السبت، 7 ديسمبر، 2013

من ميناء عكّا إلى شاطئ إسكندرية، إلى علي شعث..

علي شعث ورنوة يحيى


رشا حلوة

المشهد الأول
مايو 2012. بار في فندق. المجموعات الأولى للمشاركين وصلت إلى شرم الشيخ. الليلة الأولى؛ فعاليات أغان ورقص بوتيرة متصاعدة إلى أن وصلت قمتها عند الواحدة صباحاً. علي يمسك في يده دربكة ونغني معه أغاني وردة الجزائرية. نغني ونرقص ونضحك. المشاركون القادمون من تونس تأخروا في مطار القاهرة. ساد قلق بأن لا يصلوا عند بداية المؤتمر أو القلق الأكبر يكمن باحتمال إعادتهم إلى تونس. الأغاني مستمرة؛ فلسطينيون ومصريون وسوريون ولبنانيون وأردنيون. انتهت فقرة أغاني وردة. انتقلنا إلى أغاني محمد منير.

المشهد الثاني
فور رحيل علي بحثت في الملفات القديمة ووجدت من هذه الليلة مقطعاً مصوراً ًقصيراً يوثق لثوانٍ معدودة علي حين كان يغني: "آه يا لا لا لي.. يا بو العيون السود يا خلي".

المشهد الثالث
في صباح اليوم الثاني لحلقة الأغاني والرقص في شرم الشيخ، استيقظنا على خبر رحيل وردة الجزائرية.


المشهد الرابع
في الليلة الثانية للمؤتمر، عند منتصف الليل، كان قد وقع اختيار شاطئ البحر أن يضم سهرتنا هذه المرة. كنا نختار سهراتنا كلّ ليلة في مكان مختلف داخل الفندق. بعد بداية السهرة بقليل، قررت أن أترك المجموعة وأذهب وحدي قليلاً لأتأمل البحر، ومن ثم عُدت إليهم، فإذ بمجموعة من الأصدقاء تغني أغاني تونسية وتجلس على مقاعد البحر. ومجموعة ثانية، تضم علي ورنوة وخالد وتحرير، تغني أغاني الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم. فجأة، توقفت المجموعة التونسية عن الغناء، وانضمت إلى مجموعة الأغاني المصرية. وبعد انتهاء فقرة "الشيخ إمام"، أحضر علي جيتاراً كي يغني بذات التلقائية والعفوية والسعادة، الأغنية التي انشهرت بصوته وأدائه أكثر من مغنيها الأصلي ياسر المناوهلي: "قلة مندسة". غنّى الأبيات وكنا نغني اللازمة معه. وفي تلك الأثناء، رُسمت على وجوهنا الابتسامة التي تشبه ابتسامة علي، كأنها تنتقل إلينا منه، بسحر ما.
في تلك الليلة أخبرت علي ورنوة: "بدي أحكيلكو فكرة". أجاباني: "طبعاً، خلينا نحكي قبل ما نرجع القاهرة وترجعي عكّا".

المشهد الخامس
انتهى المؤتمر. الفندق فارغ. كانت الغالبية قد غادرت باكراً. علي ورنوة والعائلة سيعودون إلى القاهرة من شرم الشيخ بالسيارة التي استقلوها. كانا جالسين في غرفة الاستقبال الفندقية. جلست بجانبهما وحدثتهما عن فكرة إنشاء "راديو أون لاين" للمنطقة العربية كلّها ويتحدث بلهجاتها. كعادتهما، شجعاني على كتابة المشروع وإرساله والبدء في خطواته الأولى. كانت المحادثة باللهجة الفلسطينية واللبنانية، وسرعان ما تحولت إلى المصرية حينما توجه إليهما ابنهما نبيل لسؤالهما: "إمتى هانمشي؟".



المشهد السادس
يناير 2013. وصلت القاهرة وقصدت مؤسسة "أضف" في المقطم، لإقامة الاجتماع الأول لحُلم "راديو الإنترنت". احتضن اللقاء عددًا صغيرًا من محبّي الفكرة والأصدقاء. مجموعة تقنية وأخرى تعنى بالمضامين. لكن، لم تكن تلك التفرقة ذات أهمية. كنا نريد "أون لاين راديو"، وكانا رنوة وعلي حارسين لهذا الحلم. أذكر "لايك" رنوة في اليوم الأول لهذا اللقاء، حين كتبت عبر الستاتوس: "أن تتحقق الأحلام". لم أبح لها بأي تفصيل عن القصد من الستاتوس أو الحُلم، لكنها فهمتني. هي تفهمنا دوماً. وكانا سوياً يفهماننا دوماً.
اقترح علينا علي عندها أن نقوم بتسجيل تجريبي لفقرات الراديو. وبادر بدوره بتسجيل صوته. فقال: "هُنا راديو.. هُنا". رشا، صديقتي وشريكتي اللبنانية، قامت بالتسجيل عبر هاتفها النقال.

المشهد السابع
بعد رحيل علي بيوم واحد، أرسل لي زميلي أحمد عبر التويتر ليستفسر عن مكان هذا التسجيل. على الفور تواصلت مع رشا عبر "الواتساب"، وأخبرتي بأسف وحزن بأن ملفات "الميديا" اختفت كلّها من الهاتف.
لماذا لم نحتفظ بالملفات عندها؟ لماذا لم ننقلها إلى "مكان أكثر أمانًا"؟ لماذا لم نسمع نصيحة "غاوي الأراشيف"؟ ولماذا اعتقدنا بأن نصيحة علي مرتبطة بالملفات العامة فقط؟ ولم نسمع كلماته التي بين السطور، التي ربما لم يبح بها بصوتٍ عال: "احفظوا لي صوتي.. احفظوا أصواتكم".  

المشهد الثامن
في الليلة ما قبل انتهاء لقاء الراديو. ذهبنا أنا ورشا إلى بيت رنوة وعلي في المقطم. كان موعد الزيارة بعدما ذهب الأولاد الثلاثة إلى النوم. ضوء خفيف في الصالة. الجوّ دافئ برغم برد منطقة المقطم المرتفعة. قامت رنوة إلى المطبخ لتجهز لنا الشاي. وحين عادت إلى الصالة، بدأنا أنا ورشا بسرد ملخص ما احتوى اللقاء من مضامين واستنتاجات وتخطيطات وخطوات مستقبلية. كانا رنوة وعلي في كامل الإصغاء. وحين انهينا أنا ورشا المداخلة، بادر علي بأفكار جديدة وببعض النصائح. وكان الاقتراح الذي لا زال عالقاً في ذهني، برغم الاقتراحات كلّها التي كتبتها على الدفتر الصغير: "أعدّوا برنامجاً أو فقرة تطلب من المستعمين أن يقوموا بتسجيل الصوت المفضل لديهم في القرية أو المدينة، وقوموا بإسماعها عبر الراديو، على أن تتيحوا فرصة التصويت للمستعمين عن أفضل صوت كلّ أسبوع". وأضاف: "إن أهم ما في فكرة الراديو ومشاريع الويب عموماً أن يكون للمستمع وللمستخدم دوراً فاعلاً".
لم يتقدم المشروع بخطوات ملموسة يا علي، لكني أعدك بأن لا أضع هذا الحلم جانباً.

المشهد التاسع
سأعود بالأيام قليلاً، إلى ما قبل العام 2012؛ إلى نهاية يناير 2011. إلى بيت صغير في رام الله، تجلس في صالته مجموعة تصل إلى 20 شخصاً من الأصدقاء والصديقات، تتابع قنوات التلفاز كلّها؛ العربية والمصرية، بقلق وخوف، وبإهمال لكلّ أمر يحدث خارج المشهد المصري. كان علي قادماً بزيارة سريعة إلى فلسطين. بصراحة، لا أذكر من كان برفقته، نبيل أم نديم أم رامي. لكنه كان سعيداً لاصطاحب أحدهم لأول مرة إلى فلسطين، ومتفائلاً بما يحدث في مصر. كأن الذي جعل زيارته في نفس موعد بداية الثورة المصرية أمرًا مقصودًا. فحضوره معنا، تحليلاته، رؤيته وابتسامته المرافقة للسرد، كانت كلّها أسباب تراكمية لأمل لم يصل إلى ذروته يوم 11 فبراير 2011، بل هو مستمر حتى يومنا هذا.

المشهد العاشر
بصراحة، لا أذكر تاريخ هذا المشهد. لكنه بلا شك كان بعد يناير 2011، وغالباً كان ما قبل يناير 2012. لكني أذكر بأنه كان يوم جمعة، وكنت أنا في استضافة علي ورنوة والعائلة لوجبة إفطار متأخرة. كانت الإستضافة في بيت العائلة القديم في الزمالك. الجوّ لطيف. وصلنا أنا وصديقي ميسرة بساعة متأخرة نسبياً عن الموعد الذي دعونا إليه. وكانوا قد سبقونا. ونحن بدورنا كنا نأكل ونتحدث معهم. كان الحديث يدور غالباً حول مصر، وكان علي متفائلاً كعادته. بعد أن انتهينا من الأكل، تطرق علي بحديثه إلى زيارته الأخيرة إلى فلسطين. يومها دخل إلى الأراضي المحتلة عام 1948، وأخبرني عن المدن التي زارها. وأضاف: "يتعامل الفلسطيني في الـ48 مع الإسرائيلي في أمور الحياة؛ الجامعة، العمل، موقف السيارات، الدكان، المواصلات العامة، لكن مقابل كلّ هذه التفاصيل، انتابني طوال فترة زيارتي شعور بأن الفلسطيني يقول للصهيوني بشكل ما: أنتَ مؤقت". هكذا لخص علي زيارته إلى فلسطين. وأنا، في كلّ حديث مع شخص غير فلسطيني يسألني عن أحوال الأراضي المحتلة عام 1948، لا بد من أن اقتبس ما قاله لي علي يوماً ما.

ما من مشهد أخير
أنا، كما العديد ممن عرفوك يا علي لدقائق أو لأيام أو لسنين، تعيش ذاكرة ما منك فينا. هذه "الذكريات" الحكيمة سنشاركها مع الآخرين ونمررها لمن لم يحظ بسماع صوتك ونذكرها لبعضنا البعض، كلّ على طريقته، لأن: "المصادر المفتوحة تعني الحرية".
لروحِك السلام.









وهبنا عمرنا للأمل


رشا حلوة
من فلسطين خرجنا مجموعة لا تقل عن 120 شخصاً، قاصدين القاهرة لحضور حفل زياد الرحباني في آذار/ مارس 2010. القاهرة وزياد الرحباني، كلاهما أسباب عديدة للفرح.. كانت الزيارة عبارة عن أربع أيام سريعة. كيف يعيش الإنسان أربع أيام في القاهرة فقط؟ وفي داخله كلّ الشغف لرؤية كلّ شيء. أنا عن نفسي، لم أذهب لزيارة الأهرامات، كنت قد زرتها وأنا في الحادية عشر من عمري، بلا ذكريات صافية منها. لكني فضلت زيارة تفاصيل حياة الناس؛ الشوارع، المقاهي، البيوت.. وجوه القاهرة، خلال أربع أيام. لكن، بين كلّ هذا كيف لن ألتقي "حبيب الشعب" أحمد فؤاد نجم؟

لم تأخذ مسألة ترتيب الزيارة العديد من الوقت، بمساعدة وتنسيق صديق مصري استطعنا أن نرتب لزيارة العمّ نجم. وبسبب ضيق الوقت والسرعة، أبلغت مجموعة صغيرة من الأصدقاء الفلسطينيين نيتنا بزيارة الشاعر. وصل عددنا إلى ثلاثين، ركبنا سيارات أجرة وكانت بوصلتنا "المقطم". مشاعر مركبة عديدة. القاهرة، سرعة تحقق الحلم، سألتقي بالعمّ نجم لأول مرة. ياه! ماذا يقول الطالب لمعلمه في بيته؟ أي كلمات سيستخدم كي يقول لإستاذه المصري:"علمتنا حبّ البلاد". كم من الوقت سنحظى به معك؟ مع مجموعة لا تقل عن ثلاثين شخصاً!

وصلنا إلى مدخل البناية. فتحت لنا زينب الباب. كان يجلس عند طرف الكنبة باتجاه مدخل البيت بجلابيته البيضاء وفي يده سيجارة. وقف كي يستقبلنا. كان مبتسماً كما الصور كلّها. أراد أن يعرف أسماء كلّ القادمين إلى بيته. وكلما وصل أحد منا إلى يده، قال اسمه وحضنه. جلسنا حوله. هناك من جلس على الأرض. كلّ وجوهنا باتجاه. ما بين صمت وتأثر وترقب. فجأة نادى على ابنته زينب وطلب منها أن تحضر المزيد من كؤوس الشاي، حيث العدد الموجود بالبيت لا يكفي لثلاثين شخصاً. ضحكنا جميعاً معه.

كانت بداية حديثه عن فلسطين، وشتم كعادته القادة السياسيين كلّهم. من ثم انتقل لشتم مبارك. وحين شاركه بعض منا هذه الشتيمة، قال ساخراً:"كل واحد يشتم رئيسه بأه". وضحكنا. كنت أجلس أمامه. وحين انتقل بحديثه عن  جمال عبد الناصر، قمت وجلست إلى يساره على الأرض. سرد علينا قصته مع والدته حين جاءت إلى المعتقل لإبلاغه عن موت عبد الناصر وهي تبكي. "حد يبكي على اللي سجن ابنه؟" فأجابته والدته:"يا حمار! ده عامود الخيمة وقع". على الفور طلبنا منه قصيدة. فاختار "ضريح عبد الناصر". من ثم نادى على زينب من جديد كي تغني لنا. فلم يكن أي مجال للبحث عن أغنية ملائمة لهذا اللقاء، فأغنية "يا فلسطينية" كانت الحاضرة. غنّت زينب ومعها العمّ نجم ونحن بدورنا شاركنا بغناء الأغنية التي كلما وصلنا إلى مفترق إحباط، كانت كلماتها ولحنها وصوت الشيخ إمام دروساً متجددة في "وهبنا عمرنا للأمل"*.

انتهت فترة الزيارة. لا أذكر اليوم ما الذي كان مؤشراً لإنتهاء الوقت. ما هو مؤشر انتهاء زيارة عفوية وبسيطة وتلقائيه كما روحه؟ هل كان أحد بيننا مستعجلاً للذهاب إلى مكان ما؟ لماذا لا يفكر الإنسان بأن لا شيء يفوق اللحظة؟ وأنّ الطريق وإن كانت مخططة، ثمة ما يفاجئنا بها، كزحمة السير مثلاً!

لكننا لم نمشي بسرعة. كان لا بد من جولة تصوير مع العمّ. رافقتها حملة توقيعات لمن حمل في يده ديوان شعري له. جاءت إحدى الشابات وطلبت منه أن يكتب لها إهداءً باسم صديقها في فلسطين. كنت لا زلت جالسة إلى يساره أراقب ما يكتب وأتأمل الوجوه. فسألها ضاحكاً:"هو مين ده؟ الجوّ بتاعك؟". بعدما إنتهى من التوقيعات، أعطيته دفتري الصغير وطلبت منه أن يكتب لي شيئاً. فسألني ضاحكاً:"كمان للجوّ بتاعك؟". فأجبته مبتسمة:"إلي أنا". فكتب لي:"رشا الجوّ بتاعي أنا. وبحب رشا. واللي مش عاجبه.."، لكم أن تعرفوا  بأي شتيمة أنهى إهدائه الجميل. ولكم أن تتخيلوا أيضاً، شعوري بأني أحمل كنزاً بين يدي، كنز لا علاقة له بكنوز القصائد التي كتبها ويملكها كلّ منا، كنزٌ خاص لي.. بخط يده، الخط ده خطه، والكلمة دي ليا.

عند وصول خبر رحيله، صباح يوم الثلاثاء، الثالث من ديسمبر، كنت في حيفا. وكانت اللحظات الأولى المرفقة بالدموع بمثابة استرجاع لكل علاقة شاعرنا بي، بنا نحن الفلسطينيون. الزيارة إلى بيته كانت حاضرة في الذاكرة، لكن لم تكن تفاصيلها واضحة إلا بعدما رحل. عندها أمسكت بالذاكرة وقلت لها:"عيشي!". لكن، ماذا عن الذكريات المرتبطه به في هذا المكان، في فلسطين؟ تلك التي عشناها خلال سهراتنا الطلابية في الجامعات؟ أو في بار صغير في حيفا؟ أو في بيوت الأصدقاء في عكّا وحيفا والقدس ورام الله؟ ماذا عن حضوره ورفيق دربه الشيخ إمام في لحظات النصر القليلة؟ أو خلال الأيام الأولى للثورة المصرية؟ نجح هو والشيخ إمام بأن يجعلانا نعيش في مصر ونحن في فلسطين. استطاع أن يحمل كلّ منا إلى السجون والمظاهرات والإضرابات وقصص الحبّ التي شقت لها طريق أغلقه الاحتلال. لمن سنحكي كلّ القصص هذه؟ لماذا لم ننجح أن نحكي له كلّ القصص هذه؟ كيف سنقول له بأن "يا فلسطينية وأنا بدي سافر حداكو" لم تكن مجرد رغبة في القصيدة، بل أنه كان هُنا كلّ الوقت. وبأن "بلدي وحبيبتي" هي حياة العديد منا، وهي الروح التي تحمي العشاق من قهر المكان.. نحن الذين تعلمنا دروس الحبّ بالمصرية. 


عن مجلة "أخبار الأدب" المصرية


*"وهبت عمري للأمل"؛ من كلمات الشاعر أحمد فؤاد قاعود.

الجمعة، 6 ديسمبر، 2013

من رام الله إلى يافا... فلسطين ارتدت ثوب الحداد


رشا حلوة
عكا | لمحبيه من أبناء الأرض المحتلة وبناتها علاقة خاصة مع «النجم». والأهمّ أنّ حبّ الناس له لم يكن يوماً موسمياً، وكلماته لم تكن متعلقة بفترة زمنية وإنسانية محددة، بل هي حية منذ لحظة كتابتها حتى يومنا هذا. وبذلك، استطاع كشاعر أن يجعل الكلمة السياسية بمثابة سرد وجودي غير متعلق بزمكانية ما؛ فهي تحكي عن انتفاضة الخبز عام 1977، وتحكي عن ثورة «25 يناير» بالضبط. وحين قال: «وكلّ يوم في حبّك تزيد الممنوعات/ وكلّ يوم بحبّك أكثر من اللي فات»، كان يخاطب مصر، ولكنّ حبّه لـ«بهية» لم يختلف عن الحبّ لفلسطين ولم يحتج إلى كلمات أخرى للتعبير عنه.
قبل فترة قصيرة، انتشرت شائعة مفادها أنّ «الفاجومي» ينوي زيارة الضفة الغربية، وجرى تداولها على أنها خبر مؤكد مرفق بالعتب والمزايدات. لكن بعد يومين على الشائعة، نشرت ابنة الشاعر نوارة نجم «ستاتوس» عبر الفايسبوك نفت فيه الخبر، مؤكدة أنّ والدها صرح مراراً بأنه لن يزور فلسطين إلا بعد التحرير.
لم تغب فلسطين عن كلمته وحياته، ولم يفقد الأمل يوماً بأن التحرّر من الاحتلال آتٍ لا محالة، هو الذي قال بعد انتصار ثورة «25 يناير»: «يا إخوانا في فلسطين، إحنا جايين». عاشت فلسطين فيه وفي سفره على مدار حياته، وعاش في أهلها الذين وإن أقفل الاحتلال طرق بلدهم، لم يستطع أن يمنع قصيدة العمّ نجم بأن تصل إلى كلّ البيوت والقلوب. كان مشوار القصيدة من قلمه إلى فلسطين، هو التجسيد الحيّ لجملته: «يا فلسطينية وأنا بدي سافر حداكو».
لم يشاء محبّوه أن يرحل الفاجومي بلا كلمة وداع من فلسطين. بمبادرة عفوية، أقيمت مساء أمس الثلاثاء أمسية إكراماً لروح الشاعر في «مسرح الميدان» في حيفا بعنوان «فلسطين تودع أحمد فؤاد نجم»، تخللتها تأدية أغنيات الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم بصوت الفنان الفلسطيني ألبير مرعب وابنته ماريا مرعب. علماً بأنّ ألبير خصص مسيرته الفنّية لتقديم أغنيات الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم إلى الجمهور الفلسطيني، بالإضافة إلى قراءات من قصائد «الفاجومي» قدمها الفنان عامر حليحل. وفي رام الله، سيعقد بعد ظهر اليوم الأربعاء بيت عزاء للشاعر في «مقهى رام الله». وفي يافا، ستقام أمسية بعد غد الجمعة بعنوان «الخط ده خطي» في «مسرح السرايا» تتخللها إضاءة شموع لروح الشاعر، وعرض فيلم قصير يتناول حياته، مع مداخلة حول شعره، وقراءات من قصائده وأغنيات يقدمها عدد من الفنانين الفلسطينيين.
سافر «الفاجومي»، ولم يكذِّب أحد هذا الخبر، ولم يخرج هو بصوته بتصريح ساخر يشتم به الموت ويعلن من خلاله حبّه المتجدد للحياة. لكن «وبات الأمل سندباد في الخواطر/ وعاش الأمل في الجوانح مسافر»، هي الدروس الحيّة التي علمتنا إياه قصيدة العمّ نجم الذي لا يموت وإن «الغربة طالت كفاية» وأكثر.

8:30 صباحاً بتوقيت القدس

القدس | بعدسة: أريج مواسي

من كم يوم، الصبح، وبالطريق من القدس لرام الله، ركبت باص صغير، وبالقدس طلعت ست ختيارة وإجت قعدت حدي.
بداية الحوار معي كان إنها سألتني قديش أخد منها شوفير الباص، وبلشت أعد معها المصاري وبالآخر اكتشفنا قديش أخد.
المهم، سألتني بعدين: على علمك الأواعي الشتوية نزلت في رام الله؟ (تقصد نزلت على الدكاكين). قلتلها: مفروض، بما إنه صرنا بتشرين.
عملياً هاي الجملة آخر إشي مفيد قلتلها إياه، ومن بعدها كل الوقت بهز براسي وببتسم.. وإليكم/ن مونولج الختيارة:
- معرفتش شو ألبس الصبح، لأنه الطقس مش مفهوم. مع إنه المنطقة اللي ساكنين فيها بالقدس هي أدفى منطقة. بس هياكي، لابسة شتوي (تبتسم).
بتعرفي أختي؟ (قلتلها لا). أختي (فلانة الفلان- الإسم محفوظ في ملف التحرير) هي علم من معالم القدس. كيف بتعرفيهاش؟ شكلك مش من عنا صح؟
"آه ولا"، جاوبتها:"آه من هون بس من عكّا".
وقالتلي:"يااااااااه عكا..". صمت. وكملت:"أنا بعرفش والله شو بجيب عرب إسرائيل لهون. بس أنا بحبش السمك الصراحة. بحس لما أجيبه على البيت بتصير ريحة البيت زنخة. بس قالولي إنه إذا بعصر عليه شوية ليمون بتحسن الوضع".
"أعصري نص ليمونة خالتي"، قلتلها.
"فكرك؟ طيب.. بس أنا برضه بحب الحِلبة كتير بس برضه بجيبهاش ع البيت. أختي عادة بتجيبها جاهزة".
صمت.
"فكرك أختي هون بالباص؟ استني أحكي معها".
(بتحكي معها تلفون، ولكن لسوء الشبكة ما سمعت شو قالتلها أختها).
تكمل حديثها:"قالتلي إشي بس مسمعتاش منيح. بس بتعرفي؟ قال بدهم يقسموا القدس. (تضحك) كيف يعني يقسموها؟ كلها شارعين أصلاً.. من كبرها؟ مفكرينها القاهرة؟ بقدروش يقسموها. بس بيني وبينك، لو العرب مسكوها بتصير مزبلة. بس إحنا معندناس بحر ولا نهر ولا بحيرة حتى.. أصلاً معندناش بحر عشان خايفين علينا أحسن ما نغرق (تضحك). أنا صحلي أشتري بيت في رام الله سعره منيح بالدينار الأردني بس رفضت. عزا شو أشتري بيت برام الله؟ بخاف يوخدولي الهوية. عندي غرفة بالقدس بتسوا قصر في رام الله".
صمت.

"إسا أنا وأختي منكزدر شوي في رام الله.. لما حكيتها سمعت قلتلي إشي بحرف الشين.. معقول هي عند الشيخ جرّاح؟".

البحر/ صابرين