السبت، 7 ديسمبر، 2013

من ميناء عكّا إلى شاطئ إسكندرية، إلى علي شعث..

علي شعث ورنوة يحيى


رشا حلوة

المشهد الأول
مايو 2012. بار في فندق. المجموعات الأولى للمشاركين وصلت إلى شرم الشيخ. الليلة الأولى؛ فعاليات أغان ورقص بوتيرة متصاعدة إلى أن وصلت قمتها عند الواحدة صباحاً. علي يمسك في يده دربكة ونغني معه أغاني وردة الجزائرية. نغني ونرقص ونضحك. المشاركون القادمون من تونس تأخروا في مطار القاهرة. ساد قلق بأن لا يصلوا عند بداية المؤتمر أو القلق الأكبر يكمن باحتمال إعادتهم إلى تونس. الأغاني مستمرة؛ فلسطينيون ومصريون وسوريون ولبنانيون وأردنيون. انتهت فقرة أغاني وردة. انتقلنا إلى أغاني محمد منير.

المشهد الثاني
فور رحيل علي بحثت في الملفات القديمة ووجدت من هذه الليلة مقطعاً مصوراً ًقصيراً يوثق لثوانٍ معدودة علي حين كان يغني: "آه يا لا لا لي.. يا بو العيون السود يا خلي".

المشهد الثالث
في صباح اليوم الثاني لحلقة الأغاني والرقص في شرم الشيخ، استيقظنا على خبر رحيل وردة الجزائرية.


المشهد الرابع
في الليلة الثانية للمؤتمر، عند منتصف الليل، كان قد وقع اختيار شاطئ البحر أن يضم سهرتنا هذه المرة. كنا نختار سهراتنا كلّ ليلة في مكان مختلف داخل الفندق. بعد بداية السهرة بقليل، قررت أن أترك المجموعة وأذهب وحدي قليلاً لأتأمل البحر، ومن ثم عُدت إليهم، فإذ بمجموعة من الأصدقاء تغني أغاني تونسية وتجلس على مقاعد البحر. ومجموعة ثانية، تضم علي ورنوة وخالد وتحرير، تغني أغاني الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم. فجأة، توقفت المجموعة التونسية عن الغناء، وانضمت إلى مجموعة الأغاني المصرية. وبعد انتهاء فقرة "الشيخ إمام"، أحضر علي جيتاراً كي يغني بذات التلقائية والعفوية والسعادة، الأغنية التي انشهرت بصوته وأدائه أكثر من مغنيها الأصلي ياسر المناوهلي: "قلة مندسة". غنّى الأبيات وكنا نغني اللازمة معه. وفي تلك الأثناء، رُسمت على وجوهنا الابتسامة التي تشبه ابتسامة علي، كأنها تنتقل إلينا منه، بسحر ما.
في تلك الليلة أخبرت علي ورنوة: "بدي أحكيلكو فكرة". أجاباني: "طبعاً، خلينا نحكي قبل ما نرجع القاهرة وترجعي عكّا".

المشهد الخامس
انتهى المؤتمر. الفندق فارغ. كانت الغالبية قد غادرت باكراً. علي ورنوة والعائلة سيعودون إلى القاهرة من شرم الشيخ بالسيارة التي استقلوها. كانا جالسين في غرفة الاستقبال الفندقية. جلست بجانبهما وحدثتهما عن فكرة إنشاء "راديو أون لاين" للمنطقة العربية كلّها ويتحدث بلهجاتها. كعادتهما، شجعاني على كتابة المشروع وإرساله والبدء في خطواته الأولى. كانت المحادثة باللهجة الفلسطينية واللبنانية، وسرعان ما تحولت إلى المصرية حينما توجه إليهما ابنهما نبيل لسؤالهما: "إمتى هانمشي؟".



المشهد السادس
يناير 2013. وصلت القاهرة وقصدت مؤسسة "أضف" في المقطم، لإقامة الاجتماع الأول لحُلم "راديو الإنترنت". احتضن اللقاء عددًا صغيرًا من محبّي الفكرة والأصدقاء. مجموعة تقنية وأخرى تعنى بالمضامين. لكن، لم تكن تلك التفرقة ذات أهمية. كنا نريد "أون لاين راديو"، وكانا رنوة وعلي حارسين لهذا الحلم. أذكر "لايك" رنوة في اليوم الأول لهذا اللقاء، حين كتبت عبر الستاتوس: "أن تتحقق الأحلام". لم أبح لها بأي تفصيل عن القصد من الستاتوس أو الحُلم، لكنها فهمتني. هي تفهمنا دوماً. وكانا سوياً يفهماننا دوماً.
اقترح علينا علي عندها أن نقوم بتسجيل تجريبي لفقرات الراديو. وبادر بدوره بتسجيل صوته. فقال: "هُنا راديو.. هُنا". رشا، صديقتي وشريكتي اللبنانية، قامت بالتسجيل عبر هاتفها النقال.

المشهد السابع
بعد رحيل علي بيوم واحد، أرسل لي زميلي أحمد عبر التويتر ليستفسر عن مكان هذا التسجيل. على الفور تواصلت مع رشا عبر "الواتساب"، وأخبرتي بأسف وحزن بأن ملفات "الميديا" اختفت كلّها من الهاتف.
لماذا لم نحتفظ بالملفات عندها؟ لماذا لم ننقلها إلى "مكان أكثر أمانًا"؟ لماذا لم نسمع نصيحة "غاوي الأراشيف"؟ ولماذا اعتقدنا بأن نصيحة علي مرتبطة بالملفات العامة فقط؟ ولم نسمع كلماته التي بين السطور، التي ربما لم يبح بها بصوتٍ عال: "احفظوا لي صوتي.. احفظوا أصواتكم".  

المشهد الثامن
في الليلة ما قبل انتهاء لقاء الراديو. ذهبنا أنا ورشا إلى بيت رنوة وعلي في المقطم. كان موعد الزيارة بعدما ذهب الأولاد الثلاثة إلى النوم. ضوء خفيف في الصالة. الجوّ دافئ برغم برد منطقة المقطم المرتفعة. قامت رنوة إلى المطبخ لتجهز لنا الشاي. وحين عادت إلى الصالة، بدأنا أنا ورشا بسرد ملخص ما احتوى اللقاء من مضامين واستنتاجات وتخطيطات وخطوات مستقبلية. كانا رنوة وعلي في كامل الإصغاء. وحين انهينا أنا ورشا المداخلة، بادر علي بأفكار جديدة وببعض النصائح. وكان الاقتراح الذي لا زال عالقاً في ذهني، برغم الاقتراحات كلّها التي كتبتها على الدفتر الصغير: "أعدّوا برنامجاً أو فقرة تطلب من المستعمين أن يقوموا بتسجيل الصوت المفضل لديهم في القرية أو المدينة، وقوموا بإسماعها عبر الراديو، على أن تتيحوا فرصة التصويت للمستعمين عن أفضل صوت كلّ أسبوع". وأضاف: "إن أهم ما في فكرة الراديو ومشاريع الويب عموماً أن يكون للمستمع وللمستخدم دوراً فاعلاً".
لم يتقدم المشروع بخطوات ملموسة يا علي، لكني أعدك بأن لا أضع هذا الحلم جانباً.

المشهد التاسع
سأعود بالأيام قليلاً، إلى ما قبل العام 2012؛ إلى نهاية يناير 2011. إلى بيت صغير في رام الله، تجلس في صالته مجموعة تصل إلى 20 شخصاً من الأصدقاء والصديقات، تتابع قنوات التلفاز كلّها؛ العربية والمصرية، بقلق وخوف، وبإهمال لكلّ أمر يحدث خارج المشهد المصري. كان علي قادماً بزيارة سريعة إلى فلسطين. بصراحة، لا أذكر من كان برفقته، نبيل أم نديم أم رامي. لكنه كان سعيداً لاصطاحب أحدهم لأول مرة إلى فلسطين، ومتفائلاً بما يحدث في مصر. كأن الذي جعل زيارته في نفس موعد بداية الثورة المصرية أمرًا مقصودًا. فحضوره معنا، تحليلاته، رؤيته وابتسامته المرافقة للسرد، كانت كلّها أسباب تراكمية لأمل لم يصل إلى ذروته يوم 11 فبراير 2011، بل هو مستمر حتى يومنا هذا.

المشهد العاشر
بصراحة، لا أذكر تاريخ هذا المشهد. لكنه بلا شك كان بعد يناير 2011، وغالباً كان ما قبل يناير 2012. لكني أذكر بأنه كان يوم جمعة، وكنت أنا في استضافة علي ورنوة والعائلة لوجبة إفطار متأخرة. كانت الإستضافة في بيت العائلة القديم في الزمالك. الجوّ لطيف. وصلنا أنا وصديقي ميسرة بساعة متأخرة نسبياً عن الموعد الذي دعونا إليه. وكانوا قد سبقونا. ونحن بدورنا كنا نأكل ونتحدث معهم. كان الحديث يدور غالباً حول مصر، وكان علي متفائلاً كعادته. بعد أن انتهينا من الأكل، تطرق علي بحديثه إلى زيارته الأخيرة إلى فلسطين. يومها دخل إلى الأراضي المحتلة عام 1948، وأخبرني عن المدن التي زارها. وأضاف: "يتعامل الفلسطيني في الـ48 مع الإسرائيلي في أمور الحياة؛ الجامعة، العمل، موقف السيارات، الدكان، المواصلات العامة، لكن مقابل كلّ هذه التفاصيل، انتابني طوال فترة زيارتي شعور بأن الفلسطيني يقول للصهيوني بشكل ما: أنتَ مؤقت". هكذا لخص علي زيارته إلى فلسطين. وأنا، في كلّ حديث مع شخص غير فلسطيني يسألني عن أحوال الأراضي المحتلة عام 1948، لا بد من أن اقتبس ما قاله لي علي يوماً ما.

ما من مشهد أخير
أنا، كما العديد ممن عرفوك يا علي لدقائق أو لأيام أو لسنين، تعيش ذاكرة ما منك فينا. هذه "الذكريات" الحكيمة سنشاركها مع الآخرين ونمررها لمن لم يحظ بسماع صوتك ونذكرها لبعضنا البعض، كلّ على طريقته، لأن: "المصادر المفتوحة تعني الحرية".
لروحِك السلام.









وهبنا عمرنا للأمل


رشا حلوة
من فلسطين خرجنا مجموعة لا تقل عن 120 شخصاً، قاصدين القاهرة لحضور حفل زياد الرحباني في آذار/ مارس 2010. القاهرة وزياد الرحباني، كلاهما أسباب عديدة للفرح.. كانت الزيارة عبارة عن أربع أيام سريعة. كيف يعيش الإنسان أربع أيام في القاهرة فقط؟ وفي داخله كلّ الشغف لرؤية كلّ شيء. أنا عن نفسي، لم أذهب لزيارة الأهرامات، كنت قد زرتها وأنا في الحادية عشر من عمري، بلا ذكريات صافية منها. لكني فضلت زيارة تفاصيل حياة الناس؛ الشوارع، المقاهي، البيوت.. وجوه القاهرة، خلال أربع أيام. لكن، بين كلّ هذا كيف لن ألتقي "حبيب الشعب" أحمد فؤاد نجم؟

لم تأخذ مسألة ترتيب الزيارة العديد من الوقت، بمساعدة وتنسيق صديق مصري استطعنا أن نرتب لزيارة العمّ نجم. وبسبب ضيق الوقت والسرعة، أبلغت مجموعة صغيرة من الأصدقاء الفلسطينيين نيتنا بزيارة الشاعر. وصل عددنا إلى ثلاثين، ركبنا سيارات أجرة وكانت بوصلتنا "المقطم". مشاعر مركبة عديدة. القاهرة، سرعة تحقق الحلم، سألتقي بالعمّ نجم لأول مرة. ياه! ماذا يقول الطالب لمعلمه في بيته؟ أي كلمات سيستخدم كي يقول لإستاذه المصري:"علمتنا حبّ البلاد". كم من الوقت سنحظى به معك؟ مع مجموعة لا تقل عن ثلاثين شخصاً!

وصلنا إلى مدخل البناية. فتحت لنا زينب الباب. كان يجلس عند طرف الكنبة باتجاه مدخل البيت بجلابيته البيضاء وفي يده سيجارة. وقف كي يستقبلنا. كان مبتسماً كما الصور كلّها. أراد أن يعرف أسماء كلّ القادمين إلى بيته. وكلما وصل أحد منا إلى يده، قال اسمه وحضنه. جلسنا حوله. هناك من جلس على الأرض. كلّ وجوهنا باتجاه. ما بين صمت وتأثر وترقب. فجأة نادى على ابنته زينب وطلب منها أن تحضر المزيد من كؤوس الشاي، حيث العدد الموجود بالبيت لا يكفي لثلاثين شخصاً. ضحكنا جميعاً معه.

كانت بداية حديثه عن فلسطين، وشتم كعادته القادة السياسيين كلّهم. من ثم انتقل لشتم مبارك. وحين شاركه بعض منا هذه الشتيمة، قال ساخراً:"كل واحد يشتم رئيسه بأه". وضحكنا. كنت أجلس أمامه. وحين انتقل بحديثه عن  جمال عبد الناصر، قمت وجلست إلى يساره على الأرض. سرد علينا قصته مع والدته حين جاءت إلى المعتقل لإبلاغه عن موت عبد الناصر وهي تبكي. "حد يبكي على اللي سجن ابنه؟" فأجابته والدته:"يا حمار! ده عامود الخيمة وقع". على الفور طلبنا منه قصيدة. فاختار "ضريح عبد الناصر". من ثم نادى على زينب من جديد كي تغني لنا. فلم يكن أي مجال للبحث عن أغنية ملائمة لهذا اللقاء، فأغنية "يا فلسطينية" كانت الحاضرة. غنّت زينب ومعها العمّ نجم ونحن بدورنا شاركنا بغناء الأغنية التي كلما وصلنا إلى مفترق إحباط، كانت كلماتها ولحنها وصوت الشيخ إمام دروساً متجددة في "وهبنا عمرنا للأمل"*.

انتهت فترة الزيارة. لا أذكر اليوم ما الذي كان مؤشراً لإنتهاء الوقت. ما هو مؤشر انتهاء زيارة عفوية وبسيطة وتلقائيه كما روحه؟ هل كان أحد بيننا مستعجلاً للذهاب إلى مكان ما؟ لماذا لا يفكر الإنسان بأن لا شيء يفوق اللحظة؟ وأنّ الطريق وإن كانت مخططة، ثمة ما يفاجئنا بها، كزحمة السير مثلاً!

لكننا لم نمشي بسرعة. كان لا بد من جولة تصوير مع العمّ. رافقتها حملة توقيعات لمن حمل في يده ديوان شعري له. جاءت إحدى الشابات وطلبت منه أن يكتب لها إهداءً باسم صديقها في فلسطين. كنت لا زلت جالسة إلى يساره أراقب ما يكتب وأتأمل الوجوه. فسألها ضاحكاً:"هو مين ده؟ الجوّ بتاعك؟". بعدما إنتهى من التوقيعات، أعطيته دفتري الصغير وطلبت منه أن يكتب لي شيئاً. فسألني ضاحكاً:"كمان للجوّ بتاعك؟". فأجبته مبتسمة:"إلي أنا". فكتب لي:"رشا الجوّ بتاعي أنا. وبحب رشا. واللي مش عاجبه.."، لكم أن تعرفوا  بأي شتيمة أنهى إهدائه الجميل. ولكم أن تتخيلوا أيضاً، شعوري بأني أحمل كنزاً بين يدي، كنز لا علاقة له بكنوز القصائد التي كتبها ويملكها كلّ منا، كنزٌ خاص لي.. بخط يده، الخط ده خطه، والكلمة دي ليا.

عند وصول خبر رحيله، صباح يوم الثلاثاء، الثالث من ديسمبر، كنت في حيفا. وكانت اللحظات الأولى المرفقة بالدموع بمثابة استرجاع لكل علاقة شاعرنا بي، بنا نحن الفلسطينيون. الزيارة إلى بيته كانت حاضرة في الذاكرة، لكن لم تكن تفاصيلها واضحة إلا بعدما رحل. عندها أمسكت بالذاكرة وقلت لها:"عيشي!". لكن، ماذا عن الذكريات المرتبطه به في هذا المكان، في فلسطين؟ تلك التي عشناها خلال سهراتنا الطلابية في الجامعات؟ أو في بار صغير في حيفا؟ أو في بيوت الأصدقاء في عكّا وحيفا والقدس ورام الله؟ ماذا عن حضوره ورفيق دربه الشيخ إمام في لحظات النصر القليلة؟ أو خلال الأيام الأولى للثورة المصرية؟ نجح هو والشيخ إمام بأن يجعلانا نعيش في مصر ونحن في فلسطين. استطاع أن يحمل كلّ منا إلى السجون والمظاهرات والإضرابات وقصص الحبّ التي شقت لها طريق أغلقه الاحتلال. لمن سنحكي كلّ القصص هذه؟ لماذا لم ننجح أن نحكي له كلّ القصص هذه؟ كيف سنقول له بأن "يا فلسطينية وأنا بدي سافر حداكو" لم تكن مجرد رغبة في القصيدة، بل أنه كان هُنا كلّ الوقت. وبأن "بلدي وحبيبتي" هي حياة العديد منا، وهي الروح التي تحمي العشاق من قهر المكان.. نحن الذين تعلمنا دروس الحبّ بالمصرية. 


عن مجلة "أخبار الأدب" المصرية


*"وهبت عمري للأمل"؛ من كلمات الشاعر أحمد فؤاد قاعود.

الجمعة، 6 ديسمبر، 2013

من رام الله إلى يافا... فلسطين ارتدت ثوب الحداد


رشا حلوة
عكا | لمحبيه من أبناء الأرض المحتلة وبناتها علاقة خاصة مع «النجم». والأهمّ أنّ حبّ الناس له لم يكن يوماً موسمياً، وكلماته لم تكن متعلقة بفترة زمنية وإنسانية محددة، بل هي حية منذ لحظة كتابتها حتى يومنا هذا. وبذلك، استطاع كشاعر أن يجعل الكلمة السياسية بمثابة سرد وجودي غير متعلق بزمكانية ما؛ فهي تحكي عن انتفاضة الخبز عام 1977، وتحكي عن ثورة «25 يناير» بالضبط. وحين قال: «وكلّ يوم في حبّك تزيد الممنوعات/ وكلّ يوم بحبّك أكثر من اللي فات»، كان يخاطب مصر، ولكنّ حبّه لـ«بهية» لم يختلف عن الحبّ لفلسطين ولم يحتج إلى كلمات أخرى للتعبير عنه.
قبل فترة قصيرة، انتشرت شائعة مفادها أنّ «الفاجومي» ينوي زيارة الضفة الغربية، وجرى تداولها على أنها خبر مؤكد مرفق بالعتب والمزايدات. لكن بعد يومين على الشائعة، نشرت ابنة الشاعر نوارة نجم «ستاتوس» عبر الفايسبوك نفت فيه الخبر، مؤكدة أنّ والدها صرح مراراً بأنه لن يزور فلسطين إلا بعد التحرير.
لم تغب فلسطين عن كلمته وحياته، ولم يفقد الأمل يوماً بأن التحرّر من الاحتلال آتٍ لا محالة، هو الذي قال بعد انتصار ثورة «25 يناير»: «يا إخوانا في فلسطين، إحنا جايين». عاشت فلسطين فيه وفي سفره على مدار حياته، وعاش في أهلها الذين وإن أقفل الاحتلال طرق بلدهم، لم يستطع أن يمنع قصيدة العمّ نجم بأن تصل إلى كلّ البيوت والقلوب. كان مشوار القصيدة من قلمه إلى فلسطين، هو التجسيد الحيّ لجملته: «يا فلسطينية وأنا بدي سافر حداكو».
لم يشاء محبّوه أن يرحل الفاجومي بلا كلمة وداع من فلسطين. بمبادرة عفوية، أقيمت مساء أمس الثلاثاء أمسية إكراماً لروح الشاعر في «مسرح الميدان» في حيفا بعنوان «فلسطين تودع أحمد فؤاد نجم»، تخللتها تأدية أغنيات الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم بصوت الفنان الفلسطيني ألبير مرعب وابنته ماريا مرعب. علماً بأنّ ألبير خصص مسيرته الفنّية لتقديم أغنيات الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم إلى الجمهور الفلسطيني، بالإضافة إلى قراءات من قصائد «الفاجومي» قدمها الفنان عامر حليحل. وفي رام الله، سيعقد بعد ظهر اليوم الأربعاء بيت عزاء للشاعر في «مقهى رام الله». وفي يافا، ستقام أمسية بعد غد الجمعة بعنوان «الخط ده خطي» في «مسرح السرايا» تتخللها إضاءة شموع لروح الشاعر، وعرض فيلم قصير يتناول حياته، مع مداخلة حول شعره، وقراءات من قصائده وأغنيات يقدمها عدد من الفنانين الفلسطينيين.
سافر «الفاجومي»، ولم يكذِّب أحد هذا الخبر، ولم يخرج هو بصوته بتصريح ساخر يشتم به الموت ويعلن من خلاله حبّه المتجدد للحياة. لكن «وبات الأمل سندباد في الخواطر/ وعاش الأمل في الجوانح مسافر»، هي الدروس الحيّة التي علمتنا إياه قصيدة العمّ نجم الذي لا يموت وإن «الغربة طالت كفاية» وأكثر.

8:30 صباحاً بتوقيت القدس

القدس | بعدسة: أريج مواسي

من كم يوم، الصبح، وبالطريق من القدس لرام الله، ركبت باص صغير، وبالقدس طلعت ست ختيارة وإجت قعدت حدي.
بداية الحوار معي كان إنها سألتني قديش أخد منها شوفير الباص، وبلشت أعد معها المصاري وبالآخر اكتشفنا قديش أخد.
المهم، سألتني بعدين: على علمك الأواعي الشتوية نزلت في رام الله؟ (تقصد نزلت على الدكاكين). قلتلها: مفروض، بما إنه صرنا بتشرين.
عملياً هاي الجملة آخر إشي مفيد قلتلها إياه، ومن بعدها كل الوقت بهز براسي وببتسم.. وإليكم/ن مونولج الختيارة:
- معرفتش شو ألبس الصبح، لأنه الطقس مش مفهوم. مع إنه المنطقة اللي ساكنين فيها بالقدس هي أدفى منطقة. بس هياكي، لابسة شتوي (تبتسم).
بتعرفي أختي؟ (قلتلها لا). أختي (فلانة الفلان- الإسم محفوظ في ملف التحرير) هي علم من معالم القدس. كيف بتعرفيهاش؟ شكلك مش من عنا صح؟
"آه ولا"، جاوبتها:"آه من هون بس من عكّا".
وقالتلي:"يااااااااه عكا..". صمت. وكملت:"أنا بعرفش والله شو بجيب عرب إسرائيل لهون. بس أنا بحبش السمك الصراحة. بحس لما أجيبه على البيت بتصير ريحة البيت زنخة. بس قالولي إنه إذا بعصر عليه شوية ليمون بتحسن الوضع".
"أعصري نص ليمونة خالتي"، قلتلها.
"فكرك؟ طيب.. بس أنا برضه بحب الحِلبة كتير بس برضه بجيبهاش ع البيت. أختي عادة بتجيبها جاهزة".
صمت.
"فكرك أختي هون بالباص؟ استني أحكي معها".
(بتحكي معها تلفون، ولكن لسوء الشبكة ما سمعت شو قالتلها أختها).
تكمل حديثها:"قالتلي إشي بس مسمعتاش منيح. بس بتعرفي؟ قال بدهم يقسموا القدس. (تضحك) كيف يعني يقسموها؟ كلها شارعين أصلاً.. من كبرها؟ مفكرينها القاهرة؟ بقدروش يقسموها. بس بيني وبينك، لو العرب مسكوها بتصير مزبلة. بس إحنا معندناس بحر ولا نهر ولا بحيرة حتى.. أصلاً معندناش بحر عشان خايفين علينا أحسن ما نغرق (تضحك). أنا صحلي أشتري بيت في رام الله سعره منيح بالدينار الأردني بس رفضت. عزا شو أشتري بيت برام الله؟ بخاف يوخدولي الهوية. عندي غرفة بالقدس بتسوا قصر في رام الله".
صمت.

"إسا أنا وأختي منكزدر شوي في رام الله.. لما حكيتها سمعت قلتلي إشي بحرف الشين.. معقول هي عند الشيخ جرّاح؟".

الاثنين، 25 نوفمبر، 2013

قصتي مع فيروز


في العام 2007، أقامت فيروز حفلين في عمّان. كنتُ في زيارة هناك آنذاك، لكني لم أذهب إلى أي منهما؛ صراحة لا أذكر اليوم تماماً الأسباب التي كانت أقوى من أن تجعلني أحضر حفلة لفيروز، لكني أذكر بأن تذكرة الحفلة كانت أكثر مما يتحملها مصروف طالبة جامعية تعمل وتدرس.
المهم، بعد أن انتهت حفلتها الأولى، هاتفتني صديقة فلسطينية ذهبت لحضور الحفل، وأخبرتني أن فيروز في طريقها إلى فندق فلان (لا أذكر إسم الفندق الآن ولا هو محفوظ في ملف التحرير)، وطلبت أن أسبقها هي وصديقاتها إلى هناك كي نرى فيروز!
أذكر بأنها هاتفتني أثناء ركوبي تاكسي بعد سهرة مع أصدقاء، لكني على الفور طلبت من السائق بأن يأخذني إلى فندق فلان الفلاني.
وصلت قبل صديقتي وصديقاتها. لم يتبقى معي رصيد في هاتفي النقال لإبلاغها بوصولي. فانتظرت مدة 45 دقيقة عند باب الفندق. بعد 45 دقيقة، وصل عدد من السيارات إلى الموقف. وعدد كبير من رجال الأمن أحاط إحدى السيارات، ومنها خرجت إمرأة قصيرة القامة ترتدي جاكيت باللون البُني المحروق ونظارات شمس (بالرغم من أن الوقت كان بعد منتصف الليل).
على الفور أدركت أن هذه المرأة هي السيدة فيروز (لم يكن الأمر يحتاج إلى نسبة عالية من الذكاء، لكن لكم أن تتخيلوا حالتي أول ما شفتها).
تدخل الدائرة من باب الفندق، باتجاه الإستقبال ومن ثم باتجاه المصعد. وأنا أمشي باتجاه الدائرة.. لمحني أحد الرجال وأشار لي بيده بالابتعاد. نظرت إليه نظرة المسكينة التي سافرت مسافة 5 ساعات كي تصل إلى هنا لكي تحضن فيروز أو تضع يدها بيدها.. وبالآخر فش حدا هون غيري يعني! لكنه نظر إلي نظرة "والله مش بإيدي وبدفعولي مصاري على هالإشي"، ولم يقل شيئاً. بس أنا فهمت عليه.
بعدما دخلت السيدة فيروز المصعد، وعدت إلى الكنبة مكسورة. لمحت صديقتي وصديقاتها يركضن إلى داخل الفندق. قلت لهن على الفور:"تأخرتوا".
لكن لم تكن "نطرونا كثير" هي أغنية الخلفية. وبالرغم من أني لم أذهب إلى حفلها، وأخبروني بأن أذهب لرؤيتها في فندق فلان، وبالرغم من أني لم أحضنها.. لكنها كانت على مسافة حُضن، وإن أحاطها رجال الأمن.. لكني رأيت فيروز. رأيت فيروز.

يا لا يا لا يا لا يا لا يا لا لا لي..

"زعزوعة فين بواجيرك؟ فين حللك؟ فين مواجيرك؟

أنا رايح زاوية أبو شوال بدل الجامع والزحمة
على بال الخطبة ما تتقال تكوني انتي طبختى اللحمة
وهجيب لك حاجة تحلي
يا لا يا لا يا لا يا لا يا لا لا لي.."

كلمات: صلاح جاهين
ألحان: سيد مكاوي

الاثنين، 30 سبتمبر، 2013

بخاف على عكّا

بحر عكّا وصياد صغير | أيلول 2013

رشا حلوة
عكّا - 
بفكر إني متذكرة المرات اللي زرت فيها يافا. وهاد إشي مش حلو، لأنه هاد معناه إني زرتها مرات قليلة. مع إني بحبّها كتير! وقريبة من مدينتي عكّا ... يعني يا دوب ساعة يوخد الطريق بالقطار. بس برضه، دايماً عندي شعور إني مقصرة في حقها. مع إنها الأقرب إلى عكّا؛ بالروح والشكل وريحة البحر. وأنا بحبّ كلّ مدينة بحرية، وين ما كانت، كم بالحري الأكثرهن حزناً؟
لما بزور يافا، بحس إنو قلبي بيدق من الشوق والخوف. الشوق طبيعي. بس الخوف بيزيد كلّ مرة. لأني كلّ ما أزور يافا، بخاف على عكّا أكثر.
احتلال يافا كان احتلال موجّه في قتل الإنسان قبل الأرض. وهيه هيك. كأنها مثل البير الناشف، لسه موجود وجميل بحجارته وتفاصيله البصرية، بس وين الميّ؟ لما بتمرقي جنب البير، أول إشي بتعمليه هو إنك بتدوري على حجر بمحيطه عشان ترميه وتفحصي إذا في ميّ، إذا فاضي بتسمعي صوت ضربة الحجر بالأرض، وإذا مليان بتسمع صوت مثل الأصوات اللي بتردّ الروح. والبير الناشف بيضلّو يستنّى ليجي المطر. ويافا هيك ... أجمل ما يكون، بس دايماً على وجع الانتظار، وجهها باتجاه البحر، كأنها بتستنى اللي لازم يجوا من هناك ... مع الموج.

ليش بخاف على عكّا أكثر؟ لأنه إحنا لسه عايشين وعايشات فيها. بس اللي بيخوّف، إنو نصير في البلد القديمة أقلية. والخوف الأكبر إنو يتحقق مشروع الاحتلال اللي بدّو تهويد عكّا القديمة، تماماً وبدّو يحوّلها إلى نوع من مدينة سياحية فقط. وهذا المشروع بلش من سنين: من شراء وبيع بيوت، ومواقع أثرية منها مثلاً «خان العمدان»، وهوي الخان اللي بناه أحمد باشا الجزار سنة 1785، وكان عبارة عن سوق وأماكن تجارية وغرف فنادق للتجار المسافرين والمارقين من عكّا براً وبحراً ... في خان العمدان، كنا نعمل مهرجانات أغاني ومسرح لأهل البلد، وكان الخان ملعب الأطفال الوحيد. بس لما اشتراه مستثمر أجنبي، ما إلو علاقة بعكّا إلا لأنّا مشروع مربح مادياً بالنسبة إلو، بطّل في ملعب كبير يلعبوا فيه الأولاد والبنات.

بتذكر لما زرت يافا من فترة وكانت زيارة مفصلية. طلعت من عكّا عشان أوصل امرأة فلسطينية كبيرة في السن شوي من يافا، خلقت في بيروت ورجعت إلى رام الله من سنين. وكانت هاي المرة الثانية اللي بتزور فيها مدينتها يافا. وصلنا أنا وهيّه وكمان صديقة تانية للميناء. أول ما وقّفنا السيارة ... صارت تبكي الست! وما كان بدها تروح على الحيّ اللي بيتهن فيه! فضّلت تبقى بالمينا وجنب البحر. لأنها متل ما قالت: لو راحت؟ مش رح تستحمل الوجع. هيك قالت. وإحنا قاعدين بناكل سمك، اتصلت فيها بنتها اللي عايشة في بيروت، وسألتها: «ماما وينك؟». جاوبتها: «في يافا يا ماما». كان رد فعل بنتها الأولي: «لا! عن جدّ يا ماما وينك؟». فكّرتها عم تمزح معها. ليش جملة: «أنا في يافا»، جملة صعب هالقد إنّو نصدّقها؟
بخاف على عكّا أكثر. لأنو بخاف إنو شي يوم لما نقول: «إحنا في عكّا»، نكون بس عم نزورها سياحة ... ونصير لما نقول هالجملة العادية، نبكي. لأنو مش عارفين أو مش مقدرين قديش مشروع الاحتلال كبير. ولازم نكون قلقين كلّ لحظة من سهولة تحقيقه. يمكن هيّه مش أسهل مدينة في فلسطين إنك تعيش وتعيشي فيها، يمكن هيّه فعلاً مثل «قرية صيادين». بس وإحنا بعاد صعب إنو نمنعهن يطلّعوا الميّ من البير.

الأربعاء، 25 سبتمبر، 2013

إبراهيم نصر الله: كلّ سفر في حياة الفلسطيني فيه لسعة المنفى


حاورته: رشا حلوة
يرتبط اسمه دوماً في تفسيره لمفهوم أو حالة ما يُسمى بـ "روح العالم"، والذي تحدث عنها في الصفحات الأولى من "السيرة الطائرة- أقل من عدو أكثر من صديق"، كمقدمة لسيرة تحمل بين صفحاتها قصص السفر والإنسان والكتابة.
في روايتي (طيور الحذر)، كتبت عن أمي وأبي وأصدقائي وتعلقي بالطيور وعن المخيم الذي تحول من خيمة إلى بيوت إسمنتية، وتحول إلى شكل دائم للحياة مع أن أهلنا كانوا يعتقدون أنه مؤقت هذه الروح التي تحكي قصتنا، والتي خصص لها صفحات لتفسيرها حسبما يراها، تعيش وتُسرد وتحكي الماضي والذاكرة في كلّ ما أنتجه الشاعر والروائي إبراهيم من أدب وشعر وفنون، وللدقة أكثر واقتباساً لكلماته:"كلّ هؤلاء جعلونا نعيش في بيت واحد يتّسع لنا كلّنا، وتُغطي مساحته كوكبنا الصغير الجميل البائس".
من خلال هذا الحوار، يتحدث الشاعر والروائي إبراهيم نصرالله (1954 عمّان، لأبوين فلسطينيين هُجرا من قرية البريج، قضاء القدس) عن علاقته الأولى بالكتابة، عن التأثير الحيّ للمخيم على روايته وقصيدته، عن "روح العالم"، عن روايته الجديدة "شرفة الهاوية" والمزيد.

علاقتك الأولى بالكتابة، متى بدأت؟ وما هو الشيء الذي جعلك تأخذ الكتابة نهجاً للحياة؟
ربما الأحاسيس القوية التي لا يستطيع الطفل أنّ يعبر عنها بسهولة، وجدت نفسها في القصائد البسيطة في نهاية المرحلة الإعدادية، كما أنّ بعض القصائد التي تتحدث عن فلسطين قبل النكبة كانت جزءاً من الإلهام إلى جانب الذكريات التي يحملها أبي وأمي وأقاربي، ومن المفارقات أنني كتبت قصيدة هجاء في تلك الأيام موجهة لأستاذ اللغة العربية بسبب قسوته علينا أحياناً، وكان اسمه (ربيع) ولم يكن يسكن بعيداً عن بيتنا، وخلال حرب أيلول الأسود ضد الفلسطينيين سقطت قذيفة على منزله فاستشهد، وقد كان يمكن أنّ تسقط القذيفة على بيتنا ونموت نحن، ذلك أحزنني كثيراً فكتبت قصيدة رثاء له، وقد كان موته أكبر درس تعلمته في حياتي حتى اليوم: إنّ القصائد والأدب بشكل عام يجب أنّ يكون مع الناس الطيبين لا ضدهم.

ماذا يشكل المخيم بالنسبة لك؟ وكيف لا زال يؤثر على قصيدتك وروايتك ومسيرتك الثقافية والفنّية؟
نحن نتحدث الآن عن ذكريات عمرها أكثر من نصف قرن تقريباً. أتذكر أنّ المدرسة الأولى كانت خيمة، ولم يكن هناك مقاعد، وكنا نجلس على التراب المبتل بماء الشتاء، وكان كلّ أربعة أو خمسة أطفال يشتركون في كتاب واحد، وقد قلت ذات مرة، منذ تلك اللحظة أصبحت أمنيتي أنّ يكون لي كتاب خاص بي، بعد ذلك حين أصبحت هناك أبنية اكتشفنا عدم السماح بوجود مكتبات في تلك المدارس، كما لو أنّ هناك حرصاً على أن نكون خارج الوعي، لا ندرك ما حدث لنا كشعب، أو ما يمكن أنّ نصبح عليه مستقبلاً، كان كلّ شيء حولنا يحاول أنّ يقتلعنا من ذكريات ماضية دون أن يمنحنا أي شكل من أشكال الأمل، كما كان الفقر الرهيب لا يساعد الواحد منا على شراء الكتب أو حتى الدفاتر، وكانت أمهاتنا تصنع لنا حقائبنا المدرسية من فضلات القماش. ولم يكن ذلك سوى صورة لشعب تم اقتلاعه من وطنه وعليه أن يبدأ حياته من نقطة الصفر، وهو لا يملك بيتاً أو مالاً أو ملابس أو حتى طعاماً.
هذا كله كتبت عنه. في روايتي (طيور الحذر)، كتبت عن أمي وأبي وأصدقائي وتعلقي بالطيور وعن المخيم الذي تحول من خيمة إلى بيوت إسمنتية، وتحول إلى شكل دائم للحياة مع أن أهلنا كانوا يعتقدون أنه مؤقت، كما كتبت عدة روايات أخرى مهلت من روح المخيم مثل (زيتون الشوارع)، و(مجرد 2 فقط) وعشرات القصائد.

في "السيرة الطائرة - أقل من عدو أكثر من صديق"، تحدثت عن "روح العالم"، وفسرتها حسبما تراها. أين تكمن روح عالم إبراهيم نصر الله اليوم؟
روح العالم قائمة في كل شيء خارج الدمار وشهوة الحرب وإفساد الأرض وترويض البشر، قائمة في النبل والفن والأدب وخصوصيات الشعوب الجمالية، وقائمة في الشجاعة وقول: لا، بصوت لا يرتعش في وجه كل تسلط واحتلال وتجويع وإفساد..

زرت الضفة الغربية قبل 3 أعوام. كيف أثرت هذه الزيارة على الروايات والقصائد التي كتبتها فيما بعد؟
كانت هذه الزيارة مختلفة كثيراً عن تلك التي قمت بها قبل الانتفاضة الأولى، ففي الزيارة الأولى عدت وكتبت (الأمواج البرية) حيث كانت الروح الفلسطينية في أصفى درجات تألقها، أما في الزيارة التي قمت بها قبل ثلاث سنوات، فكان كل شيء قد أصيب في الصميم، بدا لي أن الروح ترهلت، وليس أدلّ على ذلك من الأمن الذي ينعم به المستوطنون وجيشهم. ولذا كانت زيارة محبطة إلى حد كبير.
قبل شهرين كنت هناك أيضاً، وكانت الزيارة فرصة للتعرف على الوضع عن قرب أكثر، وبخاصة في مدينة الخليل التي تعاني وضعا مأساوياً بسبب وحشية المستوطنين، وقد قابلت كثيراً من الناس، وسأعود بعد أيام للمشاركة في مؤتمر تعقده لجنة القدس عاصمة دائمة للثقافة العربية، وقد خصصت وقتاً خارج المؤتمر لمتابعة بعض المشاريع الكتابية التي أحس بأنها بدأت تتشكل.

قلت في حوارات سابقة بأنّك تجد نفسك في القصيدة والرواية والقصة والسينما بنفس الدرجة على حدّ سواء. لكن، كيف تحدد نوع الكتابة حين ترغب بالتعبير الأدبي عن حالة ما؟
الرسم والتصوير، مثلاً، من روافد تجربتي الأدبية، وهما محاولة لتذوّق العالم والإحساس به وبمذاقه بوسائل تعبير أخرى على المستوى الإنساني، ولذا حضرا في شعري وفي رواياتي، إضافة إلى السينما، فهي كلها عناصر أساسية في بناء النوع الأدبي. أظن أنني أصبحت بهما إنساناً قادراً على عيش الحياة والتمتع بها وبجمالياتها بصورة أفضل، تلك الجماليات التي لا تستطيع الكلمة أنّ تراها، أو لا تستطيع أن تراها بسهولة دائماً. لكن مشروعي الأساسي قائم في الشعر والرواية.

في الفترة التي أكتب فيها الشعر لا أكتب الرواية أبداً، وكذلك حين أكتب الرواية لا أكتب الشعر.

صدرت لك مؤخراً روايتك الجديد "شرفة الهاوية" عن "الدار العربية للعلوم ناشرون"، وهي الرابعة ضمن سلسلة مشروع "شرفات". لماذا قررت العودة أدبياً إلى ما قبل 20 عاماً من الثورات العربية الآن بالذات؟ إلى ما يُسمى بمرحلة التحولات الديمقراطية في الوطن العربي؟
هذه الفترة شغلتني في الروايات الثلاث التي صدرت قبل هذه الرواية ضمن مشروع الشرفات، ولكنني كنت في كل مرة أنشغل بجانب من جوانب حياتنا خلال العقدين الماضيين. انشغلتْ (شرفةُ الهذيان) بآثار حرب الخليج واحتلال بغداد على الروح العربية، وانشغلت (شرفة رجل الثلج) بالتمادي المفرط في سحق الإنسان العربي، وانشغلت (شرفة العار) بالجرائم التي ترتكب ضد المرأة وفي مقدمتها ما يسمى جرائم الشرف، الرواية الجديدة انشغلت بتمادي الأنظمة العربية في مجال الفساد على أعلى مستوياته، وفي أعلى مستوياته، رغم أنّ الإنسان العربي كان موعوداً بإصلاحات ديمقراطية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. ولم يحدث شيء، بل أصبحت الأمور أكثر سوءا على المستوى السياسي والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي.

لماذا أطلقت على هذا الجزء من سلسلة روايات "شرفات"، اسم "شرفة الهاوية"؟
هذه الرواية مشغولة بمجتمعات كاملة يتم دفعها نحو الهاوية، فهناك عناد رسمي عربي يعتقد أنه لم يزل قادراً على أنّ يخدع الناس وأن يذلهم، وأن يطعمهم سراب الوعود دون أن ينالوا شيئا، وهناك الفساد المحمي رسمياً. ولذا بات الجميع على طرف هذه الشرفة.

بعد "الملهاة الفلسطينية" وخاتمتها " قناديل ملك الجليل" جاءت "شرفات"، هل من مشروع مستقبلي لسلسلة روائية جديدة؟
هناك أكثر من مشروع ضمن الملهاة، وزيارتي القادمة للضفة الغربية جزء من هذا العمل لمواصلة التحضير للمشروع القادم، كما أنّ هناك توجّها لإضافة رواية (مجرد 2 فقط) و(الأمواج البرية) إلى مشروع الملهاة، لأنهما تغطيان جانبا أساسياً من الحكاية الفلسطينية.
أما عن وجود مشروع روائي آخر إلى جانب الشرفات والملهاة فلا أظن أنّ ذلك وارداً، فالمشروعان يغطيان مساحة واسعة من انشغالاتي الإنسانية، ولكن هذا لا يعني أنني لن أنشر أعمالا مستقلة عنهما.

ما هي معادلة السفر- الكاتب؟ كيف يؤثر كلّ طرف على الآخر في هذه المعادلة بالنسبة لك؟
السفر ترك أثراً كبيرا في حياتي كإنسان، ووضعني ككاتب أمام تحديات كبيرة، لأنك حين تسافر وتلتقي هذه الأعداد الكبيرة من الكتاب اللامعين من حملة نوبل حتى الأصوات الجديدة، تجد نفسك مسؤولاً أكثر، إذ عليك أنّ تعمل وتجتهد كثيراً لتكون صورة جيدة لبلادك والأدب العربي أيضاً. ومن ناحية أخرى كان السفر سبباً أساساً في كتابة خمسة أو ستة من كتبي بصورة مباشرة، بدءاً من (براري الحُمّى) وليس انتهاء بـ (السيرة الطائرة)، وإنّ كنت أعتقد أنّ كلّ كتاب من كتبي له علاقة ما بالسفر، فما دمت محروماً من بلادك فأنت في سفر دائم، أو منفى دائم، إذ كلّ سفر في حياة الفلسطيني فيه لسعة مذاق طعم المنفى.



الجمعة، 2 أغسطس، 2013

عن مسافر زادهُ الحياة؛ إلى هاني درويش..



رشا حلوة
كان ذاك يوم سبت من يونيو الماضي، إلتقينا بكَ أنا ومايكل في "الحميدية". وهذه المرة الأولى التي لا نلتقي بها في "الندوة" أو "إستوريل". كنت قد وصلت قبلنا، ووجدناك جالساً في الداخل. لكن الطاولة كانت ضيقة علينا، فقررنا أنّ نجلس في الخارج. لم تكن كعادتك، حدثتنا عن الستائر التي اشتريتها قبل لقائنا بقليل ولا زالت معك، كان وجهك مرهقاً كغير طبيعتك. سألتك ما بك يا هاني:"تعبان شوية يا روشا". ومن ثم حدثتنا عن مشوارك القادم إلى ألمانيا، وعن شوقك إلى برلين والشهر الذي ستقضيه هناك.

تعرفت إليك في سبتمبر 2011 في "إستوريل" في جلسة احتضنت العديد من الأصدقاء والصديقات. من بعدها إلتقينا في افتتاح معرض الكتاب في القاهرة في يناير 2012. ومن بعدها إلتقينا في تونس على مدار أسبوع، سهرنا مع الأصدقاء وتجولنا في شوارع تونس العاصمة وحولناها إلى "قاهرة صغيرة"، بمزاج من يحبّ مشاهدة بداية الحياة عند الفجر.

بعد تونس، عادت لقاءاتنا لتتمركز ما بين "الندوة" و "إستوريل". أجملها، كان لقاء الصدفة في أبريل الماضي، قبل أن أسافر بليلة واحدة.. كنت قد وصلتَ للتوّ من تدريب صحافي في الإسكندرية، حاملاً حقيبة كبيرة ومرهق تماماً من السفر لكن مليء بالطاقة والتفاؤل من جيل الشبان والشابات في الدورات التدريبية. شربنا الستيلا سوياً معك أنا ومايكل ورشا وإسلام وزيزي، حدثتنا عن تجربة التدريب ومتعتها بصوتك الذي لا طالما انتقل لي بصرياً كأنه خرج من مذياع خشبيّ قديم ويعيش بوضوحه وصفائه معنا اليوم، رغم أنّ "الوقت يقتل الخشب". وانتهى لقاؤنا حين كان عليّ أنّ أترك المكان لتحضير حقيبة سفري.

هل تذكر السهرة المصرية- الفلسطينية – التونسية في "بلازا"؟ في المرسى التونسي. كنت قد إنتظرتَ أنت وباسل ومالك وصولنا إلى المكان لأنّ رجال الأمن لم يسمحوا لكم بالدخول كونكم لا ترتدون "الثياب الرسمية"، وإضافة إلى ذلك كنت ترتدي في رجلك حذاء "كروكس" أبيض، صورته أنا بكاميرا الآيفون. وطلبت أيضاً أنّ أصورك مع بديعة التي لم تتوقف عن مناداتها بـ "نجمتنا". شربنا زجاجات عديدة من "سليتيا" (البيرا التونسية)، وأكلنا البيزا مع التونا.. ولم تخلو تلك السهرة من الغناء بصوت عالٍ، حتى أنّ رواد المكان انزعجوا مننا، فقررنا أن نستمر بالغناء لكن بصوت واطي.. طبعا معظمنا نجح بتخفيض نغمة صوته عداك J عندها طلب صديقنا أيمن من بديعة أن تغني "يا قلب"، الأغنية التي تبدأ بموال "يا عين بالدمعة نوحي نوحي/ نبكي والقلب مجروح/ ودموعك ما تداوي جروحي يا عين"، التابع لأغنية "فراق غزالي" للمغنية التونسية صليحة (إحدى نجوم الغناء في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي).

عندما علمت خبر رحيلك عن هذا العالم، بحثت على الفور عن الملف الذي يحتوي صور تلك السهرة، ووجدت مقطع فيديو قصير لبديعة وهي تغني هذه الأغنية وأنت جالساً بجانبها. ومن ثم بحثت عن الأغنية في "اليوتيوب"، لأسمعها كلّ الليل، لتتحول من أغنية جميلة تغنّيها صديقتنا بديعة إلى الأغنية التي ستذكرني بكَ دوماً. وتبكيني.

نعيش في بلاد يرافق الموت غضباً ما. وفي كلّ موت قريب، نعيش العجز والأسئلة سويةً. لكن غالباً ما يأخذ الغضب حيزاً يطغى على الأسئلة العديدة المسماة بـ "التكفيرية". الغضب على سلطة أو قاتل أو حفرة في الشارع أو إهمال مؤسسة أو فساد أو مرض أو هموم حياة متراكمة. لكن على من نغضب برحيلك المسالم يا هاني؟ فلا منطقة وسطى نرمي بها شتائمنا.

لقاء "الحميدية" الأخير، كان ما قبل الثلاثين من يونيو بأيام قليلة، كما رحلتك إلى برلين. عندها ولأول مرة أسمعك قلقاً. كان قلقك سببه أنك ستكون بعيداً عن آدم ومراد خلال الثلاثين من يونيو.

 ألم يكن هذا القلق كافياً يا الله لتؤجل سفره الطويل قليلاً؟

 عكّا، فلسطين


"أعلن عودتي" | مخيّم عودة البراعم الرابع والعشرون - كفربرعم


تعلن حركة "العودة- شباب كفربرعم التقدميون" عن إفتتاح مخيّمها الرابع والعشرين، وذلك يوم السبت المقبل الثالث من آب، على أرض قرية كفربرعم المهجّرة، وتقوم الحركة بمثل هذا المخيّم سنويّا، حيث يلتقي أهالي القرية المشرّدون في وطنهم لمدة أسبوع ليعيشوا سويّا على أنقاض أرضهم المسلوبة معلنين تمسّكهم بحقّهم بالعودة إليها، ويحمل المخيّم هذه السّنة شعار "أعلن عودتي" وذلك في خطوة تهيِّئ للعودة الفعليّة وتبشّر بها حيث تتم دراسة سبل الرجوع إلى الديار هذه الايّام بالتواجد الفعلي في القرية بشكل دائم طيلة أيام السنة.

يقوم أطفال القرية وأبناؤها بالتوافد من شتّى بقاع شتاتهم، منهم من يأتي من حيفا، من عكا، من المكر، من القدس، من قرية الجش القريبة وحتى من برلين حيث وصل بعض أهالي القرية في مسيرة ترحيلهم.

يتضمّن المخيّم فعاليات تثقيفية خاصّة بتاريخ القرية ونضالات أهلها في العودة. كما يتضمّن برامج فنّية متنوّعة وأخرى ترفيهية. تشمل الفعاليات التي ستقام للمشتركين خلال النهار: يوم تواصل ما بين المشتركين والأهل في الشتات وذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وجولات داخل البلد للتعرف على معالمها والحديث مع الجيل الذي عاصر النكبة والتهجير من كبار البلد، ورشات تصوير، ومناقشة مواضيع تهمّ الشباب وواقعهم الإجتماعي والسّياسي. كما تم التنسيق للقاء مع شباب إقرث المعتصمين في بلدتهم الشقيقة. بالإضافة سيتخلل المخيم أمسيات ثقافية وفنية حيث سيتم عرض مسرحية "ظريف" لمسرح السيرة ومسرحية "التغريبة" لمسرح الميدان وإخراج الفنّان عامر حليحل، وعروض غنائية للموسيقى الملتزمة والبديلة وفقرات فنية ساخرة، محاضرات وغيرها.


*للمعنييّن/ات بزيارة المخيم الرجاء التواصل والتنسيق مع المنظّمين/ات على هاتف 0542233843   

الأحد، 7 يوليو، 2013

ماكينة الموت


شاهدت بالأمس لأول مرة (متأخر أحسن من ولا مرة)، فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind، من إخراج الفرنسي ميتشل غوندري، بطولة جيم كاري وكيت وينسليت والحائز على جائزة الأوسكار في العام 2005 عن أفضل نص سينمائي.
لن أتحدث هُنا عن روعة الفكرة والفيلم والدور الذي قام به جيم كاري ضارباً بعرض الحائط كلّ الأدوار الساخرة التي قام بها، ليقوم بتقديم الدور الأجمل على الإطلاق، حسب رأيي، في تاريخه السينمائي.
الفيلم بعد مشاهدته، حملني إلى تساؤلات عديدة؛ حول الذاكرة الحلوة والبشعة منها، وحول قدرتها - قدرة العقل ربما - وبسببها نستطيع أن نمضي قدماً بلا الالتفات إلى الوراء، حتى إلى ذكريات جميلة، لأن ربما الذكريات الحلوة لا تستمر، أو نصاب بالملل من الروتين، أو ببساطة لأننا نخاف أنّ لا نعيشها مرة أخرى.
شعرت أنّ "ماكينة محو الذاكرة" هي كناية عن الموت، الذي نمرّ من خلاله بعملية محو لكلّ الذاكرة، ونعود إلى الحياة بأجساد ووجوه مختلفة، إلا أنّ الروح لا يمكن تبديلها أو تشويهها.
فمثلاً، نتعرف إلى شخص جديد ونقابله صدفة، فنشعر بأننا قريبان لمجرد الحديث للمرة الأولى أو بسبب الإهتمامات المشتركة، والحديث هنا لا يدور فقط عن اللقاءات وجهاً لوجه، المساحة الافتراضية ساهمت بمنصات تعارف أخرى. أو مثلاً أثناء مشينا في شارع ما، تمرّ بجانبنا سيدة.. فجأة يأتيك شعور بأنك تعرفها. أو مثلاً حين تدخل بيت لصديق للمرة الأولى، تشعر بأن المكتبة هي ملكك، أو كأنه استعار الاسطوانات الموسيقية منك، إلخ.. وأحياناً، حين تحبّ؛ ألا يأتيك اليقين، غير المبتذل، بأنك تعرف حبيبتك منذ 30 سنة مثلاً؟
هذا ليس ستاتوس عن "تناسخ الأرواح"، ولا لدحض فكرة "الجنة والنار" - مع أني كنت بحبّ أعمل هيك- ولكن صدقاً، هي أفكار أعيشها دوماً وأثارها الفيلم من جديد بذكاء. وهي تقدير للروح، التي لا يمكن أن تنسى حتى وإنّ حاولت الطبيعة، ولا أنّ تموت بمجرد تعب الجسد أو قتله، فلا يمكن أن تكون حياتنا بهذه التفاهة التي يحاولون تسويقها للسيطرة عَ البشر.

الاثنين، 17 يونيو، 2013

عن القاهرة..



وإنت في القاهرة، بتحسي مثل بالونات الصابون، اللي بيفنخها البياع عَ الكوبري. طايرة بهدوء وألوان، وسط الزحمة والغبار.

في القاهرة، ممكن وإنت ماشي في الشارع تشوف شخص شبه نجيب محفوظ، وتبتسم، وغالباً الرجل ده مش عارف.

في القاهرة، ولا يمكن تكون وحدك. حتى الإزعاج بسليك.

في القاهرة، ما حدا رح ينتبه لغضبك، هو شبه كلاكس السيارات، كلّه سامعها، بس ما حدا فارق معاه، متل الموسيقى التصويرية لفيلم مستمر.

في القاهرة، الحياة حلوة، بس ما تفهمهاش.

القاهرة، ولا مرة بنفع تروحها زيارة. ما بنفع تزورها لأسبوع واحد. لازم تعيش كلّ التفاصيل، أو غالبيتها، عشان تتعلم الحياة. وبعدين، تقدر تموت براحتك.

في القاهرة، دايماً رح تستنى ناس تأخروا عَ الميعاد. ودايما رح توصل بدري، إنتَ اللي مش منها.

رح تصير مصري بجد، لما تتأخر على ميعاد، أو ما تروح الميعاد من غير إعتذار، وتنام بعدها بضمير مرتاح.

النيل مش مثل البحر، لما تقعدي معاه، يفضل بهدوئه كأنه مركز معاكي. مفيش موج بيسحب حاجة، مفيش حاجة بتروح لبعيد، هو إلك كلك. هو قاعد لحد ما تمشي. وترجعي، وتلاقيه تاني.

الأحد، 9 يونيو، 2013

حلم في ستاتوس

من فترة مش قصيرة، تأكدت إني شخص مش مبني لمسائل الدوام الرسمي يومياً في شغل ما. بحبّ وقتي؛ إني أصحى وقت ما بدي، وأنام وقت ما بدي، وأنتج بالساعات الملائمة إلي، من منطلق شغلتين: الأولى، إنه بس أنا بعرف إمتى الوقت المناسب للإنتاج بالنسبة إلي، والثاني، من منطلق قناعة إنه المردود لازم يكون بناءً على الإنتاج وليس الساعات. طبعاً، واضح إني عم بحكي يوتوبيا.. وبالآخر، وبطبيعة الحال، دايماً "الفري- لانسر" بيدفع ثمن ما. بس لما خطى هذه الخطوة، بالتأكيد كانت على قناعة تامة فيها.
المهم، بعد كلّ هالديباجة، وتقديري للشغل الحرّ. عندي حلم صغير، اللي لوّ تحقق كنت بصير من المدافعات الأوائل عن الدوام الرسمي. إنه يكون عنا جريدة في فلسطين، ورقية أو إلكترونية مش مهم. متل ما قالت صديقتي مبارح:"المهم المضمون".. جريدة مش تابعة لسلطة ما. جريدة قادرة إنه تعطي مساحة أمان وإطار لكلّ صحافي/ة بهالبلد بإنه يمارس عمله بإحترام ومهنية وبراتب كما يستحق حلمه ومجهوده. صحيفة فيها تخصصات وأقسام، بتجيب أخبار خاصة وتحقيقات وتقارير ومش كوبي بيست. لأنه وقتها، بس جريدة أكون فيها صحفية رسمية، موظفة، رح تخليني أصحى الساعة 5 الصبح، أشرب قهوتي وأعمل مناقيش بزعتر ولبنة وجبنة بيضا مش بس إلي ولعيلتي، كمان للحارة كلّها.. وأكون بالدوام الساعة 8.. أعمل "Lay Out" لعدد الجريدة اليومي، مع محرري الأقسام ومحرر/ة الجريدة.. وأرجع البيت الساعة 10 بالليل. وقتها، فليذهب الوقت إلى الجحيم، ومعه يوتوبيا الفري-لانسرز.

الجمعة، 24 مايو، 2013

وجهاً لوجه | كاميرا المهمّشين


صورة من المعرض

رشا حلوة

«لذكرى أولئك الذين لم يعودوا»، ليس من الحرب وساحة المعركة، بل من العمل... قرّر محمد بدارنة (عرابة، الجليل ـ 1987) توجيه عدسة كاميرته إلى العمّال والكادحين في الأراضي المحتلة عام 1948. هكذا، ذكّرنا بأكثر من 60 عاملاً يموتون سنوياً من دون أن يلتفت إليهم أحد في معرضه «ترجعوا بالسلامة». حول أهمية عرض أعمال فنانين فلسطينيين من الأراضي المحتلة عام 1948 في عمّان والعواصم العربية المتاح زيارتها، يقول بدارنة لـ «الأخبار»: «هذه المعارض رسالة لنا كفنانين فلسطينيين في الداخل، من أجل التأكيد على وجود مساحات حرّة وجميلة للعرض. لسنا بحاجة إلى ختم من تل أبيب كي نكون في معارض مهمة، أو أن نكون مكياجاً لتجميل وجه إسرائيل».
بدأت فكرة العمل على المعرض مع موت أصدقاء بدارنة، مثل حمادة علاء الدين الذي دُفن تحت الرمل، ونضال شاويش ابن الحيّ الذي تسكنه عائلة المصور في قرية عرابة، والعديد من العمّال الذين لقوا حتفهم أثناء البحث عن لقمة العيش. يضيف بدارنة: «ما دفعني أكثر إلى ذلك هو اكتشاف ابتعادي عن طبقة العمال والكادحين. أنا ابن عامل، لكني لا أعرف عن حياة العمال سوى قشورها. نحن منفصلون عن طبقة الكادحين حتى لو تحدثنا عنهم. المعرض جاء من أجل إظهار القهر اليومي الذي يعيشه هؤلاء، والتوعية تجاه حقوقهم وضرورة تأمين سلامتهم». منذ أن أكتشف بدارنة شغفه بالتصوير قبل ست سنوات، تجول في أوروبا وآسيا والعالم العربي حاملاً كاميرته. ونتاج هذا التجوال كان أربعة معارض. الأول حمل الاسم «أثر» الذي جسد الخوف من موت الأهل، والثاني «تيه»، تحدث عن الجسد ورحلة الضوء فيه، والثالث «حافة الأمل» الذي أضاء على عمالة الأطفال، وأخيراً «ترجعوا بالسلامة».

تتميز عدسة بدارنة بملاحقتها تفاصيل الحياة الصغيرة، منها المهمش والخفي، وفي أحيان كثيرة يحاول أن يسلط كاميرته على تفاصيل وضع عليها المجتمع ممنوعات عديدة، لكنّ بدرانة يرى أنّ الكاميرا تمثل محاولة للتواصل مع ما هو داخله وما هو خارج الحيز الفردي. يؤمن أنّ الصور التي يلتقطها تجسيد لما يفكر فيه ويعتقده، سواء في صور الناس المهمشين أو في توثيق التفاصيل الصغيرة في حياة الناس، أو في قضايا حقوق الإنسان و«كذلك في غير المألوف». يضيف: «الكاميرا أداة أعيد فيها صياغة روحي وتجاربي». بعد عمّان، سيعود بدارنة مع «ترجعوا بالسلامة» إلى فلسطين. وفي بعض الشوارع، سوف توضع صور المعرض كي يراها العمال أثناء خروجهم إلى العمل وعودتهم منه.


شريط "بث 65": الكوفية مُمثِّلَةً شعبها

https://www.facebook.com/WsymaAlhyt?directed_target_id=0


رشا حلوة
 تشكّل الكوفية الفلسطينية (البيضاء والسوداء) الرمز الأقوى والأعمق للفلسطينيين وتاريخهم النضاليّ، ورغم التغييرات التاريخية منذ الاحتلال العام 1948 ولغاية يومنا هذا، ظلّت الكوفية أو الحطّة أحد الرموز الموحدة للشعب الفلسطيني، مع العلم وشجرة الزيتون.

فكثيراً ما يحدث، ونحن نسير صباحاً إلى أعمالنا في يومٍ عادي، أن نلمح من بعيد شاباً يلف رقبته بكوفية فلسطينية. وقد يكون ذاهباً إلى عمله أيضاً أو يتمشّى في شوارع حيفا صباحاً لاحتساء فنجان قهوة مع أصدقائه. وربّما لا يهمنا السبب، وجوده فقط يشعرنا بالأمان ويغيظ المحتلين. مُجرد السير في شارع حيفاوي أو عكاوي بالحطّة، هو أحد أشكال المقاومة، كالبقاء والوجود.


في فيلمه "بثّ 65" الصادر قبل 48 ساعة من إحياء الذكرى الخامسة والستين للنكبة، يظهر وسيم خير ماشياً أو راكضاً، لكنه ثابت في المكان نفسه، لا يتحرك. حركته الوحيدة، تلاعب في شكل "الحطّة" على مدار الدقائق الخمس تقريباً (مدة الفيلم). يبدأ الفيلم والحطّة على رأس خير، على طريقة الفلاحين، دلالة على المجتمع الزراعي الذي عاشته غالبية الفلسطينيين.

من ثم يغير موقع الحطّة، يضعها على وجهه، ليصبح ملثّماً كالمقاومين إبان الانتفاضة الأولى. تغيير شكل الحطّة يستمر طوال الفيلم، إضافة إلى حركة جسده، فتارة يكون منحنياً، وتارةً شامخاً.. معبّراً بالجسد أيضاً عن حالة الفلسطيني وفقاً للمرحلة التاريخية في نضاله. من الانتفاضة الأولى، تحملنا حطّة وسيم خير إلى "اتفاقية أوسلو"، فتُوضع على الكتفين. ثم إلى مرحلة النضال السلمي، فيلف بها خصره... إلى الإنتفاضة الثانية... حتّى تصبح الحطّة منتجاً للموضة والأزياء تُباع بألوان مختلفة وتحمل ماركات عالمية.
وسيم خير، ابن قرية البقيعة الجليلية والمقيم في حيفا، يستعرض تاريخ نضال الشعب الفلسطيني منذ الاحتلال، ولغاية يومنا هذا، من وجهة نظره. يطرح رؤيته للمستقبل. يقول لـ"المدن": "أؤمن بالفنّ المقاوم، وأنّ الفنّ يأتي من الناس ويعود إليهم. أردت من خلال هذا الفيديو أن أقوم بمراجعة لتاريخ شعبنا من النكبة، حتى اليوم. من دون دور الضحية. فقط كي أسأل، ونسأل أنفسنا:لوين رايحين؟"

يعتمد خير في الفيديو محورين. الأول، سماعي يضم موسيقى عمل عليها الفنان الياس غرزوزي، إضافة إلى مقاطع من خطابات جمال عبد الناصر وياسر عرفات. والثاني، مرئي، يضم مقاطع بصرية من مراحل تاريخية، وأخرى لوسيم خير (الممثل) وإلى جانبه جدار أبيض، وتشاركه الحطة/الكوفية في التمثيل كشخصية رئيسة في هذا الفيلم القصير.
ينجح الفنان الفلسيطني في إيصال فكرته واستخدام "الحطّة" كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، في سرد قصة نضاله أينما كان، سواء في فلسطين الحقيقية أو في اللجوء. إلى أن يصل إلى الجزء الذي يتحوّل فيه شكل الحطّة إلى تلك التي يستخدمها اليهودي في صلاته، "وذلك للدلالة إلى أسرَلة قسم من الشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة العام 1948"، يقول خير.

إلا أن الإشكالية في هذا الجزء تكمن في شقين. الأول، إنه فجأة يسلط الضوء على جزء من الشعب الفلسطيني فقط، المتعرّض لـ"الأسرلة" المباشرة منذ 65 عاماً. والثاني هو ربط اليهودية (طقس الصلاة) بالأسرَلة. ومع إدراك خير للبلبلة الناتجة عن هذا الجزء، يقول: "رغم هذا الجزء المستفز من الفيديو، وهو رؤيتي وأيضاً توقعاتي المستقبلية، أختتم الفيلم بالحلّ الوحيد الذي أراه لهذه الأرض، وهو تحرير فلسطين"، مجسداً ذلك بحمله الحطّة بيده على شكل كامل التراب الوطني.

أُنتج العمل ذاتياً، ضمن المجموعة الفنّية "وسيم عَ الحيط"، والتي تضم صاحب المبادرة وسيم خير، ومجموعة من الممثلين والكُتاب والموسيقيين والنشطاء المؤمنين بالفنّ المقاوم. يأتي إنتاج الفيديو امتداداً لمشاريع عديدة يعمل عليها خير بشكل مستقل، في إطار يسمح له بتقديم كلّ أفكاره بلا خوف وبلا تدخلات ناتجة عن سلطة ثقافية أو سياسية في مضمون العمل، بحسب وسيم: "أقدّم قصص الناس وأحكي عنهم ولهم، ولا أريد أن أتاجر بها مقابل مردود مادي. كما أؤمن بأن السياسي يطلق صوته من مكانه، أستطيع الحديث عن قضيتي والنضال من أجلها من خلال منصتي ومجالي الفنّي".

www.youtube.com/watch?v=cNbeiZUEReI


الأحد، 19 مايو، 2013

المتحف الفلسطيني... من يبنيه؟




رشا حلوة
منذ ما لا يقل عن 5 سنوات، تشهد فلسطين كثير من ورش العمل حول مخططات لبناء المتاحف، في ظلّ وجود عدد لا بأس به منها في بعض المدن، إضافة إلى المتحف الذي سيوثق التاريخ الحديث لفلسطين، والذي وُضع له حجر الأساس قبل شهر في بيرزيت. هناك مخططات عدة لمتاحف، وكأنه بعد ١٠ سنوات ستضم كلّ مدينة فلسطينية متحفها الخاص. يبقى السؤال والعالم يحتفي اليوم باليوم العالمي للمتاحف، ما وظيفة المتاحف؟ ولماذا هذا الهاجس المتزايد ببنائها؟ وما علاقتها بالمجتمع الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال منذ أكثر من ٦٥ سنة وفي اللجوء؟ هل ستوثّق القتل والظلم وسرقة التاريخ والسطو على الآثار والمعرفة والذاكرة الفلسطينية؟
يقال إن المتحف الفلسطيني الجديد سيعمل، على الربط ما بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة كلّها واللاجئين. كما سيربط ما بين المتحف الموجود على أرض الضفة الغربية وما بين الفلسطينيين في قطاع غزة. الحديث يدور عن المتحف الأول من نوعه في فلسطين والذي سيعمل على توثيق التاريخ الفلسطيني المعاصر خلال آخر ١٥٠ إلى ٢٠٠ سنة.
لن يقتصر عمل المتحف على الضيوف، بل سيحتوي على «متحف افتراضي» عبر موقعه الإلكتروني، لاستهداف كلّ من هو خارج فلـسطين. وقد جاء في بيان المؤسـسة: «المتحف ليـس لـحفظ الذاكـرة الإنسانية للشعب الفلسطيني وتوثيق الكارثة التي شكلت نقطة تحول في تاريخه الحديث فحسب، وإنما أيضاً لتسجيل قصص كفاحه المستمر وإصراره على حقه في تقرير مصيره». لا يختلف اثنان حول الهدف المهم من بناء المتحف. لكن، في ظل كون الشعب يعيش معظمه تحت الاحتلال، وقسم منه تحت الحصار أيضاً، والقسم الأكبر في اللجوء، ألا يوجد خوف من أن تُنسى هذه الذاكرة حين تُعلق على الحيطان؟
الخوف يكمن في العدد الكبير للمتاحف، لا في فكرة بنائها، إضافة إلى القلق من تجميع التاريخ في نُصُب تذكارية وتحويله إلى طقوس فقط. لا يزال الشعب الفلسطيني يعيش تحت الاحتلال، ولهذا لا تزال الحاجة إلى فنّ مقاوم يشبك مع الناس وهموهم وأحلامهم ويناضل ضد الاحتلال، لا أن يتحول إلى فنّ متاحف فقط، بخاصة أنّ وظيفة المتحف الأساسية تكمن في سرد رواية الناس، وهذه القصة مستمرة، لم تنته بعد. إذاً، لا مشكلة جوهرية في بناء المتاحف، لكن الأسئلة تصب في المخططات لبناء مزيد منها. الأمر الثاني، والذي لا يقل أهمية، هو من يبني المتحف؟ أليست هذه وظيفة الدولة في الدرجة الأولى؟ بخاصة في ظلّ الحاجة الملحّة إلى معرفة من سيكتب التاريخ البصري؟ لا لشيء، فقط لأن تكون لنا رواية موحدة نرويها للأجيال المقبلة، تلك التي ستولد في فلسطين وتلك العائدة إليها.

البحر/ صابرين