: «إنتِ رايحة مـشوار وهاترجعي بسرعة». وأرد بالإيجاب طبعاً. فمنذ آذار/ مارس 2010 حتى يومنا هذا زرتها خـمس مرات، مع أني لا أعتقد أن «زرت» هي الكلمة المناسبة لوصف حالتي.
في المرة الأولى جئتها حين كنت في الحادية عشرة من عمري، برفقة عائلتي، وصارت لي ذكريات مشوهة من تلك الفترة، ما عدا النيل، الذي ما زال يحتفظ بكامل وضوحه في ذاكرتي.. تماما كما هو الآن.
عند شاطئ عكّا، وُلدت لأب عكّي وأم لاجئة من قرية إقرث المهجرة (قضاء عكّا) ومولودة في قرية الرامة الجليلية، فهي الرحم الأول لحبّ مــصر أيضــاً. لكن كلما كبرت، علـمت أنها ليـست قصـتي وحـدي. كان حبّ مصر يورث في العائلات الفلسطينية، وأتاح الإنترنت لنا في ما بعد التواصل مع أصدقاء مصريين، وبناء علاقات حقيقية امتدت سنوات عديدة، وازدادت حميمية وترسخت أكثر منذ أن بدأت الثورة المصرية.. المستمرة.
في إحدى ليالي آب/ أغسطس الماضي كنت قد شاهدت أمسية موسيقية لفرقة «إسكندريلا» في مسرح «الهانغر» في دار الأوبرا المصرية. عندها غنّت الفرقة أغاني عديدة تحكي مصر والثورات العربية وفلسطين. كنا أنا وصديقتيّ رشا وتحرير عند كلّ أغنية تقدم إلى فلسطين نطلق زغاريدنا في السماء، وكانت الزغاريد تصل إلى المنصة وتلتقي بالأغاني وهتافات الشباب المصريين في المكان، فتفتح شباكاً أرى منه فلسطين تقترب أكثر.
بالمناسبة، صديقتي رشا لبنانية. كان لقاؤنا الأول في عمان، ومن ثم لم نلتق إلا في القاهرة. في إحدى ليالي لقاءاتنا التي تكررت مرارا في المحروسة، كنا نمشي في حيّ «الزمالك» ونتحدث باللهجتين الفلسطينية واللبنانية. أثناء مرورنا بجانب دكان، سألنا البائع: «إنتو من فين؟». أجابته رشا بأنها من لبنان، وأجبته بأني من فلسطين، فإذا به يسألنا مبتسماً: «هو الموج كان عالي وجابكو لحد هنا؟».
كان على رشا أن تعود إلى بيروت. وكما في كل مرة، وهو وداع موجع. فرشا لا تستطيع أن تزور عكّا ولا يمكن لي أن أزور بيروت. هكذا كنا نلتقي في أم الدُنيا. كما التقيت بأمل وسمر في أيار/ مايو 2010، بعد صداقة بدأت إلكترونياً منذ 2006.
التقينا في باب المطار الخارجي. كان علـينا أن نتأكد أن ما يحصل هو حقيقة لا «حُلم ليلة صيف».. وكان علينا أن نغامر هكذا، أن نجرؤ السفر ونتحمل متاعب الحصول على تأشيرات دخول، وصعوبة اللقاء في القاهرة..
يكون الوداع موجعا، برغم ما يحمله من أسئلة طفولية، مثل: «ليش ما فيكو تيجوا معي على عكّا؟». ولماذا لا يخترع العالم القاسي حقيبة نخبئ فيها من نحب ونحملهم معنا في الطريق، من دون أن يكتشفنا من سرقوا الطرق قبل سنوات عديدة؟
سأعود وأنا على دراية بأني في كلّ مرة أغادر فيها القاهرة أترك خلفي «حتّة من قلبي»، فأعود على متن الطائرة بنصف قلب مثلاً. لكني سأشــفي جراحه حين أجلس عند شاطئ عكّا، وأنظـر غرباً باتجـاه الإسكندرية، وأنا على يقين بأنني سأكون يوماً ما مديرة لشركة القوارب المتنقلة ما بين ميناء عكّا والإسكــندرية، لا لشيء، فقط لأسمع المسـافرين أغـاني أحبّها، وأخبرهم كيف تتحقق الأحلام، ولأقول لهم «طوبى» لمن لعن سايكس بيكو، والمجد للثوار في كلّ مـكان.. من ميدان التحـرير إلى تعـز ودرعا وحـيّ الفـاخورة في عكّا.

(عكّا)
عن ملحق "شباب السفير"

السبت، 21 يناير، 2012

تحية فلسطينية للثورة السورية



21.1.12 يوم الغضب العالمي لنصرة الشعب السوري
ثورة سلمية.. ضد التدخل الأجنبي.. ضد الطائفية والفئوية..
منذ عشرة شهور يسير الشعب السوري نحو الحرية وثقتنا به لا تشوبها شائبة لذا نرى أن من واجبنا أن نحذره من خطر التدخل الأجنبي وأن نشد على أياديه للحفاظ على سلمية الثورة التي عودتنا منذ بدايتها على رفض الطائفية والفئوية.
منذ عشرة شهور يسير الشعب السوري نحو الحرية بثبات، رغم تعثر خطواته التي يقطعها إجرام نظام بشار الأسد بأسلحة كانت أولى بحرب تحرير أرضه المحتلة، أو يقطعها اختلاف من ائتمنهم الشعب السوري على تمثيله.
منذ عشرة شهور يسير الشعب السوري نحو الحرية يسقط في مسيرِه شهيدا من يسقط، دون أن يَحدّ القتل ومحاولة تفريق الصفوف  من صموده البطولي.
منذ عشرة شهور يسير الشعب السوري نحو الحرية والعالم كله يُحلل شعارات مظاهراته وتحقق الفضائيات نسب المشاهدة المرتفعة فوق دماء شهدائه ويبيع الإعلام الكلام والصور عن حرب أهلية أو مؤامرة،  ويتهالك على سورية من لم يدعموا يومًا الحرية والديمقراطية في شرقنا، معتقدين أن مؤامراتهم ونواياهم تنطلي علينا. ونحن على ثقة أن هذه المؤامرات ستتهاوى عند أقدام الشعب السوري العربي العريق، حالما يستعيد عافيته.
عشرة شهور ونحن نتفرج ونؤدلج الموقف ونتفادى مشاهدة الجثث الممثل بها والنساء اللواتي لا يتظاهرن خوفا من الرصاص وننتقي القناة التي سنشاهد فيها خبر استشهاد ثلاثين وسبعين ومئة سوريّةً وسوريًّا ونخجل من تضامننا البائس. . وعندما ينتهي كل يوم ثوري تنام عشرات الأسر السورية دون أحد أبنائها ودون أن يقاسمها ألمها أحد.
نحن نشطاء ومدونون فلسطينيون، وفي يوم التضامن العالمي مع الثورة السورية، نؤكد وقوفنا  إلى جانب الشعب السوري الثائر. نرفض بشدة استخدامنا واستخدام قضية فلسطين كسجادة يكنس نظام الأسد جثث ثوار سورية تحتها ثم يدوس عليها أمام عيوننا جميعا. لنفكر عميقا بما يدور حول الثورة السورية وداخلها لكن لنترك التحليل المفرط والفذلكة جانبا لأن الثمن ليس أقل من دماء إخوتنا. لندعم الثورة السورية لتظل ثورة ترفض التدخل الأجنبي وتلفظ الطائفية وتحتفظ بسلميتها، فدون ثقتنا جميعا بها ودعمنا لها لن يكون لنا أي حق بالتنظير والمزاودة على الشعب السوري الذي يُقتل كل دقيقة.

الأحد، 8 يناير، 2012

أم كلثوم يسعد أوقاتها



رشا حلوة
لم تشكل أم كلثوم حيزاً في بيتي العكّي، بما أنّ والدتي شادية، حسب اعتقادي، هي المعجبة الأولى في فلسطين لأغاني عبد الحليم. لدرجة أنّ أخي الصغير يلقبه بـ “صاحب أمي”.. وكونها متأثرة جداً بقصة حياته لم تحبّ أم كلثوم يوماً ما: “لأنها كانت عاطلة مع عبد الحليم”، كان تردّد، بما في ذلك القصة التي يعرفها الجميع حين غنّت أم كلثوم قبل عبد الحليم في “عيد الثورة”، لمدة 4 ساعات وكان وضعه الصّحيّ سيئاً. فكان حبّ عبد الحليم هو صلة الرحم مع مصر، وأم كلثوم كانت بعيدة بعض الشيء عن الذاكرة الموسيقية اليومية، إلى أن وصلت إلى 2011.

كان هذا العام بداية لأشياء كثيرة، وبمثابة نسيج من التجديدات على المستويات الحياتية، منها الشخصية ومنها العامة. وكان لقصتي مع أم كلثوم بداية خاصة، لفتاة في السابعة والعشرين من عمرها، كأنها تسمع أم كلثوم أول مرة، وكأنها تكتشف هذا الهرم الذي عرفه الكثيرون وغاب عنها لسنوات لا بأس بها.
بدأت القصة في تموز/يوليو الماضي أثناء سفري إلى القاهرة بعد بداية الثورة بأشهر قليلة، وكان سبب زيارتي -بالإضافة إلى الاشتياق والرغبة الأزلية بأن أزورها- أن أقوم ببحث صغير عن رحلة أم كلثوم من القاهرة إلى فلسطين وإقامتها لحفلات موسيقية في ثلاث مدن رئيسية: القدس، يافا وحيفا. وخاصة عن زيارتها لمدينة حيفا في العام 1928، هذه المدينة التي لُقبت فيها بـ “كوكب الشرق”، وكانت قد منحتها هذا اللقب امرأة من حيّ وادي النسناس الحيفاويّ.

كان يتطلب البحث مني الإطلاع على مراجع عديدة والحديث مع الناس، من لا يتحدث عن أم كلثوم في القاهرة؟ من لا يعرف على الأقل قصة واحدة عن حياتها؟ من لا يسمع في النهار أغنية واحدة لها على الأقل؟ إن كان ذلك باختياره أو باختيار الإذاعة؟ كيف سأبحث عن تفاصيل رحلتها إلى حيفا في هذا الكمّ من الذكريات والقصص التي لا زالت تعيش في التفاصيل الصغيرة لحياة كلّ مصريّ ومصريّة؟
قبل يومين، كنا أنا وعائلتي في زيارة إلى أصدقائنا، وكعادة إحدى القنوات التلفزيونية، تلتزم أن تبث كلّ ليلة في تمام الساعة العاشرة مساءً أغنية لأم كلثوم من حفل ما (والدتي هي التي أخبرتنا بهذه المعلومة وطلبت منا أن نبحث عن القناة.. معقول شو عم بصير؟) المهم، وجدنا القناة وكانت الأغنية “أغداً ألقاك”.. بدأ بعض الحضور بالغناء معها، خاصة أنا ووالدي، إلا أنّ صديق والدي طلب منا أن نبحث عن أغانٍ أخرى، لا لإم كلثوم قائلا: “لشو الذكريات إسا؟”.
أثناء زيارتي للقاهرة في تموز/يوليو، وخاصة في الأيام الأولى منها، حصلت على رواية “كان صرحاً من خيال” لسليم نصيب، الرواية التي كُتبت بالفرنسية وترجمها فيما بعد الشاعر اللبناني بسام حجار إلى العربية. أعتقد أنّ هذه الرواية كانت سرّ بداية قصة حبّي مع ثومة وأغانيها.
بعيداً عن الكتب المعلوماتية والتاريخية التي كُتبت عنها، وحتى التي كُتبت بنفس غزلي مرهف ومتكرّر كثيراً، وجدت في هذا الكتاب، بل هذه الرواية شيئاً جديداً. هي رواية كُتبت وكأنها على لسان الشاعر المصري أحمد رامي -العاشق الأزلي لأم كلثوم- هي رواية بكلّ معنى الجمال، والتي ابتعدت قليلاً عن أم كلثوم الأسطورة والهرم الرابع وقربتها إلى الإنسانة، التي تحمل قصصاً كثيرة؛ لها قصتها، قصص حبّها، قصص الأغاني وما وراء كواليسها، البيت الذي بنته، الصراع الذي عاشته مع والدها وأخيها، غيرتها من الفنانات، حربها مع عبد الوهاب ومن ثم “أم عمري” نتاج الصلحة الذي عمل عليها الرئيس المصري جمال عبد الناصر. فجأة تصبح هذه الشخصيات والأسماء الكبيرة شخصيات تعيش مع القارئ في بيته، أو المكان الذي يختار أن ينعزل فيه لقراءة الرواية.

قبل أسبوع، كنت في عمان.. وفي نفس الفترة كانت صديقتي جمانة قد اشترت إسطوانة MP3 تحتوي على 43 أغنية لأم كلثوم. واعتدنا، بعد أن تنتهي سهرة ما، الصعود إلى السيارة ووضع أغنية لأم كلثوم، نختارها بشكل عشوائي ونسمعها.. في إحدى المرات كنت قد سألتها: “جمانة، كيف كانت رح تكون هاي الحياة بدون إم كلثوم؟”. “بتكون ناقصة”، أجابتني. لكني قلت لها بأنها لو لم تكن موجودة لما كنا شعرنا بالنقص. فقالت: “صحيح، هي قيمة مضافة. وهي كرم إضافي لهاي الحياة”.
في الأسبوع الماضي، كنا نجلس أنا وعائلتي في بيتنا في عكّا نشاهد التلفاز. فجأة، ولا أعرف من وضع على القناة التي تبث أم كلثوم الساعة العاشرة مساءً، كانت الأغنية “حيرت قلبي معاك”. وكالعادة، تحدثت أمي عن عبد الحليم. ولاحظت أنّ أبي يغني مع أم كلثوم (بالمناسبة، يملك أبي صوتاً جميلاً). فجأة، نظر إليّ وقال لي: “بتتذكري قديش ستك أم الزوزو كانت تشبه أم كلثوم؟”. نعم، أجبته. وابتسمت. وقلت في نفسي: “من قال إنّ أم كلثوم لم تكن جزءاً من ذاكرة الطفولة؟”. كنت آراها في وجه جدتي.
مرتّ 22 عاماً من دون أن أرى وجه أم كلثوم بوضوح. واليوم لم تعد مرتبطة بالمناسبات والسهرات. هي تصلح للصباح أيضاً. هي تصلح لكلّ الأوقات، كالخيال تماماً.

الأربعاء، 4 يناير، 2012

2011 والاعلام الثوري الجديد



 رشا حلوة
في نهاية نيسان الماضي سافرت إلى كوبنهاجن للمشاركة في مؤتمر حول النشاط السياسي الالكتروني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كان المؤتمر منظما ضمن مجموعة "مدونات النساء في العالم العربي والدنمارك". في المؤتمر، والذي يقام ليوم واحد فقط، تحدثت ناشطات من مختلف أنحاء الوطن العربي والتي تجري فيها الثورات عن الأوضاع في كلّ بلد، دامجات النضال على أرض الواقع مع النشاط الإلكتروني عبر وسائل الإعلام الجديدة المختلفة. المقولة الأساسية التي جاءت من مصر وتونس والبحرين واليمن ان الثورات لم تبدأ من الفيسبوك، بل من الميادين، وما الفيسبوك إلا وسيلة إعلام حديثة لإيصال صورة عن الحقيقة وأصوات الثائرين والثائرات على الأرض.

وبلا شك فالتعامل مع وسائل الإعلام الجديد المختلفة؛ الفيسبوك، التويتر، اليوتيوب أخذ له منحى آخر منذ بداية الثورة التونسية في كانون الأول 2010 على مستوى العالم العربي وفلسطين أيضا، قبل تونس، كان التعامل مع هذه الوسائل كحيز للنشاط السياسي والاجتماعي الالكتروني محصورًا بشكل أو بآخر على مصر وتونس وغزة أيضا. وفيما بعد، عرف الشباب العربي أهمية هذه المنصة وقدرة إيصال أصواتهم إلى العالم بأقل وقت وتكاليف ممكنة. ففي الوقت الذي مُنعت فيه وسائل الإعلام العربية والأجنبية أن تغطي الأيام الأولى من الثورة المصرية، كان الإعلام الرسمي، كقناة الجزيرة الإنجليزية، يتعامل مع الثوار في ميدان التحرير – ومن خلال "تغريداتهم" (تويتس)- على أنها المرجع الوحيد لها. فكانت الجزيرة الإنجليزية تخصص كلّ ساعة مدة 5 دقائق لعرض "التغريدات" المصرية على شاشتها إلى العالم.

بالإضافة إلى هذه الإنجازات التي وصل إليها الناشطون على الأرض والذين بالإمكان تسميتهم في نفس الوقت باسم "المواطنون الصحافيون"، كانوا يعيشون أجواء من الملاحقة والاعتقالات من قبل الأنظمة العربية المتمثلة بوجوه عديدة منذ أن بدأ النشاط على الإنترنت وإلى يومنا هذا. فحتى بعد أن سقط الرئيس المخلوع المصري محمد حسني مبارك وسيطر المجلس العسكري على السلطة كامتداد  للنظام المخلوع، كان المجلس العسكري قد اعتقل الناشطة أسماء محفوظ بتهمة "الإساءة إلى المجلس العسكري" عبر ما تكتبه على صفحتها على موقع" تويتر" وتعليقها في احدى القنوات الفضائية على المجلس العسكري. في اليمن مثلا، كانت قد قدمت المدونة اليمنية أفراح ناصر (27 عاما) طلبا باللجوء السياسي في السويد، وذلك بعد أن تم ملاحقتها مرارا وتكرارا من قبل النظام اليمني. أما في سوريا، فكانت السلطات السورية قد اعتقلت المدونة السورية رزان الغزاوي على الحدود السورية- الأردنية بعد أن كانت في طريقها لحضور مؤتمر حول حرية الإعلام في عمّان يوم الرابع من كانون الأول وتم الإفراج عنها يوم الثامن عشر من نفس الشهر بعد أن شهدت فترة اعتقالها حملة الكترونية كبيرة على مستوى العالم العربي والعالم، منها حملة تجميع التواقيع التي نُشرت في موقع "Avaaz" الشهير.

شباب ناشط//
رزان غزاوي، خريجة أدب إنكليزي من كلية الآداب في دمشق ومدونتها "رزانيات" من أكثر المدونات المتابعة لفترة الثورة السورية.  في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي وبعد أن مُنع المدونيون الفلسطينيون (48ـ 67) من الحصول على تأشيرات دخول إلى تونس لحضور "الملتقى الثالث للمدونين العرب"، وإحتجاجا على ذلك، وضعت الغزاوي ورقة بحجم كبير على ظهرها طوال أيام المؤتمر تطلب فيه عدم السكوت عن رفض تأشيرات الدخول إلى تونس الثورة. عُرفت الغزاوي بنشاطها من أجل القضية الفلسطينية، وفي الأيام الأولى للحرب على غزة نهاية العام 2008، كانت قد نشرت تدوينة عبر مدونتها بعنوان "حول فكرة "التضامن مع غزة"، كتبت في إحدى فقراتها:" أفهم أن يتضامن سكّان كوبا والبرازيل وباكستان مع غزّة، لكنّني لا أفهم، حين يتضامن السوريون واللبنانيون والأردنيون، لا بل الفلسطينيون في الشتات، مع غّزة، فماذا يُقصد بالتضامن هنا؟ على الخطاب المحليّ إزاء المخاطر المذكورة ألا يكون متضامنا بذات المنطق المنادى به حول العالم، فالتضامن، أيّ التعاضد والدعم وما إلى ذلك من عبارات مؤازرة، هي عبارات أطلقت في البدء من قبل مجموعات عالمية "ناشطة" لحشد دعم من لا صلة مباشرة له بالقضية المعنية. أمّا هنا، فأعتقد حين يدعو المحليون أنفسهم بدعم أنفسهم، هو أمر لا بديهي فحسب، بل يعكس تردِّيًا في قراءة المشكلات التي نعاني منها أوّلا، وطريقة تناولنا لها ثانيا".

لم يقتصر النشاط السياسي الالكتروني على العالم العربي فقط، ففي فلسطين أيضا بدأ يأخذ له حيزا أوسع لدى الشباب الفلسطيني  الناشط في كلّ فلسطين التاريخية بالإمكان القول بداية من المظاهرات حول إنهاء الإنقسام التي كانت في الخامس عشر من آذار الماضي في الضفة الغربية وقطاع غزة. لكن، لم يتوقف النشاط هناك، بل عمل الناشطون على استمراره وتوسيع نطاقه وتنظيمه، إن كان من خلال المدونات الالكترونية أو موقع "تويتر" الذي كان عدد مستخدميه قليلا جدا ودوره غير فعّال تماما قبل بدء الثورات العربية. وبالإضافة إلى ذلك الاجتماعات التي تقام "أوف لاين" والتواصل مع الناشطين الفلسطينيين من أجل العمل سوية على الربط ما بين النضال على أرض الواقع وما بين النشاط الالكتروني وتنظيم  حملات الكترونية كحملة الذكرى الرابعة والعشرين للانتفاضة الأولى كتب فيها الناشطون والمدونون مقالاتهم وتدويناتهم عن الانتفاضة الأولى وإجراء مقابلات مع من عاشها بالإضافة إلى العمل على إنتاجات بصرية كالبوستر ومقاطع الفيديو وما إلى ذلك، مستخدمين "الهاشتاغ" #intifada1. وقبل ثلاثة ايام، في الذكرى الثالثة للحرب على غزة، وفي تمام الساعة التاسعة مساء بتوقيت القدس المحتلة بدء المدونون الفلسطينون حملة أخرى تحت العنوان ("الهاشتاغ") #GazaSurvives ذكروا فيها أسماء كلّ الشهداء مع أعمارهم، إضافة إلى حقائق مختلفة حول الجريمة الإنسانية التي ارتكبتها المؤسسة الإسرائيلية في الحرب الأخيرة على غزة والتي أكد الناشطون أنها لم تنتهِ بعد. الهدف من أن يبدأ الناشطون الإلكترونيون – بإتفاق مسبق مع معظهم- نشر "التغريدات" بنفس الوقت هو أن كثافتها تحت عنوان (هاشتاغ) معين بالتالي ستلفت إنتباه العالم ويحث ناشطين إلكترونيا آخرين على نشر التغريدات أكثر والتفاعل والوصول إلى الإعلام والعالم.

ليس في غرفة الحاسوب فقط//
هذا العالم الذي يسكنه ناشطون الكترونيا كثيرا والمستمر بالتوسع والتأثير، هو بلا شك عالم مهم ووسيلة إعلام جديدة وبديلة عن وسائل الإعلام التقليدية. على مدار العام 2011 والثورات العربية، أبدت هذه الوسيلة جدارتها بإيصال "أصوات الحقيقة"؛ من مقالات وصور فوتوغرافية ومواد فنّية وموسيقية ومقاطع فيديو استطاعت أن تقف كأدلة حق وأن تشكل صرخة أمام الآلات الإعلامية التابعة للأنظمة العربية. والأهم من ذلك، أن من يكتب التاريخ هذا، على الصفحات الالكترونية المختلفة، لا يعيش في غرفة الحاسوب فقط، إنه في الساحات والميادين التي يُقتل فيها الأبرياء يوميا بدم بارد.

المقال نُشر في  ملحق صحيفة "الإتحاد" يوم الجمعة 30 كانون الأول/ ديسمبر 2011

البحر/ صابرين