السبت، 27 ديسمبر، 2014

2014



2014، احفظي أسماء من وضعوا على قبورهم اسمكِ.
وأولئك الذين أكلت الحروب أوقات دفنهم، فناموا فوق بعضهم البعض. احفظي اسماءهم، لأننا لا نعرفها.

الأربعاء، 3 ديسمبر، 2014

أحد أطفال "كفرون"؛ يزن أتاسي: "نحنا ما منشبه بعض"



حاورته: رشا حلوة
كان ذلك في العام 1990، حين قال له والده: "بدنا نروح مشوار"، لم يخبره إلى أين، "كنت رفيق أبي كتير وأنا وصغير، بروح معه على الشغل، وقالي رايحين مشوار، وبشكل طبيعي ركبنا بالسيارة، وصلنا على مكان قريب من مدرستي وفتنا على بناية، بكتشف بعد ما فتت إننا وصلنا على مكتب دريد لحّام"، يقول الفنان السوري يزن أتاسي في حوار خاص لمجلة "الحياة"، أجريناه عبر السكايب. ويزن أتاسي (1980) هو أيضاً "وسيم"، أحد الأطفال الذين مثلوا أدوار البطولة في فيلم "كفرون" لدريد لحّام، الذي سيتمحور معظم حديثنا عن تجربته فيه، التجربة الشخصية والفنّية لطفل في فيلم سوري، قبل 24 عاماً، كان لها أحد التأثيرات الكبرى على جيل كامل عاش طفولة التسعينيات.

"هنالك معرفة بين دريد وأبي"، يقول يزن، "بس أنا انسطلت، لأنه أول مرة بحياتي بشوفه وجهاً لوجه، هني بحكوا وأنا مسحور لأني قاعد قدام غوار الطوشة!". بعدها خرجا من المكان، لا يذكر يزن الحديث الذي دار بين والده ودريد لحّام، ويعتقد أيضاً أنه كان قد قابل أخته نور أتاسي قبله، وهكذا وقع القرار على كليهما للمشاركة في الفيلم"، وأضاف: "ما بتذكر إنه كان شي بشبه الكاستينج!".
"الفيلم طفولي وبشبه الحلم"
تزامن تصوير فيلم "كفرون" مع موعد المدرسة، "كنت بوقتها بحب المدرسة، بعدين بطلت"، يقول يزن. ويضيف: "بتذكر إنه أهلي حكولنا إنكو بدكو تصوروا فيلم. وفي مرة اجتمعنا وطلعنا لضيعة برا الشام، بريف اللاذقية اسمها ضيعة القصب. بتذكرها منيح، الضيعة كانت صغيرة ونائية بس طبيعتها ساحرة". كان المبيت خلال الفيلم في فندق بمدينة اللاذقية، وعند كل صباح يتوجه طاقم الفيلم إلى ضيعة القصب.

لم يكن اللقاء الأول مع باقي الأطفال الممثلين في ضيعة القصب، إنما كان خلال تصوير أول مشاهد الفيلم في بحيرة بلوران (داخل جبال اللاذقية)، حيث صورت فيها إحدى أغاني الفيلم، وهي أغنية "زينوا المرجة". يقول يزن: "لكن الأغاني هي مو بأصواتنا، يمكن بس دريد لحّام كان صوته، الأغاني كانت كلها مسجلة، لأنه قبل ما نروح على التصوير، إجانا كاسيت فيه أغاني مسجلة لحتى نحفظهن منشان التصوير". وفي حديثه عن أجواء التصوير، يقول إنها كانت "مسلية وسعيدة"، ويضيف: "ولا يوم حسيت حالي متوتر.. الحالة كانت كلها لطيفة، الفيلم طفولي وبشبه الحلم. كأنه هدول الولاد البسيطين اللي بقدروا يعملوا أشياء كتيرة وبقدروا يكونوا كل حدا."
"في شي ببرق بالعيون"
أثناء العمل على الفيلم، حين كان يزن أتاسي في ربيعه العاشر، لم يكن يتوقع انعكسات "كفرون" القوية على شريحة كبيرة من الأطفال، الذين حضروه لربما يومياً على مدار سنوات، ولم يكن يعرف أيضاً حجم مشاهدته. وبعد سنوات كثيرة، وحين كان يصادف أتاسي أحد مشاهدي الفيلم القدامى ويتعرف إليه، "بتشوفي شي ببرق بالعيون"، ويضيف: "مع السنين، اكتشفت مدى تأثير الفيلم على كل من شاهده."

بعد الانتهاء من تصوير ومونتاج "كفرون"، أقيم العرض الاحتفالي للفيلم في سينما الشام في دمشق، بحضور شخصيات شهيرة ومعروفة وإعلامية، لكن لم يشعر عندها يزن أتاسي، كطفل، بشعور خاص وسط كل الحضور المميز، ويضيف: "لكن اليوم الحلو كان لما رحنا نشوف الفيلم بالسينما مع الناس، هاد اليوم كان فظيع، لأنه بتشوفي العالم العاديين واللي أكترهن ولاد وعائلات، والناس طالعة مبسوطة لأنهن شايفيين شي كتير حابينو". وبعد عروض الفيلم في دمشق، تم استضافته في مهرجان القاهرة السينمائي لأفلام الأطفال، سافر طاقم "كفرون" إلى مصر، إذ شكّلت هذه الاستضافة انكشافاً أوسع للفيلم، عن هذا يقول أتاسي مبتسماً: "الاكتشاف للصحافة كان كبير، صار عنا مواعيد معها، كل واحد طول الكرسي وعنا مواعيد مع صحافيين، وناس تيجي تسأل وتحكي معنا ويوصورونا! وإحنا يعني بمحل تبع إنه شو كله هاد؟".
لقاء في بيت دريد لحّام
منذ أيام تصوير "كفرون" وحتى يومنا هذا، لا زال يزن أتاسي، والمقيم اليوم في الإمارات، على علاقة مع بعض الأطفال الممثلين الذين شاركوا في الفيلم. فتربطه حتى يومنا هذا صداقة مع علاء رشيدي، والذي أصدر قبل فترة مجموعة قصصية تحمل اسم "اللعبة الأخيرة قبل فرض القواعد". "بعدو لليوم رفيقي"، يقول أتاسي. كذلك، هنالك تواصل مستمر مع الباحث التاريخي سامي مبيض، وفواز الخجا (جابر). وفي العام 2009، التقى جميعهم بالإضافة إلى أخته، نور أتاسي، في بيت دريد لحّام. أما "زينة" (شذى نحّاس)، فلا أحد يعرف أخبارها اليوم. يقول يزن: "شذى كانت أصغر مننا بكتير، وما حدا قدر يتواصل معها من هداك الوقت، لأنه مثلاً أنا وعلاء بنفس الجيل ولهيك صرنا رفقات."

"بلادنا صارت مقبرة"
يعمل يزن أتاسي اليوم منتجاً لبرنامج أطفال، يكتب السيناريو ويقيم في دبي. كتب سيناريوهات لبرامج ومسلسلات أطفال تلفزيونية عديدة، منها مسلسل لـ "الجزيرة أطفال"، ويعمل الآن منتجاً لبرنامج أطفال مخصص للأطفال السوريين بعنوان "يلا نحلم".

في إجابة عن سؤالنا حول الأزمة التي يعيشها فنّ الأطفال اليوم مقارنة بالثمانينيات والتسعينيات، والمربوطة عموماً بأزمة الفنّ في المنطقة كلّها، قال يزن: "كان وقتها في عالم فعلاً عم تعمل فنّ، بعز الحرب كان في ريمي بندلي، هي جزء من طفولتي كتير كبير، بأحلك الأوقات كان في شي حقيقي. بعدين طلع في نفط وبترول، هاي المشكلة، صار كل التوجه تجاه المصاري، صارت المشاريع تجارية والقنوات تجارية والإنتاج مكلف، فأسهل تجيبي إشي مجهول من برا وتدبلجيه، بالإضافة إنه عنا نقص بالخبرات". وتابع أتاسي: "في أشياء ما عادت تطورت مثل أي مجال، مثل الفن التشكيلي ما عاد أفرزنا شي. بمرحلة العالم كانت تسافر وتروح وترجع وتطبق، بلادنا صارت مقبرة. إذا بكون عنا موهبة وموجودة ببلد اللي ما فاتح المجال تعطي شي، مع الوقت بتموتي وما عاد بتعطي شي، لا مسرح إلك تعمليه، لا مسموح إلك تقولي أو تكتبي شي، كل شي خاضع لرقابة فصعب شوي"، وأضاف: "أو بدو يكون الفنّ تجاري والهدف ربحي وبدنا نبيع ونطلع فلوس. وهاد الإشي بلش، لأنه رأس المال موجود بدول عندها علاقات أكتر وخطوط حمرا أكثر فمضطرة تربطي الحمار مطرح ما بقولك صاحبه".


هذا الوقع أثر على شكل أقرب للهوية الجمعية التي يشعر بها اليوم العديد ممن كانوا أطفالاً في الثمانينيات والتسعينيات، والذين شاهدوا نفس البرامج والمسلسات والأفلام، وكذلك سمعوا نفس الأغاني. لكن هذا الواقع أخذ بالاختفاء مع السنين، "نحنا ما عدنا نشبه بعض"، يقول أتاسي. ويضيف: "كنتي تحسي إنه الولد بسوريا بشبه الولد بالأردن وبفلسطين، ما عدنا نشبه بعض، كل واحد عندو قصة وسؤال براسه وكل واحد بخاف من شي. كانت الأشياء أبسط، كلنا حضرنا افتح يا سمسم، منقدر أنا وإنت، اللي من بلدين مختلفين إننا نتواصل. مربيين نفس الترباي. هلأ ما عاد موجود هالشي.."، لكن، ورغم نبرة القلق والوجع في إجابته على الأسئلة أعلاه، اختتم يزن أتاسي حوارنا قائلاً: "دايماً في أمل، ما بعرف منين بيجي.. بس دايماً في أمل".

الثلاثاء، 2 ديسمبر، 2014

مسافة الاحتلال



بعدسة: خلود باسل طنوس

صديق مغربي: "ليش زعلانات؟ عكّا وبيروت قراب من بعض."
أنا، وحاضنة صديقتي اللبنانية عشان أودعها في محطة القطار بالرباط: "نظريًا إحنا بعاد عن بعض ساعة ونصف، لكن عمليًا بعاد عن بعض ٦٦ سنة."

الجمعة، 21 نوفمبر، 2014

فيروز ورياض الصالح الحسين، الحياة ثم الحياة



رشا حلوة

عرفت فيروز منذ وُلدت، ولا زالت أتعرف إليها كلما ألتقي بأغنية "غير معروفة لها"، مثلما حدث معي قبل فترة في برلين، حين جاءني صديق وسألني: "هل تعرفين هذه الأغنية لفيروز؟"، وقبل أن أجيبه بإجابة الواثقة التي تعرف كل أغاني فيروز، انتظرته حتى يشغل الأغنية، إذ بملامح وجهي المتفاجئة التي تتسع ترمي "إجابة الواثقة التي تعرف كلّ أغاني فيروز" جانبًا، وأقول وأنا سعيدة: "لا! بعرفهاش!".. وبالطبع، وكما يحصل مع كلّ من يلتقي بأغنية جميلة يحبّها، فهي لا تفارقه على مدار فترة طويلة، شهر على الأقل.

ترتبط فيروز كثيرًا بوالدي، الذي رحل قبل حوالي نصف عامٍ، ارتباطها فيه لا لأنه أحبّها فقط، بل لأنه اتقن غناء أغانيها، فكانت أغاني فيروز، بصوت والدي، تحتل جزءًا كبيرًا من تهاليل طفولتي.. ومن سهرات حياتنا السعيدة التي جاءت فيما بعد، واستمرت لسنوات عديدة. هذا الارتباط تجسّد بمقولة أخي الصغير، حين كان لا زالاً طفلاً صغيرًا: "فيروز صاحبة بابا."

أما الشاعر السوري رياض الصالح الحسين، فتعرفت إليه مؤخرًا. لا أذكر كيف التقيت للمرة الأولى بقصيدة له، لكني أعرف جيدًا مدى تأثير هذه القصيدة على تفاصيل حياتية اليومية، وممنونة جيدًا للفضاء الرقمي (الإنترنت) الذي أتاح هذا اللقاء، مع قصائد لإنسان رحل قبل 32 عامًا، كتب قصيدة "العدالة" قبل أكثر من 30 عامًا، كأنه كان يعرف أن لا من أحد سييقبّل حبيبته بهدوء أو سيموت بلا ضجة، بعد وقت طويل.

تحتفل فيروز اليوم بميلادها التاسع والسبعين، ونحيي اليوم الذكرى الثانية والثلاثين لرحيل رياض الصالح الحسين. هذا اللقاء ما بين الحياة والموت هو دائم ومستمر، نلتقي به في محطّات عديدة، منها شخصية ومنها جماعية، هو الثنائي الذي يشكل إحدى بوصلات الإبداع والفنّ والثقافة، هو القادر على إثارة الأسئلة فينا باستمرار، وهو لربما أكثر ما يعطي معنى للحياة، خلال البحث عن معناها. هذه الحياة التي لا يمكن لمحبّي فيروز أن يتخيلوها من غيرها، من الصعب أن نتخيّل الحياة من غير شيء أو شخص نحبّه وساهم في بناء زوايا من أرواحنا، لكن بلا شك يمكننا أن نعرف بأن وجودها وصوتها أعطى للحياة معنى إضافي. وكذلك، لا  يمكن لمحبّي رياض الصالح الحسين أن يتخيلوا الحياة من دونه، من دون قلم استطاع أن يكتب "الأساطير اليومية" وأن يلعنها بالحبّ والتفاصيل والقلق، كأنه مع كل قصيدة، حمل حياتنا من الخراب ووضعها على ريشة.
شكرًا لكما.

الاثنين، 3 نوفمبر، 2014

رياض الصالح الحسين


في الواحد والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ستصادف الذكرى الثانية والثلاثين لرحيل الشاعر السوري رياض الصالح الحسين (1952- 1982)، من أقرب الشعراء إلى قلبي.

شاعر عاش أصم وأبكم، وقال عن الحياة والحبّ والموت أجمل ما قيل، بحساسية لا تشبه حساسية أحد، حساسية تنبع من قلب يدرك جيدًا بأن "الشمس كما يقولون لا تشرق في اليوم مرتين"، وبالتأكيد قال عن الحياة والحبّ والموت أجمل بكثير مِن عديد مَن يسمون أنفسهم "بالشعراء" في هذا العصر، وهم لا يكتبون إلا الثرثرة.. 

تحية لكَ يا أيها الشاعر الذي لم يتعرف إلى صوتِه يومًا ما، لكن كلمتك كانت خير موسيقى تحمي بعض تفاصيل هذا العالم من صدى الخراب. 

الأربعاء، 24 سبتمبر، 2014

زعتر وزيت في مطار فرانكفورت


في مطار فرانكفورت، نسيت أن أرمي في الزبالة الورقة التي وضعت بها أمي قطعة الخبر المملوءة بالزعتر والزيت، والتي جهزتها لي قبل السفر إلى برلين. غالباً، سيعتقد عامل الزبالة في المطار بأنها ورقة عُطر.. ويحتفظ بها.

الأحد، 31 أغسطس، 2014

وشة عَ الطريق


مرات بحس حالي مثل موجات AM بالراديو اللي بالسيارة. وأنا ماشي بالطريق، ولما بمرق تحت جسر أو نفق بشارع سريع، وبتسكر السما، بسمع وشة مزعجة، بتفصلني عن الأغنية اللي بكون بسمعها، سواء سعيدة أو حزينة أو غير معرفة.. مع إني بكون عارفة إنه الجسر اللي مرقت تحته رح يخلص، وبسرعة، ورح أرجع أشوف السما، وتروح الوشة عن الأثير.. هاد الأثير، ال AM، اللي بشبهني مرات.. ودايماً بكون يلقط محطات، بدون علاقة للجغرافيا. دايماً.

السبت، 30 أغسطس، 2014

ريمي بندلي: "من يريد أن يغنّي للأطفال، من غير المفروض أن يغنّي لغيرهم"




حاورتها: رشا حلوة
يتفق كثيرون اليوم على أن جيل الثمانينات والتسعينات محظوظ إلى حدّ ما، لربما الثمانينات أكثر، وذلك لأسباب عديدة يصبّ جزء كبير منها في التلقي الفنّي والثقافي، أضف إلى أنه الجيل الذي عاش فترة ما قبل وما بعد عصر الإنترنت وألعاب الفيديو، وأنه أيضاً من عاش فترة عمق وقيمة أغاني الأطفال، التي كُتبت ولحنت خصيصاً لأطفال العالم العربي، وكانت قد قدمت جزءاً كبيراً منها، الطفلة اللبنانية ريمي بندلي.

تعيش أغاني ريمي بندلي للأطفال حتى يومنا هذا، غنّت من لبنان إلى لبنان وللعالم العربي كلّه، عن ما يعيشه الطفل اللبناني والعربي، عن تفاصيل حياته، عن الوالدين والبيت، عن البلد وفي ظلّ الحروب التي تقتل الطفولة كلّ يوم.. هذه الأغاني، التي احترمت عقل الطفل وروحه ولغته أولاً، لهذا انتشرت ووصلت إلى قلوب الملايين، ولهذا لا زالت حيّة في جيل كاملٍ من الذين كانوا أطفالاً يومها، واليوم يتحسرون على غياب أغاني الأطفال التي كان لها يوماً ما دوراً في بلورة كيانهم وحبّهم لطفولتهم، رغم الألم.

 وُلدت ريمي بندلي في الرابع من تمّوز/ يوليو 1979 في طرابلس لبنان، لأسرة موسيقية، أظهرت في سنّ مبكرة موهبة فنّية خاصة، حيث سجلت أول أغنية لها بعنوان "إيماني أحلى إيمان" وعمرها ثلاث سنوات ونصف. غنّت في لبنان والأردن وسوريا والكويت وفرنسا وقطر وكندا وأمريكا، وكانت أشهر أغانيها، والتي لا زالت الأشهر، أغنية "أعطونا الطفولة"، وقام بتمثيل دور بطولة في فيلم "أماني تحت قوس قزح" عام 1985. استمرت ريمي بندلي بالغناء بعد أن انتقلت مع عائلتها في عام 1989 إلى كندا، وبقيت هناك مدة سبع سنوات، وتوقفت عن الغناء عام 1993.

 تبلغ ريمي بندلي اليوم 35 عاماً، وهي متزوجة منذ عام 2008، وتعيش في ستوكهولم بالسويد. من خلال هذا الحوار الخاص مع موقع "الحياة"، تحدثنا مع ريمي بندلي عن أقرب أغنية إلى قلبها من أغانيها، عن الأغنية التي لا زالت حيّة بمضمون كلماتها حتى يومنا هذا، عن المغنيين والمغنيات التي استمعت إليهم وهي طفلة، وعن رأيها بأزمة أغاني الأطفال اليوم.

"أعطونا الطفولة، مطلب لم يتحقق منذ 30 عاما"
تشعر ريمي بندلي بأن كلّ الأغاني التي غنّتها حين كانت صغيرة، هي بمثابة أغانٍ قريبة من قلبها، وأضافت: "وكلّ أغنية من هذه الأغاني، أغنيها وأدندنها في وقتها، ولكن ما من أغنية واحدة".

إلا أن هنالك أغنية واحدة تشعر بأنها، وعلى الرغم من مرور الزمن، لا زالت تلائم بمضمونها الأيام التي نعيشها اليوم في العالم العربي، وعن هذا تضيف:" أكيد، وبلا شك، هي أغنية "أعطونا الطفولة"، هنالك بلاد كثيرة تعيش حروباً، لا علاقة للأطفال بها، والذين تختفي طفولتهم جراء ذلك، كما في أيامي أنا، حين اختفت طفولة أطفال بلدي لبنان. هنالك أغانٍ أخرى تلائم ما نعيشه اليوم أيضاً، مثل أغنية "ردولي بيتي" و"طفوا النار"، كل أغنية منها تعبر عن وجع الحرب."

"بندلي، أم كلثوم وديانا روس"
 استمع جيل كامل في سنوات الثمانين، حين كان طفلاً، إلى أغاني ريمي بندلي، أضف إلى فنانين آخرين غنّوا للأطفال، لكن يبقى السؤال، إلى من استمعت ريمي بندلي حين كانت طفلة؟ كانت إجابتها الأولى: "إلى أغاني عماتي في فرقة "بندلي"."، وأضافت: "بالإضافة إلى أغاني قديمة لمحمد عبد الوهاب، عبد الحليم وأم كلثوم. وكذلك إلى شانتال غويا، وأحببت ديانا روس ومايكل جاكسون كثيراً." (تبتسم). وتابعت: "هؤلاء ترعرعت على أغانيهم وأنا صغيرة، ومن ثم استمعت إلى سيلين ديون وماريا كاري، كلّ هؤلاء عملياً سمعتهم ما بين العامين وحتى الثالثة عشر من عمري."

  "من يريد أن يغنّي للأطفال، من غير المفروض أن يغنّي لغيرهم"
من الواضح أننا نعيش أزمة كتابة وتلحين وإنتاج أغاني أطفال، وذلك ضمن أزمات فنّية وموسيقية عديدة تعيشها المنطقة العربية عموماً. ومن الواضح أيضاً، بأننا نعيش الحاجة إلى أغنية أطفال تحكي تماماً أحلامهم ومخاوفهم، التي تزداد يوماً بعد يوم في ظلّ الخراب الذي يجتاح العالم، هذا الخراب الذي بإمكان أغنية أن تحمي الأطفال منه، ولوّ لمدة 4 دقائق.

حول أزمة أغاني الأطفال، قالت ريمي بندلي: " للأسف، حاول الكثير غناء أغاني الأطفال، لكني أعتقد بأن من يريد أن يغني للأطفال، من غير المفروض أن يغني لغيرهم، هذه الاستمرارية هي أهم ما يمكن. من الضروري أن يكون للأطفال أغاني خاصة بهم، أغاني تنمي شخصيتهم وآفاقهم الموسيقية والتعبيرية. وكذلك تنمي خيالهم. من الضروري أن يكون فنانون يغنون للأطفال، ولهم فقط، كي يمثلوهم في أفراحهم وأحزانهم وخوفهم. ولكي لا يضطر أن يكبر الطفل قبل عمره، وعندها ستختفي طفولته من دون أن يعرف أهمية هذه الفترة من العُمر."


وتابعت: "الفنان الذي يريد أن يغني للأطفال فقط، يجب عليه أيضاً أن يجد الكلمة واللحن الملائمين للأطفال من الناحية التربوية أيضاً. الغناء للأطفال هو أصعب شيء، لأن الطفل يتأثر ويتعلم ويحفظ بسرعة، لهذا ضروري أن نعرف ما هي الرسالة التي نريد أن نمررها من خلال الأغنية."


أجري الحوار لموقع "الحياة" في الناصرة عام 2014.

الخميس، 28 أغسطس، 2014

عن وجع العُمر القصير..


الأربعاء، 20 أغسطس، 2014

العشرون من آب 1957


قبل 7 سنوات، احتفلنا مثل اليوم، العشرين من آب، في عيد ميلادك الخمسين، الذي تزامن مع طقس عُماد إياد (أخي الأصغر)، لم تحب الاحتفالات الكبيرة بأي شيء، ولا بعيد ميلادك، كنت تحب الاحتفالات الصغيرة والمتواضعة. إلا أنك، وفي ذاك العام، وافقت على الاحتفال الكبير وسط العائلة الكبيرة والأصدقاء.. عندها، غنّيت لك هذه الأغنية، "يا أعز وأغلى وأطيب قلب"، أمام الجميع، بلا موسيقى في الخلفية، سوى حبّي. أذكر جيداً كم كنت متأثرة من الغناء، وكيف كنت تنظر إلى وجهي.. وحين انهيت من الغناء، جئت وحضنتني وبكيت كثيراً على كتفك.
كان ذلك قبل عام بالضبط من زيارة المرض لك. وكأن المشهد كلّه الآن يبدو لي منطقياً؛ الأغنية، الدموع، الحضن والاحتفال الكبير.
وما يبدو لي منطقياً أكثر، بأني أستطيع أن أقول الآن، أني حين كنت أغني الأغنية وحدي في الغرفة، وأتدرب عليها قبل غنائها أمام الجميع، بأني كنت أبدل مقطع الأغنية الرئيسي، من منطلق شعوري بأن الأغنية ستصبح حقيقية أكثر، بهذه الجملة :"يا أعز وأغلى وأطيب أب.."، فأنتما واحد يا أبي، أنتَ والقلب.
إشتقتلك كتير.

#أبي

الجمعة، 15 أغسطس، 2014

ولا مرة..


المشهد ذاته، الأصدقاء يجلسون في غرفة أو حول طاولة في مقهى/ بار ما، يقوم أحدهم بالتوجه نحو النادل لطلب أغنية، يختار عادة أغنية "البحر بيضحك ليه؟". الأصدقاء يستمعون إلى الأغنية ويغنون معها، وعند مقطع واحد ومحدد، ترتفع أصواتهم طبقة إلى الأعلى، هي طبقة ألم عادة، وذلك حين يقول الشيخ إمام: "وجرحنا ولا عمره دبل..". فيرسم أحد الأصدقاء ابتسامة خفيفة، دلالة على تشابه حالة الجميع، دون استثناء، مع هذه الجملة. ودلالة أيضاً، وبرغم أن "الجرح لم يذبل حتى الآن"، على أن بهذه الابتسامة هنالك ثقة ما بأنه "سيذبل يوماً ما، أي الجرح".. الأزمة هي أن داخل كل منا، وداخل كل صديق وصديقة من هؤلاء الأصدقاء، تعيش ثقة ما اليوم بأن "جرحنا ولا عمره رح يدبل".


السبت، 7 يونيو، 2014

سلامٌ يا أبي..


ليس من السهل أن أقف هنا أمامكم، أو أن أحكي عنه بضمير الغائب، لكني أسمع صوته الآن، حين كان يطلب مني في طقوس ومناسبات عديدة: "بابا يا رشا.. اكتبيلك كلمة".. وها أن أقرأ لك يا بابا، أمام كل الذين يحبونك، كلمة أخيرة.

قبل أيام، قال لنا أحد الأطباء في المستشفى: "اعرفوا إنه جورج محظوظ، وإنتو كمان، عشان عاش معكو 6 سنين بعد سرطان البنكرياس".. كانت جملته بالنسبة لنا مفهومة ضمنًا، وفي الوقت نفسه لم نعتبر ليوم واحد بأن الأمر هو حظ، ببساطة، الأمر هو أنك يا أبي محارب من أجل الحياة ومؤمن بها، ومنذ معرفتك لمرضك قبل ست سنوات، كنت مقاومًا له.

أول أمس، عندما لم يعد جسدك يتفاعل معنا، كنا نعرف أنك تسمعنا، أحيانًا كنا نتخاذل ونقول بأنك لم تعد معنا. لكنك دائمًا وجدت الطرق لتثبت بأنك تسمع أصواتنا؛ بقبضة يدك على يدي وأيدي إخوتي وأمي، وبالأمس، كل الوقت، من خلال دموع كنت تذرفها. بالنسبة لنا، هذه الدموع كانت الدليل بأن جسدك هو المتعب فقط.. وقلبك يسمع كل الحبّ من حولك. وحين اطمأن قلبك، داخل جسدك النائم، قرر أن يرحل بعيدًا.

السماء أمطرت أمس. موج البحر لم يكن موج أول حزيران الحار. نعلم أن هذا الحزن ليس لنا وحدنا، ونعلم جيدًا أن الحياة التي أحببتها وعلمتنا حبّها، أنا وإخوتي، لا تنسى أبناءها حين يرحلون. والأبناء يا أبي، الذين شربوا تعاليم الدنيا منك وحبّ الناس وحبّ البلد، بالحديث وبالصمت، بالقول وبالفعل، ينتصرون على الموت كل لحظة. فأنتَ الحاضر بالحبّ وبالذكريات تلك التي عشناها معك، وتلك التي ستعيشها معنا بروحك.

بالأمس، وقبل السادسة مساء بدقائق، فتحت عيونك، وحسبت أمي بأنك تعود للحياة، توقف قلبك، ومن ثم أعدته لتقول لها جملة واحدة: "بحبك شادية". ومن ثم توقف للأبد. أبي، كنت أعتقد بأني عرفت معنى الحبّ، لكن كأنك كنت تقول لي دائمًا: "بعدني رح أعلمك كمان وكمان.. بعدك بتعرفيش كل إشي".. وبالأمس، وبعد المجهود الذي أعطيته لتستيقظ، كي تلخص الحياة بكلمتين وتقولها فقط لأمي، عرفنا، أنا ورلى وإسكندر وإياد، كم نحن بخير.. نحن ثمار الحبّ، الذي شهد ويشهد وسيشهد عليه كل الحاضرين اليوم.. الذين جاؤوا في هذا اليوم ليقولوا لكَ: "سلامٌ يا أبو اسكندر.. سلامٌ على روحك يا نور العين.. سلام يا يابا".

*كلمتي في جنازة والدي جورج سليمان حلوة، يوم الأحد، الأول من حزيران/ يونيو 2014. 

الخميس، 15 مايو، 2014

الحب في ظل النكبة



المشهد الأول:
سألته يوماً:" كيف من زمان، لما كانت الناس تسافر، وبعدين يحبوا اتنين بعضهن في بلد غريبة خلال زيارة سياحية. وفجأة يرجع كل واحد منهن على بلده. كيف كانوا يضلهن على تواصل، يكملوا يحبوا بعض، وفي كتير من المرات يعملوا عيلة سوا..  قبل ما يكون في إنترنت وهواتف ذكية؟".
أجابني:" لأنه وقتها كانت الناس تسافر عند بعض من غير فيزا. ومكنش في حدود انحطت بينهم".

المشهد الثاني:
اليوم الذي وصل فيه إلى بيروت قادماً من القاهرة، صادف اليوم الذي كان فيه الكيان الصهيوني "يحتفل بنفسه". جلست أمام جهاز اللاب توب وكتبت عبر صفحتي الفيسبوكية: "أغانيهم البشعة، والتي تدعو إلى القيء، تقتحم غرفتي العكّية الآن. وأنا كل ما أريده لهذه الليلة، أن لا يشوّش نشازهم الأمواج الصوتية ما بيني وبين بيروت.. لأن أمواج الهوى هذه، تُسمعَني ذبذبات قلب حبيبي الذي وصل إلى هُناك.
فاخرسوا يا أنذال الأرض".

المشهد الثالث:
قبل أن يترك بيروت بيوم واحد ليعود إلى القاهرة، أرسل لي رسالة إلى هاتفي الذكي، قائلا:"أول مرة بكون برا مصر وبمشي لوحدي في الشارع. بس بكلمك وبتردي عليا. وبتخيلك وإنتي بتوصفيلي شوارع بيروت. بشوفك هنا. تشبهي الشوارع دي جداً. كأنك متربية فيها. وبسمع أسماء المناطق بصوتك. وأنا بحكيلك حاجة بحس إني مش محتاج أشرحلك جغرافياً مكانها. لا يمكن تكوني عمرك ما جيتي هنا".

المشهد الرابع:
لا يمكنني أن أصل بيروت التي تبعد عني، عن عكّا، حوالي 116 كم. ولا أن أصل القاهرة إلا مع تأشيرة دخول.

المشهد الخامس:
حين كتبت يوماً ما ضد فنانة "فلسطينية" مثّلت إسرائيل في محافل دولية، هنالك من سألني:"شو عندك إشي شخصي ضدها؟". كنت أريد أن أبدأ إجابتي بجملة "رَدِح": "معها!؟ لا يا روح أُمك!". لكني أجبته:"قضيتي مع الاحتلال هي قضية شخصية".


نشرت التدوينة بالتزامن مع ملحق "السفير العربي"

السبت، 26 أبريل، 2014

أهلاً بكم في عكّا

باب عكا إلى البحر (خاص "فلسطين")
باب عكا إلى البحر (خاص "فلسطين")

رشا حلوة
اليوم، وبعد مرور 20 عاماً على وجودنا في بيتنا الكائن بالقرب من البحر، ما زالت هناك رعشة خوفٍ تحاصرني وأنا على وشك الاستيقاظ صباحاً، حين أسمع أصوات الغربان التي تحيط بالبيوت في منطقتنا. وككل يومٍ منذ 20 عاماً، ما زلت أخفّف رعب الخزعبلات هذه حين أتذكر جملة أبي يوم هاتفته في صباحٍ ما لأشكي له أن غراباً وقف على شباك بيتنا: «أنا بحب الغراب حبيبتي. تخافيش». وكانت هذه الجملة أقوى في التأثير وأنجح في الأثر من كل محاولات تذكيري لنفسي في كل صباح بأننا شعبٌ له تاريخ من الخزعبلات والخرافات، وليس علينا اليوم في القرن الواحد والعشرين أن نصدقها. يعني، بحاول أقنع نفسي!
لا أقفز من سريري في الصباح، ليس لأني أحب النوم كثيراً، وإنما كوني، منذ عامٍ تقريباً، قررت أن أعمل صحافية مستقلة وبشكل حرّ. وبالتالي، بتّ أرتب أوقات عملي كما أشاء بحاول، برضه. وصرت أستثمر وقتي ما بين البيت وبين مقهى الكائن بالقرب منه، أو مقهى آخر في عكّا القديمة، أو كيفما أحبّ أن أسميها: عكّا الحقيقية. ولقد استيقظت اليوم عند الساعة التاسعة صباحاً، وكعادتي قبل أن أغسل وجهي، أمسكت بهاتفي الذكي النائم إلى جانبي، وفتحت تطبيقات «فايسبوك» و«تويتر» و«واتساب» و«انستجرام» و«جيميل» كي أطمئن إلى العالم البعيد عني جغرافياً، والممنوعة من الوصول إليه غالباً، لكنه يعيش في غرفتي العكّية الصغيرة أكثر مما تعيش فيها تفاصيل بلدة تبعد عن عكّا 15 كلم فقط.
بيتنا قريبٌ من شاطئ البحر، لكنه يقع خارج أسوار عكّا وهو قريب منها في آن، إذ يقع في المنطقة المسماة اليوم بـ«عكّا الجديدة»، وتحديداً بالقرب من شارع «الغربي» وإحدى دور السينما القديمة التي هُدمت في ما بعد وشُيّدت مكانها مبانٍ سكنية. يطلّ شباك البيت الرئيسي إلى جنوب عكّا، فيشرف على بعض البيوت ومئذنة جامع أحمد باشا الجزار وسقف قلعة ظاهر العمر الزيداني الذي حكم عكّا منذ العام 1744 لغاية العام 1775. فقد بنى قلعته على أساسات صليبية في العام 1751، واستخدمها لاحقاً أحمد باشا الجزار، ثم تحولت إلى سجنٍ إبان الانتداب البريطاني في فلسطين، وأُعدم فيها ثوار «ثورة البراق» الثلاثة في العام 1936: فؤاد حجازي، عطا الزير ومحمد جمجوم. وقد رثاهم الشاعر الفلسطيني نوح إبراهيم في قصيدته المشهورة: «من سجن عكا وطلعت جنازة / محمد جمجوم وفؤاد حجازي / جازي عليهم يا شعبي جازي / المندوب السامي وربعه عموما».
أما أحد شبابيك غرفتي، التي أقضي فيها معظم وقتي للعمل والحياة، فيطلّ إلى شمال عكّا وفلسطين، لكن بعض البيوت أغلقت الأفق الذي كان يطل على جبل رأس الناقورة وجنوب لبنان. وحين أنظر من الشباك غرباً، أرى مقطعاً صغيراً من البحر القريب، الذي يبتعد عن البيت مسافة تقل عن دقيقة عند مشيها على الأقدام.
عدت إلى البيت بعد لقائي مع هبة، وكانت أمي تجهز وجبة الأسبوع العكّية: السمك. كان قد أحضر لنا صديق أبي، عمّي حنا، سمك بوري وقرّاص اصطاده بالأمس. وعلى الرغم من أني أحب الشمس أكثر من العواصف والمطر، وكنت قد عبرت عن مللي من الطقس مؤخراً، إلا أن فرحة الصيادين العكّيين بعد العاصفة وموج البحر العالي، تخفّف عني قليلاً الرغبة بأن تختفي العاصفة. فهذا الطقس، كما يعرف أهل مدن البحر، هو نعمة للصيادين.. حيث يصل السمك نتيجة للأمواج لا إلى الشاطئ فقط، إنما إلى عتبات البيوت أيضاً.بعدما أنهيت هذا الصباح المهام التي ألقيتها على نفسي، وصلتني رسالةٌ من صديقتي هبة، وهي من قلنسوة، وتقيم في يافا. تفيد الرسالة بأنها في زيارةٍ إلى عكّا مع عائلتها، وتريد أن تسرق بضع الدقائق لشرب القهوة معي. نزلت من البيت، وخرجت من البناية باتجاه اليمين، أي باتجاه البحر، والتقينا في المقهى المطلّ على البحر وسور عكّا وحيفا وجبلها. لكني قررت أن نجلس حيث تكون وجوههنا باتجاه البحر لا باتجاه حيفا. وأخبرت هبة بسخرية مبطنة عن تاريخ طويل من الصراع العكّي- الحيفاوي: «في نكتة بايخة اخترعها أهل حيفا بتقول إنه أحلى إشي في عكّا هو منظر حيفا»، وأكملت حديثي قائلة: «لازم يضلّ أهل حيفا يتذكروا إنه حيفا الحديثة عمرها 250 سنة.. وأصلاً كل هالبيوت، يعني منظر حيفا، هي جديدة.. بس الجبل هو القديم.. قال أحلى إشي منظر حيفا قال..»، وضحكنا قليلاً.
على سيرة السمك.. قبل أيام، دخل أبي إلى المستشفى في حيفا لبعض الوقت. كنا نجلس أنا وأخي في المساحة المخصصة للتدخين، ويجلس أبي قبالتنا إلى كرسي. كان ذلك يوم سبت، والمستشفى شبه فارغ من الزائرين لا من المرضى. في أثناء حديثنا، دخلت مجموعة من الشباب ومعهم رجلٌ في سن أبي تقريباً. أنا رأيتهم وأبي كان يسمع حديثهم، إذ جلسوا خلفه. المهم، بعد لحظات، التفت أبي إليهم وقال مبتسماً: «كيفك خيّا؟ والله عرفتك إنك من عكّا عشان بتحكوا عن السمك وعشان حكيت عن سمكة الزعرة». تبادلا أبي وصديقه السلام، وسأل كلٌّ الثاني عن حاله، ومن ثم عاد أبي ليتحدث إلينا أنا وأخي، وغالباً لم يفهم أخي، مثلي تماماً، ماذا حصل قبل دقائق. فشرح لنا أبي: «عرفته لما قال «زعرة»، عشان بس إحنا العكاوية منقول «زعرة» لسمكة المليطة الصغيرة».
اليوم الخميس، والساعة الآن الرابعة والنصف مساءً. أمامي نصف ساعة كي أصل إلى مقر «مؤسسة الأسوار» في ميناء عكّا، ونصف ساعة هي المدة التي أحتاجها كي أصل إلى حيفا. إذ يمكنني أن أتجول في أرجاء عكّا كلها خلال نصف ساعةٍ لا أكثر. لا يحتاج أي مشوار في عكّا إلى أكثر من 10 دقائق في السيارة أو نصف ساعة مشياً على الأقدام. والمسافة بين بيتنا والميناء هي تقريباً 15 دقيقة سيراً. لكني اليوم، قررت أن أقود السيارة إلى «مؤسسة الأسوار» حيث تقام دورة «عَ الطاقة / مطلّ إلى عكّا»، وهي دورة تدريبية عن تاريخ عكّا منذ الفترة الكنعانية مروراً بالفترة الإسلامية الأولى، ثم الصليبية، ثم ظاهر العُمر الزيداني وأحمد باشا الجزار، وصولاً إلى يومنا هذا في ظلّ الاستعمار الصهيوني لفلسطين.
ركبت السيارة باتجاه مدخل عكّا من جهة جامع الجزّار، مروراً بشارع صلاح الدين الأيوبي، ومن ثم خان الشواردة، إلى أن وصلت إلى الميناء. إلا أني لم أجد موقفاً للسيارة والساعة تقترب من الخامسة. خرجت من الميناء مروراً مرة أخرى بخان الشواردة وشارع صلاح الدين وسور عكّا الشرقي فطريق الشاطئ الغربي كي أصل إلى حيّ الفاخورة، حيث ركنت السيارة. صعدت الدرج الطويل في الحــــــيّ الذي يقـــــع في آخــــــره شــــــباك البيــت الذي عاش فيه جدي سليمان وجدتي بدرية وأبي وأخوانه وأخواته لسنوات طويلة، والمهدد اليوم بأن يُشترى والعائلة التي تسكنه مهددة بالتهجير، كحال بيوت عديدة في عكّا التي تعاني وأهلها من مخطط نكبة ثانية.
أنظر إلى الشباك وأمرّ بجانب باب ساحة البيت وأطمئن إلى أنه لا يزال مفتوحاً، فيمكنني أن أدخل لألقي السلام على أصوات الناس التي ما زالت تعيش فيه، وأعرف بأن الخوف الذي يحاصرني في هذه اللحظة، الخوف من أن يصل اليوم الذي أجد فيه هذا الباب مغلقاً، هو ليس خوف خرافات ناتج عن أصوات الغربان صباحاً.. لأن الغربان التي تحوم فوق شاطئ البحر أرحم من الغربان التي لم تشبع بعد من سرقة البيوت.

الثلاثاء، 15 أبريل، 2014

#الحرية_لمجد


سكنت فترة سنة وشهرين في رام الله، أحببتها عندها، أنا إبنة البحر التي من الصعب أن تعيش بعيداً عن حضوره الطبيعي كلّ صباح. وبعد فترة، قال لي صديق:"نيالك يا رشا. إنتِ من عكّا.. وكمان نَفس الهوا بتنقل بينك وبين بيروت". ابتسمت له وأجبته:"ونفس السمكات!". فكانت جملة هذا الصديق من الأسباب العديدة والمهمة التي جعلتني أعود إلى مدينتي لأستقر فيها. لأنها كانت تجسيد ملموس بالهواء لفكرة مليئة بالهوى وهاجس المدينة التي منعها الإستعمار عنك، لكنها تبعد عن عكّا مسافة 111 كم تقريباً.

حين أنهى جدي سليمان (أبو الزوزو) من دراسته الثانوية في القدس وعاد إلى عكّا، وقبل أن ينتقل هو وجدتي بدرية (أم الزوزو) إلى حيّ الفاخورة في عكّا القديمة، سكن لفترة طويلة في شارع "عكّا- بيروت". اليوم، وبعد الاستعمار الصهيوني لفلسطين، أصبح للشارع إسما آخر.. لا أستخدمه أنا، فأسميه دائماً – وبلا جهد إضافي-، بإسمه الذي عرفته من أبي وجدي، إسمه الذي يجعل بيروت أقرب في كلّ مرة أقول لأمي:"أنا وصلت بالتاكسي من حيفا وبستناكي بالمحطة اللي في شارع عكّا- بيروت".

حين أقول شارع "عكّا- بيروت"، الجملة لا تجعل بيروت أقرب فقط، إنما تعيد تعريف إنسانيتي من جديد.

أن تكون إنساناً في هذا العالم، وفي فلسطين المحتلة تحديداً، لا يعني أن تتقبل الواقع كما هو وتزيّنه بأوراق زيتون خضراء وحمامة حرقت بياضها أوساخ القرن الواحد والعشرين. أن تكون إنساناً هي أن تعيد الإعتبار للأغاني التي وصلتك من بيروت وتملأ تفاصيل حياتك كلها، أن تعيد الإعتبار إلى الحكايات العادية وحكايات البطولة ونميمة البارات والمقاهي التي وصلتك بصوت جدتك يوماً ما وتصل غرفتك اليوم من خلال فضاء غير افتراضي أبداً، تصلك رغم أنهم أوقفوا القطارات التي مرّت من "رأس الناقورة" ووصلت إلى محطة حيفا. أن تكون إنساناً هي أن لا تبكي كلما قلت بصوت عالٍ بيت القصيد:"الكمنجات تبكي على وطن ضائع قد يعود".. بل أن تفك أوتار الكمنجات أحياناً وتمدها جسراً للحالمين بزجاجة بيرا في "شارع الحمرا".. كي يحققوا الحلم ويصلوا إلى هناك وتبتسم الكمنجات موسيقى ويعود الوطن.

وهكذا فعلت يا مجد، شكراً.

الاثنين، 31 مارس، 2014

مصر التي في عكّا




رشا حلوة
تبدأ القصة مع لفظ كلمة "عَجّل" في لهجتنا الفلسطينية العكّية، حيث يُلفظ حرف جيم الكلمة في اللهجة العكّية كالجيم المصرية، ولا من قرية أو مدينة فلسطينية أخرى تُلفط الجيم في هذه الكملة كما العكّيين، ولفظ الجيم بالمصرية يخص كلمة "عَجَل" لا غير، أي كل باقي الكلمات التي تحتوي على حرف الجيم، يُلفظ الحرف كما هو. إلا أن لفظ جيم الـ "عَجَل" في اللهجة الفلسطينية العكّية هو كما مفتاح لدولاب التاريخ، وارتباط مدينة عكّا بمصر تاريخياً وثقافياً وفنّياً حتى يومنا هذا، وحتى إن كان هذا الارتباط أقل وضوحاً من ما كان عليه قبل حوالي 183 عاماً.. حيث نعيش اليوم في زمن أُغلقت فيه الطرق بين فلسطين ومصر، وأغلقت الطرق البرية والبحرية بين عكّا ومصر.
عكّا على حائط الكرنك المصري
قبل أن نعود إلى عام 1831، علينا التطرق ولو سريعاً إلى الحقبة المصرية، حيث كانت عكّا إحدى المدن التي استهدفتها حملة الملك المصري سنوست الثالث (1878- 1843 ق.م)، إلى أن سقطت المدينة بأيديه ومن ثم تمردت على مصر، مما دفع برعمسيس في عام 1296 ق.م إلى تدميرها، لكن نظراً لأهمية المدينة البحرية، أعاد المصريون بناءها من جديد.. وجعلوها قاعدة حربية لفتوحاتهم في الشرق. (ماهر زهرة، عكّا أميرة البحر، الأسوار 1995)
عكّا الملجأ
حضور ملامح الثقافة المصرية في حياة العكّيين، غير محصورة على التواصل الثقافي والتجاري، بل هي ترتكز بالأساس على وجود العائلات المصرية في عكّا. فيذكر الكاتب والباحث العكّي ذا النون جرّاح في كتابه "بلدي وأهلي وأنا" (1997): "في سنة 1831 أرسل محمد علي باشا ابنه ابراهيم باشا إلى سوريا لاحتلالها. واستولى خلالها على عكا بعد حصار مرير في 27 مايس/ مايو 1832"، وكانت هذه الحملة التي قادها ابراهيم باشا على الشام الكبرى، كانت بذريعة ستة آلاف فلاحاً مصرياً كانوا قد هربوا من التجنيد في مصر ولجأوا إلى فلسطين. يقول ذا النون جرّاح على لسان المؤرخ الروسي "لُوْتسكي" في كتابه "تاريخ الأقطار العربية الحديث": "استخدم محمد علي هرب هؤلاء الستة آلاف فلاح مصري كذريعة للتمرد على السلطان في تركيا. وأصرّ محمد علي، على أن يتنازل السلطان له عن سوريا وفلسطين". ويضيف لُوْتسكي: "وفي هذه اللحظة هرب الستة آلاف مصري من مصر، ووجدوا ملجأ لهم في ممتلكات عبدالله باشا والي عكا. فطلب محمد علي من عبدالله باشا إرجاع الفلاحين إلى وطنهم قسراً. إلا أن عبدالله باشا رفض تسليمهم إلى باشا مصر، وأعلن بأن جميع السكان، بوصفهم رعية لعاهل واحد هو السلطان، يستطيعون العيش في أي مكان كان من الإمبراطورية العثمانية". وهنا أصل الحكاية.. لكن قبل ذلك، يجدر الإشارة إلى أن هذا المقال ليس تاريخياً ولن يسرد تاريخ عكّا عبر 1000 كلمة، بل ما ذكرته أعلاه هو قاعدة أساسية لارتباط المدينة البحرية التي أسسها الكنعانيون بمصر وتاريخها، وكيف لا زال يعيش هذا التاريخ بين أسوار المدينة حتى اليوم وإن كان مهمشاً، لكنه يعيش في أسماء العائلات العكّية، في بعض الكلمات التي تخص اللهجة الفلسطينية العكّية، في ذاكرة الناس وممارستهم الثقافية والفنّية، والتي جميعها هي نتاج تاريخ وناس أحضروا معهم مصر إلى عكّا.
"ولدك رايح على عكّا"
لنعود إلى الفلاحين المصريين الذين هربوا من التجنيد في عهد محمد علي باشا وحصلوا على ملجأ لدى والي عكّا عبد الله باشا، والذي بقي جزء كبير منهم في عكّا ولم يتركها، وقصتهم التي عُرفت، حلت لغزاً كبيراً في أسمائهم المصرية وطباعهم المصرية وبعض كلمات في لهجتهم من أصل مصري. (ذا النون جرّاح). بالإضافة إلى الفلاحين المصريين الذين بقيوا في عكّا، كان قد بقي قسم من الجنود والضباط المصريين وعائلاتهم في المدينة البحرية بعد انسحاب إبراهيم باشا من فلسطين. فمن العائلات العكّية والتي لا زالت في عكّا؛ المصري (وهنالك عائلتيّ المصري بلا صلة قرابة بينهما)، حيث كان "المصري" هو اللقب ومن ثم تحوّل إلى إسم العائلة، البلبسي، الديماسي، الجرّاح (الحجاز- مصر- فلسطين)، الأشقر، الشقيري، الشمالي والذي يعود أصلهم إلى الفيوم، قنديل، الشافعي، فودة، وغيرها من العائلات العكّية.
كيفك خيّا؟
بما يتعلق باللهجة الفلسطينية العكّية، وكما ذكرت مطلع المقال فيما يخلص الكلمة "عَجَلْ"، تشكل بعض الكلمات والأحرف رابطاً ما بين عكّا ومصر لاحتوائها على ملامح للهجة المصرية، وللعكّيين كلمات خاصة مثلاً كلمة "خيّا"، أي أخ عند المناداة، يشير ذا النون جرّاح في كتابه بأنها تحريف لكلمة "خُويَهْ" لدى المصريين. من الكلمات أيضاً التي كانت تستخدم أكثر في الماضي، مثل الكلمة "ضارباها" وكذلك "ماسكاها" وهي نفس الكلمات المصرية.
مصر المدرسة
الكثير من العكّيين ذهبوا إلى مصر للتعلم والدراسة، سواء ذهبوا إلى جامع الأزهر الشريف بعدما أكملوا دراستهم في المدرسة الأحمدية، أو أقبلوا على مدرستها الابتدائية، من هؤلاء الطلبة كان الشيخ أسعد الشقيري، مفتي الفيلق الرابع، والذي طلب الدارسة في مصر حوالي عام 1875 ودخل "رواق الشوام" وبعد أن أنهى دروسه في الأزهر عاد إلى عكّا. من الطلبة أيضاً الشيخ عبدالله الجزار، القاضي الشرعي ومفتي مدينة عكّا (1855- 1939)، اسمه الجزار لم يكن له أي علاقة بأحمد باشا الجزار، إنما حصل عليه لكونه منتمياً إلى جامع الجزار في عكّا.
أما على المستوى الفنّي، فكان قد درس الفنان الحيفاوي – العكّي صدقي شكري الموسيقى في "معهد الاتحاد الموسيقي" في القاهرة، التي وصلها عن طريق القطار منطلقاً من محطة حيفا، وكان قد امتحنه عند وصوله الفنان المصري ومدير المعهد إبراهيم شفيق، وبعد قبوله إلى المعهد، تتلمذ صدقي شكري على يد الفنان ومعلم العود جمعة محمد علي. خلال فترة دراسته في القاهرة، لم يتعلم صدقي شكري فقط الموسيقى إنما تعلم كلّ التفاصيل الفنّية التي تحيط في الموسيقى، بما في ذلك إنشاء الفرق الموسيقية وحضورها على خشبات المسارح وحتى زيّ الموسيقيين وإضاءة المسرح. وبعد أن أنهى دراسته بإمتياز، وبعد محاولات من قبل أساتذته في المعهد بأن ينضم إلى الهيئة التدريسية ويبقى في مصر حيث المستقبل الفنّي، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل أمام رغبة الموسيقي الفلسطيني بأن يعود إلى بلده. وحين عاد إليها، كان أول ما أقدم عليه هو تشكيل أول فرقة موسيقية له والتحضير لحفلة موسيقية كبيرة تقام في سينما الأهلي في عكّا يوم الثامن من يناير 1947، وصادف أن شهر يناير العكّي وقبل يومين فقط من حفلة صدقي شكري وفرقته، سوف يستضيف أيضاً كلّ من يوسف وهبي يوم السادس من يناير 1947 وفريد الأطرش يوم السابع من يناير 1947.
يقول مازن الكردي في كتابه "حياة فنان- سيرة حياة الموسيقار صدقي شكري" (1995) بوصفه لحفلة صدقي شكري في سينما الأهلي:"كانت هذه أول مرة يشاهد فيها الجمهور الفلسطيني مثل هذه الألعاب بالأضواء الملونة، وقد تعلمها صدقي من مشاهداته في كازينو بديعة وغيره في القاهرة"، ويضيف الكردي: "كانت هذه أول حفلة لطاقات محلية فلسطينية في المنطقة وربما في البلاد بأسرها، فقد كان إحياء الحفلات عادة مقصوراً على الفرق المصرية التي كانت تجوب مدن فلسطين وتقيم الحفلات المختلفة فيها". قبل الاحتلال الصهيوني عام 1948، كان في عكّا ثلاث صالات سينما؛ سينما الأهلي (خارج أسوار عكّا)، سينما البرج وسينما رويال التي تقع عند أقصى جنوب- غرب عكّا، كانت تعرض الصالات الأفلام العربية والأجنبية، وبالأخص الأفلام المصرية، وكانت تقدم سينما رويال أيضاً الحفلات الغنائية، حيث كانت إحدى نجمات هذه الحفلات هي صاحبة أغنية "يا ترى نسي ليه"، المطربة المصرية فتحية أحمد والتي لقبت بـ "مطربة القطرين" لسفرها بين مصر وبلاد الشام، وكانت لعكّا حصة كبيرة من هذه الزيارات الغنائية
.
مسافة السكة بين مصر وعكّا
لا زالت بعض المكتبات العكّية البيتية مليئة بالمجلات والجرائد والكتب كانت تصل إلى عكّا من مصر، منها جريدة "المقطم" اليومية السياسية (1888-1952) ومجلة "الرسالة" لمؤسسها أحمد حسن الزيات وكتب لطه حسين، توفيق الحكيم، أحمد شوقي وغيرهم.. سواء كانت تصل عن طريق البريد أو الوكلاء، فيُحكى عن شخص يدعى أسد بياعة من عكّا كان يستورد الكتب ويضعها في مكتبته. كما أهمية التواصل الثقافي، كان هنالك تواصل تجاري لا يقل أهمية بين عكّا ومصر، وبشكل خاص بين ميناء عكّا وميناء الإسكندرية، وبرغم أن حركة السفن بين المينائين توقفت، وللأدق تم إيقافها بعد الاستعمار الصهيوني على فلسطين، إلا أن هذا لم يمسّ الروح المصرية الموروثة التي تعيش في عكّا الفلسطينية، أو تلك الروح المكتسبة مع الوقت، سواء كان العكي ينتمي إلى عائلة ذات جذور مصرية أو لا، فجيم "العجل" لا زالت مصرية وعلى ألسنة كلّ العكّيين، وخيّا لا زالت مفتاح للتعرف إلى هوية العكّي أينما كان في العالم، وثقافة مقاهي الأراجيل حيّة ومنتشرة أكثر من أي مدينة أو قرية فلسطينية، والأهم هو حضور الذاكرة التي لم تؤثر عليها أي مرحلة تاريخية استعمارية في فلسطين وعكّا، حضورها في السؤال الأول الذي يستقبلني حين ألتقي بعكّي أو عكّية من عائلات مصرية الأصل، بعد عودتي من زيارة إلى مصر: "بتعرفي إنه أصلنا من مصر خيّتا؟".. وعَ الأصل دوَّر.

الجمعة، 21 فبراير، 2014

غربة «العكّاوي» في داره

رسم: أمل كعوش 

رشا حلوة
عُرف عن أهالي عكّا أشياء وعادات كثيرة تميزهم، منها ارتباطهم بالبحر، روح النكتة التي تغلب على حديثهم، لُحمتهم مع بعضهم البعض ومع المدينة، لهجتهم الخاصة والقَسم الموروث والحاضر على لسان كلّ عكّي، حين يقول: «وحياة غربتي!». كان الباحث الفلسطيني حسين لوباني قد دوّن في كتابه «معجم الألفاظ التراثية في فلسطين»: «العكّاوي إذا طلع برّاة السّور بيحلف بغربته». ويقول البوري وشبل في كتاب «عكا تراث وذكريات» (1994): «وحياة غربتي: يقولها العكّاوي إذا ابتعد 500 متر عن حدود مدينة عكّا، أو إذا صعد سطح البناية التي يسكنها».
لكن هنالك من لن يصعد سطــح البــناية التي يسكنها بعد، إثر انفجار لم تعرف أسباب حدوثه حتى الآن، في مبنى سكني قديم، ليلة السابع عشر من شباط، راح ضحيته خمسة مــن سكّانــه، هــم: محــمد بدر (43 عاماً) وزوجته حنان بدر (38 عاماً)، رايق سرحان (65 عاماً) وزوجته نجاح سرحان (51 عاماً) وابنهما نصر الدين سرحان (8 سنوات)، والذين برحيلهم المؤلم أصبح بإمكان العكّيين أن يقسموا «وحياة غربتي»، وهم داخل بيوتهم وفي زواريب المدينة.
لا حقائق واضحة تشير إلى سبب الانفجار الذي أيقظ المدينة. عكّا التي عُرف عنها أيضاً ذهابها إلى النوم باكراً، لم تنم في الساعات الأربع والعشرين التي تلت الانفجار، ولم ينم أهلها. لم يكن هذا هو توقيت البحث عن السبب، إنما كان وقت الحزن المحمّل بالغربة.. ووقت السؤال الواحد: «كيف يعقل أن نموت في بيوتنا؟ حين كنا نحميها ونحافظ عليها بأجسادنا..». هذه البيوت المهددة كلّ يوم بالسرقة، والتي كان أهلها ومفاتيحهم وتفاصيل البيت الداخلية والذكريات وأحاديث الجيران بين شبابيك البيوت هي فقط من يحاول أن يمسك حجراً آيلاً للسقوط، وأن يطرد الوحش ذاته المتربص عند عتبة البيت منذ أكثر من 65 عاماً.
الساعة السابعة صباحاً، ما زالت أعمال البحث عن ثلاثة مفقودين مستمرة، لم يكن سهلاً دخول المساعدات بداية إلى مكان الكارثة، حيث تركيبة عكّا وبيوتها، خاصة زواريبها التي لا يعرفها إلا من وُلد فيها. الكلّ يساعد بصمت، سلسلة بشرية ممتدة على طول الزاروب، سلسلة صامتة. المحال مغلقة. المدارس أعلنت إيقاف الدوام. الناس تمشي بصمت. «أول مرة بشوف عكّا هيك»، يصرّح العديد من أبنائها وبناتها وحتى من جاء من خارجها للتعازي والمواساة. كانت عكّا في هذا الصباح، المدينة التي تعيش بروح «قرية صيادين»، كأنها بحاجة إلى سبب للبكاء. كانت تبكي أبناءها. تبكي عليهم من الحزن والحسرة. كأنها تقول لهم: «إنتو البيوت، مش الحجر».
أثناء موعد الجنازة، عند الساعة الثامنة مساءً، تجمهر الناس داخل جامع الجزّار وفي ساحته، ومن بابه الخارجي إلى «البوابة الشرقية»، امتداداً على شارع صلاح الدين كلّه، من أهالي عكّا والقادمين من خارجها. عند تقاطع شارع جامع الجزّار مع شارع صلاح الدين، وقفت مجموعة من النساء العكّيات، وسألت إحداهن البقيـة: «فكــركو إذا صار خراب لا سمح الله عنا بالبيت بتفجر؟».. أجابتها الثانية: «لا خيتا، تخافيش». ستُعرف الأسباب بعد قليل، أو ربما لن تُعرف أبداً.. لكن ستعود عكّا لتواسي أبناءها كما اعتادت واعتادوا، منذ أن غنّوا لها: «واسي.. واسي.. واسي.. عكّا على راسي»، وستزيل عن جبينهم الخوف المؤقت، هي التي «لو بتخاف من هدير البحر.. ما سكنت جنبه».

الاثنين، 3 فبراير، 2014

في ذكرى رحيل الست



نحن الذين وُلدنا بعد 3 فبراير 1975، لم نعرف يوماً كيف كانت تفاصيل الحياة حين كانت أم كلثوم لا زالت تَتَنفس هواء هذا العالم. كيف كان يستقبل الناس أغنية جديدة؟ أو بثّ لحفلة ما عبر قناة تلفزيونية، أو حجز تذاكر حفلة؟ سمعنا عنها كلّها لكننا لم نعشها. ولهذا نعيش من جهة حسرة ما - من يحبّ الست طبعا - ومن جهة ثانية لنا متسع من الخيال، غير مرتبط بفترة زمنية ما، إنما مرتبط بما يفعله إرث أم كلثوم وما قدمته إلى هذه الحياة بنا، قبل أن تخسرها - جسدياً - بما يشكل الجسد ومعه الصوت من الحاجة الأولى لإستمرارية الإنتاج. هذا الخيال هو ليس أمر فردي تماماً، بالمطلق نعم، ولكن في سياق الست هو متأثر بموروثها الموسيقي. فهناك خيال وهناك خيال ورثناه من أغانيها، بل تعلمناه من بحرها،
فأصبحت معلمة الخيال الأولى. ولربما هذه هي حكمة الموت؛ يرحل الجسد ويبقى الموروث (الصوت والأغاني)، ملجأ البشر من الموت البطيء، والملجأ خيال.

السبت، 1 فبراير، 2014

اللهجات الفلسطينية


عندي سؤال مهم - أو حسب رأيي مهم - مين المسؤول عن ترسيخ فكرة إنه في فلسطين في بس لهجة عامية وحدة؟ وإنه نسي يقول بأنه لكلّ مدينة وقرية فلسطينية في لهجة إلها خاصة فيها؟ وإنه لما حدا من شفاعمرو بقول كلمة واحدة منعرف كلنا إنه من شفاعمرو؟ مما يدل على خصوصية لهجة أحل شفاعمرو يعني :)
يعني مثلاً، مثلاً، لكلمة "رصاصات"- رصاصات القلم يعني - في عَ الأقل 4 مفردات باللهجة الفلسطينية؛
فُطع، زبانات، بريات، قُزع. (شكراً أسماء عزايزة عَ المساعدة  :) ).
عشان هيك، ملاحظات أخيرة عن الموضوع:
- لما أي حدا بقرأ نص/ قصة قصيرة/ رواية لكاتب/ة فلسطيني/ ة فيه كلمات/ جمل بالعامية، يعرف الكاتب/ ة من وين عشان يعرف من أي بلد هاللهجة.
- يا ريت اللي بدو يعمل مسلسل عن فلسطين والقضية الفلسطينية يعمل دراسة عن اللهجات وينوّع. فلسطين ليست فقط الأراضي المحتلة عام 1967.
- يلعن سايكس بيكو والاستعمار وسنينه كلّها.
- عيب إنه الفلسطيني ما يعرف إنه في تنوّع لهجات. وإنه اللي خلقان في شمال فلسطين المحتلة، ويبتعد 15 كم عن جنوب لبنان، أكيد لهجته رح تكون قريبة من لهجة جنوب لبنان أكثر من جنوب فلسطين.
- لن ننسى "إسا" و "هلق" و "هسع" و "هلكيت" و "هسا".

الخميس، 30 يناير، 2014

قصص الطريق والراديو II

من يومين لاحظت إنه الموجة 103.9 إف إم بالراديو بتلقط إذاعتين ومش وحدة. من قبل كنت ألقط إذاعة "صوت الشعب" بالراديو على موجة "104 إف إم"، بس إسا أبصر شو تغيّر، الأثير نزل درجة. المهم، من يومين وأنا بالطريق من عكّا لحيفا والعكس صحيح، لاحظت إنه الموجة 103.9 بتلقط إذاعة "صوت الشعب" من بيروت وإذاعة "راية إف إم" من رام الله.. عظمة عَ الآخر. وفعلاً فش معادلة لإمتى بتلقط "صوت الشعب" و إمتى "راية"، بس بالنسبة إلي شغلة عظيمة.. إسا عادة الإعلانات والأخبار هي اللي بتخليني أعرف أي إذاعة لاقطة الموجة بهاللحظة، وكمان الأغاني.. اللي بسمع "صوت الشعب" بعرف إنه الأغاني شوية مختلفة عن أغاني الإذاعات عموماً (نو أوفينس راية :) ).. بس مرات حتى الأغاني بتسعفنيش بأني أعرف شو لاقطة هالموجة، خاصة لما تكون أغنية لأم كلثوم أو فيروز. لأنه فش معادلة هون، فش فئات بتسمع أم كلثوم وفيروز وفئات لأ. بالذات هني لكلّ الناس.
مبارح وأنا راجعة من حيفا لعكّا، شغلت الراديو على 103.9، وكانت بداية أغنية "إنتَ عمري".. وطبعا ما قدرت أعرف أي إذاعة هاي. وكنت مبسوطة إني مش عارفة. إلا لما وصلت على أول عكّا، بلشت تطلع أصوات ثاني على الأغنية، وتخرب عليها وعلى مزاجي.. وصارت كأنها طوشة، ووقتها عرفت مين الإذاعة اللي عم بتبثّ أم كلثوم.. بس ما كرهتش الإذاعة الثانية. عشان برغم كلّ إشي، عندي رام الله وبيروت بطريقي من عكّا إلى حيفا :).

لحظات سعيدة وأسئلة


من الأشياء السعيدة في حياتي، لما بشوف أبوي قاعد مع صحابه في البيت، السبب الأساسي إنه أبوي بكون مبسوط. السبب الثاني هو إنه صحاب أبوي هني صحابه من أيام الشباب، يعني تقريباً أكثر من ٣٠ سنة. وللحظات بقعد أفكر بالدنيا، وبكل عوامل التواصل بين البشر اليوم، وخاصة بين الأصدقاء.. كتير مننا عندهن أصدقاء وصديقات من خارج البقعة الجغرافية اللي عايشين فيها، حتى يمكن ولا مرة إلتقوا إلا بالانبوكس والواتساب والڤايبر والسكايب، وهني أصدقاء بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى. وللأسف، كتير مننا عندهن أصدقاء ساكنين ٢٠ دقيقة مسافة.. بس برضه بلتقوا ع الانبوكس وواتساب وڤايبر وسكايب.. والأكثر اللي بوجع هو السؤال: رح يبقوا أصدقاء بعد ٣٠ سنة؟

الاثنين، 27 يناير، 2014

عبر الخط الأخضر | التواصل بين فلسطيني الداخل والفلسطينيين في الشتات | www.ehna.tv

تستضيف الإعلامية أسماء عزايزة في حلقة جديدة من عبر "الخط الأخضر" مركزة مشروع حركة حق الشبابية في المؤسسة العربية لحقوق الإنسان الناشطة السياسية سمر عزايزة، والصحافية والمدونة رشا حلوة لتتحدث معهما أكثر وبعمق عن التواصل الفلسطيني الفلسطيني ما بين فلسطينيي الداخل والفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم.


الخميس، 23 يناير، 2014

قصص الطريق والراديو

من الأشياء السعيدة و/أو الموجعة؛ متل قبل شوي، وأنا سايقة بالليل من حيفا إلى عكّا، وأفتح الراديو على "صوت الشعب" وألاقي إنه الإذاعة عم بتبثّ مسرحية "غربة" (1976)، ويمكن كانت هاي أول مرة بسمع المسرحية صوت ومن غير صورة - بالبيت عنا كاسيت فيديو المسرحية، حفظتها من وأنا طفلة في أوائل التسعينات، وبالنسبة إللي إني أشوف المسرحية اليوم على اليوتيوب شغلة غريبة كتير- المهم، لما فتحت الراديو كانت المسرحية بالمشهد لما دريد لحام بكتب الرسالة على آلة كتابة - لذا وذموع ذموع -.. بعد شوي، أثير الراديو بنقطع، لأنه طلعنا من حيفا ووصلنا لمنطقة المستعمرات في الخليج ما بين حيفا وعكّا، طيب شو أعمل؟ بدي أسمع المسرحية. على طول بمسك تلفوني "الذكي"، وبفتح على التطبيق (الأبليكيشن) tuneIn Radio، وبشغّل "صوت الشعب".. برغم "الديلاي" بالصوت، بس في صوت.. والمسرحية شغالة.. وأول ما وصلت مشارف عكّا، طفيت "الأبليكيشن" ورجعت عليت صوت الراديو الأصلي.. وكان الأثير شغال وواضح والمسرحية كانت واصلة للمقطع لما "أبو الزلف" (دريد لحام) بتخانق مع نهاد قلعي، وبقول مع غصة:"أمانة يا حجة: قولي لغربة قتلتنا الغربة".

السبت، 18 يناير، 2014

بعض النقاط حول مخطط تجنيد الشباب العربي الفلسطيني المسيحي إلى جيش الاحتلال

بعض النقاط التي قررت مشاركتها هذا الصباح، حول مخطط تجنيد الشباب العربي الفلسطيني المسيحي إلى جيش الاحتلال، وما في هذا المخطط الصهيوني من رغبة لخلع هذا الشباب عن جذوره العربية والفلسطينية والاستمرار بأحد مشاريع الإستعمار الأولى إلا وهو "فرق تسد" لنيل مطالبه. بما في هذه النقاط من خوف وقرف في آن.
- ظهور صفحات جديدة (تأسست قبل يومين) تحت أسماء مثل:"شبيبة مش عارفة وين من - من أجل التجنيد إلى الجيش الإسرائيلي"، مرفقة بعلم إسرائيل والصليب. وعند زيارة هذه الصفحات بإمكان متابعة بعض الأصوات القليلة - ولا أقلل من أهمية العدد- في حالة طوشة مستمرة مع أصوات معارضة للمخطط (المضمون مثير وبرأيي يحتاج إلى دراسة). المهم هو أن ظهور مثل هذه الصفحات هي دلالة على الشعور بالأمان والحماية، وأن هنالك من يشجع عليها وبنفس الوقت حاسين إنه في ظهر وراهن.. وهذا بالأمر الجديد نسبياً والخطير.
- مؤخراً، امتلأت مواقع التواصل الإجتماعي بالحراك المعارض لمثل هذا المخطط، وحتى الآن لم يتخطى هذه المنصات، والتي تصب مقولته الأساسية في "إثبات" عروبة وفلسطينية الشاب/ة المسيحي/ة، من خلال مراجع تاريخية وكذلك حقائق حول هدم واحتلال قرى فلسطينية مسيحية وكنائسها على يد العصابات الصهيونية في العام 1948 وما إلى ذلك. برغم ما أراه من أهمية إزاء هذه الأصوات وضرورتها في هذه المرحلة، إلا أنها تخيفني قليلاً. تخيفني فكرة "الإثبات" هذه أو "التذكير" إن شئتم، خاصة حين تُكتب في غالبيتها باللغة العربية، فهي موجهة أولاً وأخيراً لبنات وأبناء شعبنا. يعني ياه.. يلعن أبو الوقت إذا صار لازم نثبت هالشغلة!
- مناحيم بيجن، الذي عمل على تأسيس "أرجون"- إحدى العصابات الصهيونية التي كانت من أشهر عملياتها الإرهابية هي مذبحة ديرياسين، هو عرّاب ياريف لافين (The Godparent)*.
- ملاحظة نقدية - لي أولاً: يلعن أبو الوقت 2 إذا صار لازم نستخدم مصطلح "أصوات معارضة" لوصف من يعارض المخطط الصهيوني، في حين أن الأكثر دقة هو استخدام مصطلح "أصوات معارضة" لمن يرغب ويعمل على تجنيد الشباب العربي الفلسطيني المسيحي إلى جيش الاحتلال، هم الاختلاف ونحن الأصل. وعَ الأصل دوّر.
...

البحر/ صابرين