السبت، 17 نوفمبر، 2012

غريب أنا يا صفد وأنت غريبة



كأن الشعور العام تجاه مدينة صفد، عاصمة شمال فلسطين، في صفوف فلسطينيي 1948 لا يبتعد عما غناه الفنان الصفدي فتحي صبح في أغنيته «غريب يا صفد»، والتي تقول: «غريب أنا يا صفد/ وأنتِ غريبة/ تقول البيوت هذا/ ويأمرني ساكنوها/ ابتعد/ ابتعد/ ابتعد».
وصبح، الذي ولد في صفد في سنة 1937 وأرغم على الهجرة في العام 1948 مع عائلته إلى دمشق التي استقر فيها حتى وفاته في العام 2001، ظل يأمل بالعودة إلى مسقط رأسه. ويختتم أغنيته بالقول: «وداعاً إلى ذات يوم/ وداعاً صفد».
علاقة الفلسطينيين بالمدينة هي علاقة تتوزع بين الألفة والغربة، فمن ناحية حضورها والجانب المعماري والبيوت والحجارة هي فلسطينية في كل شيء، بل هناك من وصفها بالتالي: «كل ما فيها يصرخ بأنه فلسطيني». لكن من جهة اخرى لا بد من ان يرافق زائرها القادم من مدن فلسطينية مختلفة شعور «الغربة في البيت»، ومعظم من يزرها يفضل ألا يعود. «لشو وجع القلب؟»، يسأل أحدهم.
قبل الاحتلال في سنة 1948، كانت مدينة صفد مركزية لأنها المدينة الوحيدة في وسط العديد من القرى التي كانت تابعة لقضائها والتي هجرت القوات الصهيونية أكثر من 70 قرية منها. وقضاء صفد هو القضاء الأقرب إلى حدود لبنان، وقد تم تهجير أهلها إلى خارج فلسطين من جهة، وإلى داخل فلسطين من جهة اخرى.
في حديث مع شادي منصور (38 عاماً، ممرّض من قرية الجش)، قال إن مدينة صفد شكلت طوال الوقت مركزاً لأهالي قريته، يتوجهون إليها لتلبية احتياجاتهم. ويضيف: «بالنسبة إلينا، أهم شيء في صفد هو المستشفى، لأنه الأقرب إلينا. ولكون صفد قريبة من الجش فهي توفر أماكن العمل لجزء كبير من أهالي الجش في مجالات عديدة». إلى الجانب العملي من التعامل مع صفد، يعتبر منصور ان لصفد مكانة خاصة في ذاكرته، لأنه كان في صغره يتردد إلى شوارعها القديمة التي تحمله إلى مكان لا وجود له اليوم. ويضيف: «لكن صفد اليوم تتشح بلون المعاطف والقبعات السود، ولها رائحة عنصرية نشمها عن بُعد، للأسف».
ترتكز علاقة الفلسطينيين بمدينة صفد اليوم، وخاصة جيل الشباب منه، على العلاقة الأكاديمية، والحاجة التعليمية ما بعد المرحلة الثانوية. فمعظم الطلاب والطالبات في كلية صفد أتى من القرى الفلسطينية المجاورة، وهنالك طلبة من مدينتي الناصرة وشفا عمرو، ونسبة كبيرة من الجولان السوري المحتل. وتصل نسبة الطلبة الفلسطينيين في كلية صفد اليوم إلى 68%، وعددهم يصل إلى ما يقارب 1300 طالب وطالبة.
في حديث مع الطالبة خلود أبو أحمد من الناصرة والمقيمة في صفد منذ 3 سنوات لدراسة الحقوق، قالت: «فور الوصول إليها، تعطيك الشعور بأنها لو بقيت على ما كانت عليه، لأصبحت أجمل مدينة فلسطينية وأكثر جمالاً من حيفا وعكا». وتضيف: «العنصرية المتطرفة ورغبة الإسرائيليين في عدم رؤيتك فيها، يجعلان الوجود فيها متعباً، من تضييقات على الطلاب الفلسطينيين، لدرجة انهم طردوني مرة من بيت كنت قد استأجرته لأني عربية». لكن ما يجعلها تبقى فيها هذه السنوات كلها هو التحدي الذي تصفه بأنه «نضال من نوع آخر»، مضيفة: «هناك دائماً مضايقات لنا كفلسطينيين في الداخل، ونضالنا ان نبقى هنا. وجودنا هو بحد ذاته نضال. وصفد مدينة جميلة، حين أمشي في شوارعها كل ما فيها عربي وفلسطيني، ومن يسكنها الآن هم الغرباء عنها تماماً».
عن «الغربة» في صفد، يتحدث أيضاً الطالب ربيع صغيّر، الذي يأتي إليها من شفاعمرو اسبوعياً لحضور الحصص فيقول ان البيوت والمباني ما زالت واقفة كأنها تحكي، وكل ما في صفد باق على الحال التي هجر منها أهلها. ويضيف: «لكن البيوت يسكنها الإسرائيليون. والأسوأ من هذا، ان معظمهم اميركيون لا يتكلمون اللغة العربية. وأكثر ما يوجع القلب، حين تصادف إعلان ايجار لبيت مكتوب فيه: بيت عربي للإيجار او البيع». ويعتبر ربيع ان الكيان العربي تم حذفه من المدينة لكن معالمها كالجامع والسرايا والبيوت والزواريب القديمة بقيت كما كانت. لكن منذ ان فتحت الكلية أبوابها اصبح هناك وجود عربي من خلال الطلبة، و«كأننا فجأة وعينا على المدينة». لكن الزيارة او الإقامة محصورة بفئة من الناس، متحدثاً عن اشخاص زاروا صفد لمرة واحدة ولم يستطيعوا نفسياً العودة إليها، «من كثر ما الإشي بوجع القلب».
في محاولة للبحث عن شبان وشابات يسكنون مدناً او قرى بعيدة جغرافيا عن صفد، لكنهم زاروها مرة واحدة على الأقل، تحدّثت إلى منى أبو شحادة (من الناصرة) التي انهت تخصصها في الصحافة، وتستعدّ حالياً لشهادة في التاريخ والعلوم السياسية، وهي زارت صفد مرتين فقط. فتقول إن سبب الغربة عن صفد هو انها خالية من السكان الفلسطينيين، خلافاً لحيفا مثلاً التي تتردد عليها كثيراً لزيارة الأقرباء.
روان الشيخ أحمد (من قرية عبلين في الجليل) وهي طالبة في الصف الثاني عشر، تقول انها «شعرت ببرود واستغراب تجاه صفد». وتضيف: «في صفد كان الاستيطان مباشراً وتم القضاء على المعالم العربية كلها التي كانت موجودة»، مشيرة إلى مسؤولية المدارس العربية التي لا تذكر صفد كمدينة عربية فلسطينية.
ومن سخرية القدر ان تصريح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) في مقابلة أجريت معه والذي يقول فيها: «من حقي أن أرى صفد لا أن أسكن بها»، لفت انتباهنا من جديد إلى أهميتها تاريخياً وفلسطينياً. وكان في الامكان قراءة مئات من المواقف عبر مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة ووسائل الاعلام التي ذكرت فيها «صفد» وكأنها أصبحت رمزاً لجميع المدن والقرى الفلسطينية وفلسطين الحقيقية لا التاريخية فقط، وكذلك لحق العودة.
هذا كله يشير إلى المسؤولية التي ألقيت على من بقي في وطنه، فصار عليه أن يرتب زيارات عائلية او مدرسية نهاية الأسبوع فيها، حتى صنّاع الافلام الفلسطينية بات عليهم اليوم تصوير أفلامهم في أحيائها لإيصال صورة المدينة العربية والفلسطينية الى اذهان الناس في فلسطين والشتات، حتى لا يبقى من يقول: «غريب أنا يا صفد».


الجمعة، 16 نوفمبر، 2012

"تل أبيب" ليست "تل الربيع" ولم تكن يوماً.



الأصدقاء الأحبّة في كلّ مكان، رجاء خاص جداً ويكرر للمرة المليون: لم تكن هنالك مدينة فلسطينية قبل الإحتلال عام 1948 تحمل الإسم "تل الربيع". لا أعلم من إخترع هذه التسمية لمستوطنة تل أبيب المبنية على أنقاض 7 بلدات فلسطينية مهجرة ومدينة يافا. "تل أبيب" هي تسمية إسرائيلية تماماً، لا علاقة لها بالمُدن الفلسطينية قبل وما بعد الإحتلال.
 يعني نأمل إنه ما نضل نحكي هالملحوظة كلّ 3 أسابيع. شكراً جزيلاً.

الخميس، 15 نوفمبر، 2012

دبكة “الدام” عالقمر.. والأرض


رشا حلوة 

مرّت 5 سنوات على “إهداء”، وبعد النجاح المستمر لهذا الألبوم ولفرقة الهيب هوب الفلسطينية “الدام” وأعضائها تامر النفّار، سهيل النفّار ومحمود جريري، وبعد تخصيص وقت للعمل على كلّ أغنية كما يليق بها، إستطاعت الفرقة اللداوية أن تعلن عن إطلاق ألبومها الثاني “ندبك عالقمر”، من خلال حفلة تُقام بداية في حيفا يوم غد الخميس 15.11.2012 وتستمر في جولتها إلى يافا ومدن فلسطينية أخرى.
لم تكن سيرورة الإنتاج بالأمر السهل، حال كافة الفنانين والفرق الموسيقية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني، لكن من يعرف “الدام” وهذه الجدية اليومية والمسؤولية التي شاهدناها على مدار أكثر من 10 سنوات تجاه الهيب هوب الفلسطيني، وتجاه الكلمة التي تحكي هذا الواقع المُهمش، يعرف أن “الدام” لم تكن لترتاح يوماً قبل أن “تدبّك على القمر”- وإن مجازاً.
يحتوي الألبوم على 11 أغنية مصنفة كأغاني هيب هوب، وما يميز الهيب هوب الاحتجاجي العربي إجمالاً والفلسطيني خاصة، هو إدراك هذه الفرق وبشكل خاص فرقة “الدام”، لكيفية احتضان أنواع موسيقية مختلفة داخل إطار الهيب هوب (إنّ صح تسميته بإطار)، وهذا يعتمد على الذكاء بتوظيف الإيقاع، أضف إلى ذلك الانفتاح الموسيقي على عوالم أخرى، مما يبرز فكرة أنه وبرغم الهُوية الأولى لموسيقى الهيب هوب، والتي جاءت من “الغرب”، إلا أنّ  إنتاجها من هذه البقعة الجغرافية وباللغة العربية التي تحكي قصص الناس، يجعلها مترابطة تماماً مع الواقع الإحتجاجي لهذه الأرض، أضف إلى العمل على اللحن ذاته والدمج الموسيقي مع الآلات والإيقاعات الشرقية في الأغاني.
أغاني ألبوم “ندبك عالقمر” تتحدث عن مواضيع حياتية مختلفة في غالبيتها تمس واقع الفلسطينيين في فلسطين الحقيقية عامةً وفي الداخل الفلسطيني خاصة، بكافة جوانبه الحياتية: الاحتلال، الواقع الاجتماعي، الواقع الذي تعيشه المرأة الفلسطينية والعربية أيضاً، القتل على خلفية ما يُسمى “شرف العائلة”، الأسرى في سجون الاحتلال والتعامل العربي مع فلسطينيي الداخل (حاملي جوازات السفر الإسرائيلية). للوهلة الأولى يمكن للمتلقي أن يتفاجأ بجمع كلّ هذه المواضيع داخل ألبوم موسيقي واحد، لكن هل حياتنا تختلف عن هذا المزيج؟ وأعتقد أن من خلاله تتوضح مقولة “الدام” الأساسية الإنسانية، بأنّ النضال السياسي ضد الاحتلال يمشي بالتوازي مع النضال الإجتماعي لحقوق المرأة والطفل والإنسان إجمالاً، فتصبح الأرض حرّة.
الجديد أيضاً في ألبوم الفرقة الثاني هو التعاون مع مغنين آخرين، بمعظمهم لا علاقة لهم بموسيقى الراب، وهذا التعاون يأتي إمتداداً لفكرة عملية خلق عالم “هيب هوب فلسطيني” يحوي أنماطًا موسيقية متعددة. فأغنية “لو أرجع بالزمن” بالتعاون مع الفنانة أمل مرقس، تحكي عن القتل على خلفية ما يُسمى بشرف العائلة، وقد أُنتج فيديو كليب لها من إخراج جاكي ريم سلوم (مخرجة فيلم SlingShot HipHop) وسهيل نفّار (من “الدام”) وتمثيل كلّ من سماء واكيم، دريد لداوي، خولة دبسي وبهجت يونس. وفي أغنية “ليش”، تعاونت الفرقة مع المغني الجزائري رشيد طه والذي سجل مقطعاً باللهجة الجزائرية، وبرغم أهمية هذا التعاون الموسيقي ما بين فرقة فلسطينية من الداخل ومغنٍّ جزائري، إلا أني أعتقد أن هنالك ضعفًا ما في تسجيل الأغنية، بحيث لم يكن مقطع رشيد طه واضحاً ولم أشعر بأنه يخدم الأغنية كما يجب أو يعطيها ميزة ما. أما التعاون الثالث فكان مع المغني الياس جوليانوس في أغنية “لفيت الدنيا”، والرابع مع فرقة الهيب هوب الفلسطينية “ولاد الحارة” في الأغنية “كلبش مجرمي الحرب”.
من خلال 11 أغنية، نجحت “الدام” تماماً بأن تأخذنا إلى رحلة احتوت على تفاصيل حياتية مختلفة، لا تبتعد عن حياتنا، وقد نجحت الفرقة في توظيف اللحن والإيقاع في خدمة الكلمة بشكل أساسي، ولكن في خدمة الفكرة أكثر. وأرى أن تسمية الألبوم حسب أغنية “ندبك عالقمر” هي خطوة ذكية، كون التسمية تبتعد عن “الكيلشيه” نوعاً ما، لكن لو كان بإمكاني أن أختار إسماً للألبوم من الأغاني الموجودة، لاخترت “أنا مش خاين” (مع إدراكي لتكرار مثل هذه التسميات)، لكن الأغنية إستطاعت أن تجمع بداخلها أغاني الألبوم كلّها، وتسرد هذا الواقع وتخدم امتداد الفكرة بأنّ الفنان الفلسطيني لا يمكن إلا أن يحكي قصة أهله/ حارته/ بلده/ قصته الشخصية وحتى العاطفية المرتبطه بكلّ ما ذُكر أعلاه، وتخدم مفهوم الأغنية الاحتجاجية التي تقع في صلب ما قدمته وتقدمه “الدام” على أكثر من 10 سنوات. ففي اللازمة الأولى للأغنية يقول سهيل نفّار: “فش مي بكل حارتي/ أنا مش خاين/ طلاب أكثر من كراسي/ أنا مش خاين/ حجر قدسي في كل داري/ أنا مش خاين/ بزور صحابي بالسجن/ أنا مش خاين/ بزور عيلتي بدي إذن/ أنا مش خاين”.


البحر/ صابرين