الثلاثاء، 5 يوليو، 2016

صحّة


بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ هنديّ، يشبه صديقي الفنان الفلسطينيّ عامر شوملي. جلسنا في حديقة الجامعة، وتحدثنا الحديث الأوّليّ البسيط والجميل. وتذمرنا قليلًا من هدوء المكان. سألته: "هل ترغب بزيارة مركز المدينة؟"، أجابني بالإيجاب واتفقنا على موعد.

لم يكن أحد معنا يعرف إلى أين ستصل الحافلة التي تمرّ بالجامعة باتجاه المدينة. لعبت دورَ مرشدة الرّحلة التي تحبّ المغامرات (يعني، دوري في الحياة عمومًا). نزلنا عند محطّة ما، ومشينا باتجاه لا نعرفه. لكن كلانا كان يرغب بأن يحتسي القليل من البيرا الألمانيّة. وجدنا مكانًا فارغًا وقررنا الجلوس فيه. كان من الغريب أن نقرر الجلوس في مكانٍ فارغ، خاصة بعد أن اتسع حوارنا في غالبيته بالحديث عن ملل الأماكن الهادئة، هو القادم من الهند، وأنا التي أحبّ القاهرة.

المكان الذي قررنا الجلوس فيه، كان مطعمًا يونانيًا. طلبنا البيرا، ومن ثم قررنا أن نطلب شيئًا نأكله. هو نباتيّ، فوجد له طبقًا من اللبن والثوم والخيار. وأنا وجدت لي طبقًا من ورق العنب المملوء بالرز. "كأني في البيت"، قلت له. ومن ثم وصلتنا الموسيقى اليونانيّة التي وضعها صاحب المكان. والتي لا تبعد عن جوّ موسيقانا. تمام.. جزء لا بأس به من الأغاني العربيّة الحديثة هي بمثابة ألحان يونانيّة.

أخبرت صديقي الهنديّ بأنه يشبه صديقي عامر شوملي. وحدثته عن فيلمه "المطلوبون الـ 18" والانتفاضة الأولى. عندها أخبرني، هو الذي يدرّس فنون في كلية فنيّة في الهند، بأن طالبًا ما كان قد صنع video game عن الانتفاضة الأولى، فيها يُلاحق الثّوار من قبل جيش الاحتلال.

بعدها، رفع كل منا كأس البيرا، فقلت له: "صحّة"، وترجمت له معنى الكلمة: "تعني health بالعربيّة". صمت قليلًا، وقال: "لا من كلمة لدينا كما الـ cheers، لكن صحّة أيضًا بالـ indie، تعني الصّحّة".

الجمعة، 25 مارس، 2016

دمشق في بيتي



في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

الجمعة، 11 مارس، 2016

وجه أزرق مبتسم



في الطّريق من البيت إلى العمل هذا الصّباح، رأيت امرأة وطفلها، يمشيان باتجاه مدخل بناية، عند المدخل، كان والد الطّفل ينتظر، عندما رآه، "قرمز" على الأرض وفتح يديه وابتسم. ركض الطّفل باتجاه والده، حضنه، رفع طفله باتجاه السّماء. ثم قال الطّفل: "بدك توخدني عند تيتا؟". كان يبدو أن الطّفل مشتاق لوالده ولـ "تيتا"، وجاء لزيارتهما مع والدته.
وأنا أمشي، رأيت طعام قطط على الأرض، يبدو أن شخصًا ما وضع في مناطق عديدة على رصيف الشّارع قليل من الطّعام لقطط الشّوارع. تذكرت أن قطتي "دلوعة"، وأني مضطرة إلى تغيير برامجي نهاية هذا الأسبوع كي آخذها إلى البيطريّ، لأنها تتألم منذ يومين.
وأنا أفكر بقطتي، وصلتني رسالة من صديق يسكن عند أحد شواطئ المتوسط البعيدة. سألني: "كيفك؟". وأثناء تفكيري بإجابة أكتبها له، وتنقل حالتي بالفعل، انتبهت أن شاحنة تركت الشارع واعتلت الرّصيف وتمشي باتجاهي. انقطع حبل أفكاري، أو أحبال قلبي. فتركت الرّصيف ومشيت على الشّارع. رغم أن هذه هي المرة الأولى تقريبًا التي اخترت فيها، أو لم أختار، يعني هيك جاءت بالصدفة، أن أمشي على رصيف هذا الشّارع تحديدًا الذي أمرّ به يوميًا.
وصلت الدّرج الذي أحبّه. عند آخره، وجدت "وجه أزرق مع ضحكة كبيرة"، كبيرة جدًا. صورته.. لم أحمله معي. فكرت بشخص آخر بإمكانه أن يمشي ذات الطّريق، ويكون حزين مثلي، فيرى الوجه، ويبتسم قليلًا.
اقتربت من العمل، مررت بجانب محل لغسيل السّيارات. صاحب المحل، وهو عربيّ، يعطي تعليمات، بصوتٍ عالٍ وبالعبرية، لسائق سيارة، كي يركن سيارته بشكل صحيح، ويبدو أن السّائق "فهمه ثقيل"، مما أغضب ذلك صاحب محل غسيل السّيارات، فقال له، بالعربيّة: "بالعربي إنت واحد بهيم كثير".
قيلت هذه الجملة أثناء مروري بجانبه. وقلت له: "صباح الخير".

الاثنين، 1 فبراير، 2016

مدخل وادي الصّليب

كيف يمكن لعاشقين غريبين
عن وادي الصّليب*
أن يقبّل أحدهما الآخر
عند أحد مداخله،
وأنا مقطوعة عن قلبي؟


*وادي الصّليب، حيّ فلسطينيّ مهجّر في حيفا المحتلة.
الصّورة: 31 كانون الثّاني 2016. 

الثلاثاء، 19 يناير، 2016

بياف


بعد محاولات عديدة، وصلتني رسالة إلى بريدي مفادها أنّي حصلت على موافقة لإجراء مقابلة صحفيّة معها.

لم أتمالك نفسي، انطلقت مني صرخة فرح أصابت الناس من حولي في البريد بالذهول، ولكي أبرر فرحتي، قمت بقراءة توقيع الرسالة بصوتٍ عالٍ: مديرة أعمال إيديث بياف.


ذهبت قبل الموعد بنصف ساعة، انتظرتها في غرفة صغيرة تطلّ على حديقة بيتها. جلست على كرسي أمام البيانو وأنا أرتجف وأعيد قراءة أسئلتي.


أقرأ سؤالًا، وأسرح بتفاصيل حياتها؛ طفولتها المنبوذة من والدتها المهملة، والدها لاعب السيرك الفاشل، طفولتها في بيت الدعارة التابع لجدتها، مرضها، الفقر، الكحول، الغناء بالشوارع، ابنتها التي ماتت طفلة، شهرتها، نجوميتها، حبيبها مرسيل المغربيّ الذي تحطمت فيه الطائرة وهو ذاهب لزيارتها.


دخلت بياف، جلست أمامي على كرسي البيانو، بهدوء لا يشبه ضجيج حياتها.


رفعت رأسي، نظرت إليها، وسألتها سؤالًا واحدًا فقط: "بعيدًا عن الأغنية، هل فعلًا لم تندمي على شيء؟".


البحر/ صابرين