الاثنين، 29 أكتوبر، 2007

لنشارك ترشيحا في نكبتها.. لنباركها في نهضتها..


رجاء زعبي عمري
تقرير "ناطرينكم" – صوت فلسطين48 لأجل ثقافة العودة
27/10/2007


الأحد 28 تشرين1 "يوم ترشيحا"
لنشارك ترشيحا في نكبتها.. لنباركها في نهضتها..


· ذكرى وذاكرة.. وقفة وموقف.. لذلك حق العودة، ولذلك غزة
من ترشيحا شمال فلسطين، إلى مخيم برج البراجنة في لبنان - حيث يقيم معظم التراشحة المطرودين من وطنهم - إلى مخيم النيرب جنوبي حلب في سوريا.. قرابة خمسين ألفًا يحيون الذكرى الـ59 لنكبتهم في "يوم ترشيحا"، الأحد 28/10/2007. المنسّق بين التراشحة الباقين والتراشحة المهجّرين. وقد جاء بيان لجنة إحياء يوم ترشيحا معلنًا إحياء الذكرى ترسيخًا لحق العودة في أذهان الأجيال ودعوة لإعادة تفعيل قضية حق العودة على بساط البحث المحلي والعربي والعالمي. ويهيب التراشحة أن يكون "يوم ترشيحا" نقطة انطلاق نحو أجندة سياسية واضحة في قضية حق العودة، ونقطة تحوّل في مفهوم العمل من أجل إحقاق السلام العادل، بدءاً بحق العودة. ومن هنا فقد دعت اللجنة في بيانها التنظيمات السياسية والهيئات التمثيلية والجمعيات والأطر الجماهيرية، إلى المشاركة المكثفة في إحياء هذه الذكرى. ومن هنا أيضًا وبجهد مشترك من لجنة إحياء يوم ترشيحا و"ناطرينكم" صوت فلسطين48 لأجل ثقافة العودة – من مجموعة أجراس العودة لأجل الدولة الديمقراطية العلمانية – فسوف يحيي أهلنا في غزة "يوم ترشيحا" في 28 تشرين أول هذه السنة ولأول مرّة. ومن هنا أيضًا فسوف يستغل التراشحة يوم ترشيحا لرفع صوت غزة، وإطلاق ندائها ضد الحصار ولأجل وقف حرب إبادة الفلسطينيين في قطاع غزة.. أمّا الفنانة رنا بشارة فقد كرّست عملها الفني الذي ستقوم ببنائه في يوم ترشيحا مستخدمة أرغفة الخبز، أيضًا ضدّ حصار غزة.

· سليم البيك.. ترشيحا – أبو ظبي
سليم البيك، الشابّ المهجّر من ترشيحا، المقيم في أبو ظبي، والمسكون بترشيحا، زميلنا في هيئة أجراس العودة لأجل الدولة الديمقراطية العلمانية "مش واسعته الدنيا" هذه الأيام.. فترشيحا تكبر في يومها سنة بعد سنة.. حقًا إذن كان يوم الهوية والكيان، يوم الانطلاق من جديد: "لم يعد هذا اليوم يوم ترشيحا البلدة الصغيرة المتكئة على كتف عكا، بل بات يوم فلسطين، كل فلسطين، يوم أهل فلسطين في كل أماكن تواجدهم. يوم وطني يوحد القوى السياسية الفلسطينية وخاصة في الأرض المحتلة عام 48. يرمز هذا اليوم الآن لنكبة فلسطين الكبرى، وهذا أصدق وأعمق ما يمكن أن يجمع الفلسطينيين، في كل أماكن تواجدهم، حيث يُجمعون على التمسك بحق العودة والحرية. ترشيحا التي عُرفت بمعاركها الشرسة مع عصابات الصهيونية، هي ويوم سقوطها لم يعودا يرمزان للحسرة والرثاء، إنما للصراخ في وجه العالم بأن فلسطين كل فلسطين لن تكون إلاّ لأهلها كل أهلها، ولن تكون إلاّ واحدة، موحّدة".

· أساس البيت ينمو كجذر حيّ...
في مدخل ترشيحا.. باسل طنوس، من لجنة إحياء يوم ترشيحا، ومرافقي في الجولة، يلفت نظري إلى تلة صغيرة مزروعة بالعشب وبعض النخيل، ويشير إلى حجر عريض يبرز من العشب بارتفاع نحو 30 سم. يقول باسل: "هذا أساس بيت هُدم في النكبة.. بيت أبو يوسف من عائلة أبو حسّان". ولوهلة يخيّل إليّ أن هذا "الأساس" جذر حيّ لنبتة ستنمو من جوف التلة.. أقولها لباسل، فيقول: "نعم، هذه هي الفكرة". ونستمرّ في جولتنا في أنحاء ترشيحا بينما يشير باسل إلى كل ساحة وموقع جرت فيه المقاومة في 1948 وكل بيت وموقع تلقى القنابل من طائرات القوات الصهيونية.. ونصل أيضًا إلى "الزاوية الشاذلية" لنرى من هناك الحاكورة الخلفية للمسجد وقد غطتها أكوام الحطب وتحتها.. في الأرض.. عظام لنحو 33 شهيدًا من ترشيحا هم ضحايا المجزرة.. بانتظار مخطط يرسمه باسل لنقلهم إلى مكان ملائم وإنشاء نصب تذكاريّ لأرواحهم.

· معركة ترشيحا: الانفصال عن معلوت في مجلس محلي مستقل
أوّل من نلتقي السيد نخله طنوس وعمره 50 عامًا.. يذكر كيف سرق اليهود حجارة بيوت ترشيحا وجسور الحديد من سقوفها لتصبح أعمدة كهرباء في مستوطنتهم: "رأيت كيف كانوا يربطون الحبال بجسر الحديد الحامل للسقف وبالخيل من الجهة الثانية تشدّ به إلى أن تقتلعه".. ويقول باسل: "لو زرت مستوطنة "مَعونة" سترين أن البيوت السبع الثماني الأولى في مدخلها مبنية من حجارة بيوت ترشيحا"..
و"معونه" هذه، مستوطنة قائمة على أراضي ترشيحا. انتقل إليها قسم من اليهود الذين وطّنتهم الحركة الصهيونية في بيوت مهجّري ترشيحا. بعد تهجير التراشحة استوطن بيوت ترشيحا يهود من شمال إفريقيا ومن رومانيا. قسمت دولة إسرائيل البلد قسمين، قسم لليهود وقسم للقلائل الذين بقوا تحت الحكم العسكريّ غير قادرين على اجتياز السياج الفاصل لبلدتهم بلا تصريح. ولفترة معيّنة كان ثلث سكان ترشيحا من اليهود، بدأوا بالانتقال منها تدرّجًا مع ارتفاع عدد العرب نتيجة انتقال مهجّري القرى المهدّمة الأخرى مثل عمقا وسحماتا ودير القاسي وقلائل من إقرث إلى السكن في ترشيحا. وبالمجمل بقي في ترشيحا سكان يهود إلى أواخر ستينات القرن العشرين.
ويخبرنا نخلة الطنوس أن المستوطنين اليهود في ترشيحا سيطروا على كل شيء، ليس فقط الأراضي.. بل إن فرن الخبز والسينما والمحلات التجارية كلها استولوا عليها وأداروها كأنها لهم. وقد كانت ترشيحا بلدًا غنيّة ويعيش أهلها بمستوى جيد من أراضيهم ومردود حرفهم إذ كان الجوار كلّه يأتي لترشيحا طلبًا لخبراتهم. كانت ترشيحا أكبر مصدّر للتبغ في فلسطين، وأراضيها مساحتها 64.000 دونم تمتد إلى الساحل، إلى الزيب. وعن نشاط مزارعي ترشيحا "الزائد" تقول إلهام دكور طنوس، من لجنة إحياء يوم ترشيحا، إن أهالي القرى المجاورة درج لديهم مثل يقول "مالك يا أرض تعبانه؟ واقف فوقي ترشحاني".. وتتابع: لقد كان التراشحة يزرعون في السنة موسمين لكثرة نشاطهم.
والرابط أكثر من وثيق بين معركة ترشيحا للانفصال عن بلدية "معلوت - ترشيحا" وبين معركتها للحفاظ على هويتها العربية الفلسطينية صونًا لمستقبل أبنائها من الضياع. فمن بيان لجنة إحياء يوم ترشيحا، نقرأ: "منذ سنوات ونحن نحيي ذكرى سقوط ترشيحا... بهدف ترسيخ وتعميق الذاكرة الوطنية للمجتمع الترشحاني ودفعه إلى الانخراط في الهمّ الوطني العامّ والخوض فيه". وتعتبر لجنة إحياء يوم ترشيحا، أن نكبة ترشيحا استمرت من خلال محاولات سلخها عن ركب النضال العام لجماهير شعبنا بسبب ضمها قسرا مع مستوطنة معلوت خلال فترة الحكم العسكري".
يقول نخلة الطنوس: الأغلبية الساحقة من أهالي ترشيحا معنيّة بالانفصال عن بلدية "معلوت"، هذا هو الوضع اليوم، لأن بقاءنا ضمن مجلس بلدي واحد يعني تحويل ترشيحا في نهاية الأمر إلى حيّ عربيّ مهمَل ومحاصر داخل مدينة "معلوت" اليهودية.. مثلما حصل في اللد والرملة. هكذا تكون الخسارة ليس فقط الأرض التي استولوا عليها، بل خسارة الهوية والإنسان وتدمير للمجتمع الترشحاوي. ونحن نرى إشارات ذلك ونتصدى رافضين.

· "حركة شباب ترشيحا".. يوم الأرض وربيع ترشيحا
التقيت الشابة رنا دكور، التي تحدثت باعتزاز كبير عن إنجازات "حركة شباب ترشيحا" وأطلعتني على نشرتهم "ترشيحا تروي". "حركة شباب ترشيحا" نواة من 20-30 شخص ناشطون في التخطيط والتجنيد كما في جمع التبرعات للنشاطات التي يقومون بها للمصلحة العامّة؛ ولذلك فهم يلاقون الترحاب والاحترام والثقة من جميع أهالي البلدة، كما تقول لنا إلهام دكور طنوس، من لجنة إحياء يوم ترشيحا.
كان أول "ظهور قويّ" للحركة في "يوم ترشيحا" الثاني عام 2005، وقبل ذلك في السنة نفسها نشط أعضاء الحركة في نضال ترشيحا ضدّ بلدية "معلوت" التي سعت إلى خصخصة مدرسة ترشيحا الثانوية وبيعها في نهاية الأمر لشبكة "أورط". ثم انطلقوا في كثير من النشاطات، أهمها الانطلاق في مسيرة "ربيع ترشيحا" في يوم الأرض، التي يؤكدون أنها ستصبح تقليدًا يتّبعونه.
في السنة الماضية بادر الشباب إلى إحياء ذكرى يوم الأرض في يوم خاص بترشيحا أسموه "ربيع ترشيحا"، حيث "انطلق أهالي القرية شيبًا وشبّانًا لزيارة أرض ترشيحا الغالية تعبيرًا عن تمسّكهم بأرض الآباء والأجداد وتكريسًا لإيمانهم بأنه لا يضيع حق وراءه مطالب" كما جاء في نشرة "ترشيحا تروي" وكما شدّد الشاب وجدي شاهين – من لجنة إحياء يوم ترشيحا أيضًا - في حديثه معنا. حيث قال إن وفودًا من ترشيحا تشارك في يوم الأرض القطري، ولكنهم مهتمّون بترشيحا تحديدًا، نظرًا إلى معاناتهم الخاصة حيث سلبتهم "دائرة أراضي إسرائيل" معظم الـ66 ألف دونم التي كان يمتلكها أهالي ترشيحا، ولم يبق لهم سوى أكثر قليلاً من ألف دونم. وبالتالي فإنهم بالإضافة إلى تعريف الأبناء على أرض الآباء والأجداد بأسماء مواقعها وعشبها وشجرها، فهم يعدّون الجيل الصاعد لمعركة استعادة الأرض، إذ لن يكون له مستقبل للنموّ والتطوّر دون استعادتها.

· "يوم الهوية والكيان.. يوم الانطلاق من جديد"
كان هذا شعار "يوم ترشيحا" الثاني في 28 تشرين أول 2005، وذلك ردًا على محاولات الطمس التي قامت بها بلدية "معلوت" في يوم ترشيحا الأول – الذي كان فكرة ولدت في بيت باسل طنوس وإلهام دكور - حيث ألغت البلدية الإذن لطلاب المدارس في الخروج للمسار التاريخي الذي خططه المبادرون، وأغلقت في وجههم المركز الجماهيري. رئيس البلدية قال لباسل طنوس: لا مشكلة لديّ مع الفعاليات، المهم أن لا تكون في 28 تشرين أول، فهذا يوم احتلال ترشيحا وأنتم تحيون الذكرى.. ورفض التراشحة طبعًا.. وأعلن الإضراب في المدرسة في 28 تشرين أول وجرت فعاليات مختصرة. ولكنها كانت انطلاقة. بتكريس هذا اليوم قرر المبادرون استعادة هوية ترشيحا-هويتهم العربية الفلسطينية بعد سنوات طوال من السبات والتغييب.. وقد جاءت الاستجابة من قبل التراشحة تحديًا انتظروه طيلة عام كامل حيث كما قالت إلهام دكور "الناس لأول مرّة أحست الوجع في بطنها.. قالوا لنفسهم ولبعضهم بعد أن رأوا قبح الوجه الصهيوني في يوم ترشيحا الأول: "ولاو!!.. يوم ترشيحا، يوم نكبتنا، ممنوع علينا نحييه!"..
في يوم زيارتي لأجل إعداد التقرير عن الاستعدادات ليوم ترشيحا، كان الناشطون منفعلين لمباراة كرة السلة المرتقبة في مساء اليوم نفسه بين فريق ترشيحا وفريق مستوطنة "شلومي". ومع قرب انتهاء الزيارة، انتهت المباراة بفوز فريق ترشيحا على فريق شلومي 70-66. يقول وجدي شاهين، الناشط في "حركة شباب ترشيحا" كان هذا "انتصار" رياضي و"انتقام" سياسي، نظرًا لتضييقات مجلس معلوت – ترشيحا على الفرق الرياضية الترشحاوية ومجمل النشاط الثقافي الترشحاوي. فبلدية معلوت ترفض أن يكون لترشيحا فريق خاص بها ولذلك لا تموّل الفريق بل يموّله أهالي البلد. وبلدية معلوت اشترطت تمويل "فرقة ترشيحا للموسيقى العربية" بتغيير اسمها إلى فرقة معلوت ترشيحا الموسيقة! ورفض التراشحة.

· لوين رايح يا حمار؟ ... رايح ع الحفلة!
قبل "حركة شباب ترشيحا" ولجنة إحياء يوم ترشيحا والانطلاقة الجديدة، لم تخل ترشيحا من شباب رافض، فقد كانت دائمًا فيها جمرة تتوثب تحت الرماد. في أوائل عام 1992 وتحديدًا في 18/9 بادر مجلس معلوت – ترشيحا إلى إقامة حفل في "الدوّار" لأهالي ترشيحا.. هكذا بلا مناسبة!.. وجاءوا براقصة ومغنين.. ولكن التراشحة يومها تنبّهوا لخديعة قذرة.. فهذا اليوم هو ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا.. نعم يذكرون رغم أنه لم يجر إحياء الذكرى. وربما لم تكن تلك إلاّ وسيلة فحص من الوسائل الكثيرة التي تنتهجها الدولة الإسرائيلية مع فلسطينيي48. والذي جرى هو أن مجموعة من الشباب الناشط حينذاك تصدّت للمهمّة.. تقول إلهام دكور طنوس: "جبنا حمارين ربطناهُن في الدوّار قبل مدخل الحفلة، واحد مكتوب عليه: "لوين رايح ي حمار؟!" والتاني مكتوب الجواب: "رايح ع الحفلة!".. ويومها لم يدخل الحفل سوى 3 "أشخاص"! وتقول إلهام والتماعة النصر في عينيها.. "ومن يومها سمّيناه دوّار الكرامة"!!

ختام:
ترشيحا اليوم 4500 إنسان يتصدّون ببسالة ووعي تامّ في معركة بقاء ترشيحا وتطورها من خلال النضال لأجل الانفصال عن بلدية معلوت وإقامة مجلسهم المحليّ المستقل؛ كما يبلون بلاءً حسنًا في انطلاقتهم الجديدة انطلاقة الكيان والهوية.. كيف لا، وفيهم "حركة شباب ترشيحا" وفيهم "لجنة إحياء يوم ترشيحا" وحولهم التراشحة الباقون والمهجّرون، ومعهم فلسطينيون من كل مكان.. من فلسطين48، مجموعة "بادر" من سوريا، وحتى في غزة ومن قلب الجراح الدامية والمجاعة القارضة يتضامنون مع ترشيحا ويحيون يومها.

----------------
"ناطرينكم" – صوت فلسطين48 لأجل ثقافة العودة
من مجموعة "أجراس العودة" لأجل الدولة الديمقراطية العلمانية

أعدّت التقرير: رجاء زعبي عمري – مديرة موقع "أجراس العودة"
الصورة من معرض "خيام اللاجئين" للفنانة، ابنة ترشيحا، رنا بشارة

الجمعة، 26 أكتوبر، 2007

رقصةٌ سمائية

عتمةٌ تبعد قليلاً عن عتمة السماء. غرفةٌ بلا باب يوصد اختلاس القمر الوحيد بين تعب النجوم. موسيقى تبكي فراقًا طال واحترق شوقًا لفارس قد يعود حين يطيب له، أو حين تقرر هي أنها ملت من الانتظار.
ممتدة هي على سريرها، بلا جسد متحرك إلا مخيلةً. رقصة يديها وحدهما تنعكس على السقف المعطر بدخان العاشقين، والمتأملين. خيالٌ لطائرين عادا للتو من الصيف البعيد إلى هذه البلاد الباردة، رغم أن الشتاء لم ينته بعد.
ليديها قصصُ عشق مع الحائط لم نعلمها قبل الآن. جسدها يتخذ له موقفًا حياديًا في هذه المقطوعة الموسيقية، ويعطي لعقولنا فرصة تخيل الرقصة برمّتها. وحدها تلك الأيدي تشق خصوصية الجسد وقدسيته، لتفعل ما تشاء بنفسها ورقصتها، وفقًا للموسيقى ومساحة حائط يتسع لحريتها. الجسد مكانه، ويداها تُفسر الموسيقى بأكثر من الكلمات أحيانًا. لهذه الأيدي حين ترقص في العتمة، فوق الشموع، خلفية الخيال على السقف، تعابير لا يعلمها الوجه. رقصة يديها بلا جسد، أعطتنا حيزًا من اكتشاف ملامح الأيدي، وحديثهما الموسيقيّ الخفيّ.
حوار ما بين يدٍ وأخرى، اليمينية تأخذكَ حيث رميتَ وسادتكَ المسكونة بعطرها في ذاك المكان الذي اعتقدتَ أنك نسيته، لتحضرها من جديد. فهذه اليد علمتْ وحدها كيف تسترجع صورة حبيبتك المحروقة والموضوعة بين دواوين شاعرك المفضل على الرف الأول. أما اليُسرى، فلها حركتها الخاصة، تمشي سويًا مع أختها لضرورة الرقصة فقط. تعريكِ من الألف غلاف الذي يحيط روحكِ وكلامكِ، جسدكِ يرتجف منها، ارتجافه يبعثر الأوراق المرتبة داخلك وبين القلب، يكشفك كذبكِ الدائم حول سبب ارتجافكِ في الشتاء، لم ينجح فرن التدفئة في وقف جنون جسدكِ حين كانت تَرقص يداها، والأوراق داخلكِ تعرف كيف تستغل المواقف وتتبعثر علنًا.
شباك الشرفة القريب ينقشع عن نفسه، يرمي بزجاج الشبابيك خارجًا، لم يعد يتمالك اصطدام الكواكب والنجوم القادمين من السماء، زحمة المتلهفين لرؤية رقصة الأيدي هذه، شرعية في هذا الظلام.
لا تأبه يداها لما يحدث حولها، لا تهتم لخروج جميع الأمكنة المنفية داخلنا إلى الغرفة المظلمة، تستمر في رسم لوحة موسيقية تعرّي ارتجاف الجسد، الغرفة ممتلئة بالمتفرجين الصامتين أمام حرية هاتين اليدين. تجلب رقصتها معها الذكريات كلها، كلٌ مع ذكرياته، ترقصهما سويًا حين تمتزج بعض الذكريات مع بعضها. قسم منها يتقن رقصة العشق والتعب. وقسم آخر، رقصة الفراق والملل..حتى للكواكب، كانت لهم رقصتهم الأولى.

تحلّق يداها في سماء الغرفة، ستنتهي الأغنية بعد قليل للمرة العاشرة. باب الغرفة ما زال مفتوحًا، للقمر طريق عودة سريعة. زجاج شبابيك الشرفة لم يعد مكانه، لا ازدحام في طابور رجوع الكواكب المُرتب. يهيئ الشمع نفسه ونفسنا للانتهاء، ارتياح يديها يعطينا إشارة واضحة بإعادة ترتيب الحالات المزاجية التي تراكمت أمامنا. فلم يعد حضورٌ للذكرى بعد اكتمال حوار الأيدي الموسيقيّ. رقصة قابلة للغياب، ليس من تعب الجسد المحايد هذه المرة، إنما فقط، لإشعال النور في الغرفة، تذهب معه أيديها والرقصة، واشتعالات أخرى.

رشا حلوة
شباط 2007
عكا

الأربعاء، 10 أكتوبر، 2007

بيتي الجديد/المؤقت..

بيتٌ يطل على البحر من ناحية، وعلى الجبل من ناحية أخرى..بيتٌ سيبدأ بتركيب ذكريات آتية إليه، واحدة تلوى الأخرى..
بيتٌ، تستطيع أن تمد منه جسرًا نحو الشمال، عله يصل بنا خيالاً إلى هناك..إلى حيث نحن "ممنوعون" من أن نصل.
بيتٌ، يذكرني كل صباح بأمنياتي المتزايدة بأن لا أفعل أحيانًا شيئًا، سوى أن أتأمل بحر وكرمل حيفا وأكتب..
عنهما، لهما، ولكل من يتمنى أن يجلس مثلي يتأملها..حين يتبادلان الحديث عن حر الشمس..

الأحد، 7 أكتوبر، 2007

شجون أكتوبر/هشام نفّاع

على مدخل كفر كنا تقرأ بوضوح على إحدى السيارات عبارة "الشرطة الجماهيريّة". من الواضح أن شبانًا متطوعين عربًا انضمّوا الى هذه المهمّة "الأمنية". نحن في الطريق للمشاركة في مسيرة المشاعل لذكرى هبة أكتوبر 2000. بعد قليل ستتردّد في المسيرة هتافات عديدة، بعضها ضد مخطط الخدمة المدنية الخطير. هناك من قد يعتبر إحضار "الشرطة الجماهيرية" بمثابة علامة على "حُسن نوايا السّلطة". ولكن هناك من سينظر الى الصورة من زاويتها القاتمة والحقيقية: قبل سبع سنوات فقط قتلت عناصر في الشرطة 13 شابًا فلسطينيًا مواطنًا في دولة إسرائيل وجرحت المئات. لا حدود للمفارقات.مَن تابع الجدل الحاد، والعقيم للأسف، بين لجنة ذوي الشهداء وبين لجنة المتابعة كان سيتوقّع المشهد: مظاهرة محدودة، رغم تسميتها بـ"المظاهرة المركزية". إن لجنة ذوي الشهداء هي جهة أساسية في هذا السياق. ولكنها ليست حصريّة. لأن الشهداء، بمكانتهم السامية هذه، قد خرجوا من خصوصيتهم الشخصية والعائلية، وباتوا جزءًا من ذاكرة ووعي وضمير جماهيرنا كافة. بالطبع، فمن حق لجنة ذوي الشهداء بل من واجبها متابعة "المتابعة" بالنقد، أما أن تقاطع نشاطًا يعبّر عن موقف وضمير مليون فلسطيني هنا، وإزاء حدث بحجم أكتوبر، فهو خط أحمر ما كان يجب تجاوزه مهما وصلت حدة النقد.لم تكن المظاهرة محدودة من حيث عدد المشاركين فيها فقط، بل من حيث قلة تنظيمها وعدم وضوح شعاراتها السياسية أيضًا. بعض الزملاء عبّر عن استيائه من بعض الهتافات الدينيّة التي بدت غير متّصلة بالحدث. تناقشنا، وكان موقفي أن الدين هو مركّب هام في وجدان قسم كبير من أهلنا ولذلك فمن الطبيعي أن يندرج في الخطاب السياسي الوطني. لكن يبقى السؤال هو كيفية صياغة الشعار الذي يعتمد على المضمون أو الرمز الديني، بحيث يعبّر عن موقف كفاحي ووطني، لا أن يعبّر عن مشاعر فقط. إنها مشاعر صادقة وتستحق الاحترام، كجزء من احترام المعتقد والكرامة الشخصية لصاحبها كما لأي إنسان. ولكن المشاعر وحدها لا تكفي لصياغة مقولة سياسية كفاحية. بالمقابل، لنتمعّن في عمق مقولة مثل: "الدين لله والوطن للجميع".لقد بدا من الواضح تمامًا أن أيًا من مركبات "المتابعة" لم يبذل جهدًا يُذكر كي يجنّد لهذا النشاط ويُنجحه. وما هي مركّبات "المتابعة"؟ لا أقصد رؤساء السلطات المحلية طبعًا، مع حفظ احترام مكانتهم، بل، وبالأساس، الأحزاب والحركات السياسية. سؤال: كم من مرّة يجب الإعادة والتكرار بأن مجرّد اتخاذ القرار لن يعني شيئًا أبدًا إن لم يترافق بالعمل الميداني على تطبيقه؟ "المتابعة" قررت تنظيم مظاهرة وهي تدعو الجماهير اليها.. حسنًا، عظيم، ولكن من المسؤول عن تطبيق القرار؟ في العادة هناك ميل الى التسطيح المتمثّل بلوم (وأحيانًا شتم) "لجنة المتابعة". لكن هذا الكلام لا يعني شيئًا. لأن هذه اللجنة ليست هيئة منفصلة مستقلة، بل تمثيلية ببنيتها وتركيبتها. هي هيئة تتألف من ممثلي أحزاب وحركات سياسية. وحين يقوم أحد الناشطين السياسيين بلومها، فيجب أن يتعمّق أكثر وأن يحمّل الأحزاب، والحزب الذي ينتمي هو اليه خصوصًا، مسؤولية ما لا يرتئيه. وهذا ما سأفعله أنا أيضًا: يجب على الحزب الشيوعي والجبهة إجراء نقد ذاتي لتقصيرهما. وهو تقصير يرتبط بالسؤال أعلاه عن معنى اتخاذ القرار دون العمل على تطبيقه. من جهة أخرى، لنلاحظ كم تنجح الأحزاب في التجنيد لنشاطاتها هي، خصوصًا الانتخابية منها.. ألا تستحق ذكرى بحجم اكتوبر منها ولو نصف ذلك النجاح؟لقد تندّر البعض بالقول إن أحد أسباب فشل المظاهرة هو الإدمان على ذلك المسلسل المسمّى "باب الحارة". لربما أن هناك بعض الحقيقة خلف هذه السخرية المرّة. وهناك بعض الجدّ أيضًا. فالصورة المرتسمة هي لجماهير عريضة يجري سلب وعيها وتخدير فاعليتها وإلهاؤها عن قضاياها الحقيقية بواسطة إعلام الترفيه. لو اتفقنا على أن هذه الفرضية واردة، فعلينا أن نلجأ الى السؤال اللينيني: ما العمل؟ أي ما هو دور الأحزاب السياسية والحركات السياسية من أجل إخراج الجماهير من المكان الذي يُراد لها أن تُسجن فيه، وتحشيدها للمشاركة في النضالات؟ سأكتفي بمثال يبدو بسيطًا وتقنيّـًا في ظاهره: تنظيم السّفر الى المظاهرة، تخصيص باصات، تحديد موعد خروجها، وقيام الكوادر الحزبية بدعوة وتجنيد جماهير تستقلّها. للأسف، حتى هذا الأمر البديهي لم يعد يلتفت اليه أحد. ويبدو أننا ندفع ثمن التعلّق الزائد بقوّة الاعلام: قرّرْ، أنشرْ وستجد الحشود تتوافد.. هذا وهم، وهم كبير، بل إنه تعبير عن كسل ذهني يجب الخروج منه اذا ما أردنا للنضالات أن لا تكون مجرّد "رفع عتب" بل نشاطات تبلور الوعي الكفاحي وتستثمره لتحقيق الحقوق بجهود جماعية وليس بأشكال فوقيّة منقطعة عن الناس.إضافة الى كل ما سبق، لا يمكن إلا الوقوف عند الانطباع الاشكالي التالي: هناك فصلٌ مستهجن بين حدث هبة أكتوبر وبين السياق الذي جاء فيه وتفاعل، أقصد الانتفاضة الثانية، او بالأحرى العدوان الاسرائيلي المفتوح على شعبنا في المناطق المحتلة. ليس أن هذا الفصل يجري بشكل مقصود، بل إنه يعود الى عدم وضع الحدث في نصابه. لكن هذا لا يخفف من الإشكالية. بل على العكس، إنه يعبّر عن نوع من "الانغلاق على الذات". وهذه "الذات" بدورها تُفصَل عن امتدادها الموضوعي. إن كل الشهداء الأبرار الذين سقطوا ضحايا للسياسات الاسرائيلية المجرمة، يستحقون منا على الأقل النظر اليهم بنفس الاحترام الكبير. أما التعامل مع شهدائنا أو مع قضايانا وكأنهم الأهم، فهو يدلّ على هشاشة في فهمنا لعمق انتمائنا. وكل هذا، دون قول كلمة واحدة عن حقيقة حلول ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا ومرورها كأنها حدث لا
يعنينا؛ كأنه حدث قد وقع في زمان ومكان بعيدين مجهولَي الهويّة!

الثلاثاء، 2 أكتوبر، 2007

مسيرة المشاعل في ذكرى شهداء أكتوبر 2000 في كفركنا

بالأمس، حين ذهبنا أنا ورفاقي/رفيقاتي إلى مسيرة المشاعل في كفركنا لنحيي الذكرى السابعة لشهداء أكتوبر 2000،
كانت يدنا على قلبنا..كمعظم الحالات التي نكون فيها في السنوات الأخيرة حين نذهب إلى مظاهرة، تظاهرة أو مسيرة وطنية.
توقعنا أن يكون عدد المتظاهرين/ات قليلاً..لعدة أسباب متراكمة لن أتحدث عنها الآن.
لكن ما هو أحد الأسباب التي عرقلت قدوم الناس إلى المسيرة؟
المسلسل السوري "باب الحارة"
بلا شك أن المسلسل جميل جدًا، ويتطرق إلى فترة زمنية يحّن إليها الجميع، إلخ..لكن ما هو غير قابل للاستيعاب أن هذا المسلسل يحدد برامج مجتمع بكامله! يحدد موعد صلاة التراويح، يحدد قدومه إلى خيمة أهالي الشهداء في مدينة سخنين وإلي مسيرة المشاعل في كفركنا..
يحدد سلم أولوياتنا.
تقام اليوم تظاهرة رفع شعارات في مدينة حيفا في تمام الساعة السابعة مساءً..
(قبل موعد عرض مسلسل باب الحارة)
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

البحر/ صابرين