الخميس، 16 أغسطس، 2012

قصص الطريق المخيبة


رنين
ركبت سيارة أجرة من رام الله إلى القدس، يقودها سائق في الثالثة والعشرين من عمره. كان لديه الفضول بأن يعرف من أين بلد أنا. "عكّا"، أجبته. رحبّ بي قائلاً:"أهلاً وسهلاً في مدينتنا". "من أين أنت؟" سألته. أجابني:"من هون، من القدس، أنا إبن البلد". كان على وشك أن يستمر في الحديث، لكن رنين هاتفه النقّال أوقفه، كان رنين هاتفه النقّال عبارة عن أغنية باللغة العبرية.

لماذا؟
في الباص الذي إنطلق من الناصرة باتجاه عمان، كان عدد الركاب قليلاً. في المقاعد الأمامية كانت تجلس بعض النساء كبيرات السّن. أحدهن سألت السائق:"روتسي كافيه؟"*. "تودا"**، أجابها. من ثم سألته:"تودا كين، أو تودا لو؟***.. ليش ما بدك قهوة؟ قهوة عربية!".

السادسة والنصف
أثناء التحضير لملف "أم كلثوم" في "قديتا"، احتفاءً بمرور 113 عاماً على ذكرى ميلادها. أخبرت أبي عن الملف. قاطعني ليحدثني عن ذكرياته مع "ثومة" في عكّا. أخبرني أن قبل سنوات عديدة، وفي الساعة السادسة والنصف من كلّ مساء، حين كان يمشي في البلدة القديمة، كانت الشوارع صامتة، إلا صوت "أم كلثوم" يُسمع من مذاييع البيوت التي تبث أغانيها كلّ مساء من "صوت إسرائيل باللغة العربية".


مقارنة
في الباص ذاته، الذي ذهب من الناصرة إلى عمان، كان طالباً فلسطينياً يتحدث مع النساء كبيرات السّن عن عمان، هو الذي يعيش فيها منذ فترة بسبب دراسته الجامعية. مجموعة النساء لا تحب عمان، تعتقد أنها مدينة ليست جميلة. لكن الشاب صغير السّن أخبرهن إنه يعرف عمان جيداً، وأكد لهن أنها مدينة جميلة لكنها ليست مثل "إسرائيل"، وأضاف:"عنا في إسرائيل مثل أوروبا". 


* "روتسي كافيه": هل تريد قهوة؟ 
** "تودا": شكراً.
*** "تودا كين، تودا لو؟": شكراً نعم أم شكراً كلا؟ 

الاثنين، 13 أغسطس، 2012

تونسي (الحلقة الأولى)



لم أعرف ماذا سأكتب عنها. وفي كلّ مرة أردت أن أبدأ بالكتابة، كنت أشعر أن المهمة باتت أصعب. قبل أيام قليلة، وبلا سبب واضح، فتحت موقع "اليوتيوب" وبحثت عن الفيديو الذي يوثق الرجل الذي صرخ على مدار 3 دقائق في شارع "الحبيب بورقيبة" مونولغاً عن الحرية أجمل من أي نصٍ مسرحي حقيقي كُتب. كأنه صرخ كلّ الأصوات التي عاشتنا في 14 يناير (جانفي) 2011؛ "إتحررنا".

لربما كان السبب الذي حرك رغبتي بأن أشاهد الفيديو بعد غياب طويل عنه هو البحث عن معالم شارع عرفته، وكأني أردت أن أتأكد بأني الآن أعرف أين أطلقت الصرخة. كان هذا الرجل العظيم يصرخ في شارع "الحبيب بورقيبة" وأمام "نزل الهناء"، النزل الذي فوق سطوحه يتواجد البار الأول الذي سهرت فيه حين وصلت يوم الأحد السابع من تموز (يوليو) إلى تونس، والذي يطلّ على المدينة التي أتقنت الإستقبال. 

زيارة إلى البيت
لم يهمني يوماً أنا أمارس السياحة التقليدية في بلد أزوره لأول مرة، أخاف دائماً على العلاقة الأولى التي أبنيها مع المدينة، وأؤمن بأن للمدن طريقتها الخاصة بإستقبال الزائرين.. بلا تخطيط مسبق. كان ولا زال هاجسي الدائم أن أكسر هذا الحاجز الذي فُرض عليّ، علينا، على الطبيعية البشرية الأولى؛ أن الأرض هي مكان بلا حدود.. ولنا القدرة على التنقل فيها كيفما ومتى نشاء. أنا لست بسائحة في تونس ولا في أي مكان آخر. "أنا إبنة هذه الأرض". بلا أن تحمل هذه الجملة من معانٍ رومانسية مبتذلة. ببساطة فكرة أنه لو لم يكن هنالك احتلال، كان بإمكاني مثلاً أن اختار دراستي لتكون في تونس وأقرر فيما بعد أن أستقر بها. لماذا تأخرت في زيارتها؟ أو لا أحبّ كلمة "زيارة". بلّ لماذا تأخرت في أن أعيش تفاصيلها اليومية على مدار ثلاثة أسابيع مكثفة؟

اعتمدت سياحة الأصدقاء. واعتمدت تلقائية برامجهم اليومية لتحتويني. فأصبحت الشوارع مألوفة، وأصبحت قادرة على الوصف لسائق التاكسي كيف يصل إلى عنوان ما. وكم من الوقت ستأخذ المسافة ما بين وسط المدينة في تونس العاصمة وبين المرسى. وأحياناً لم أحتاج إلى تاكسي كي أصل إلى مكان مقصود، فدروس الحبّ المكثفة لمدينة ما تتضاعف حين تتأملها مشياً على الأقدام.

عن شبه الأغاني
في إحدى الليالي، كنا نجلس أنا وصديقين في بار JFK، أحد البارات الأولى التي زرتها واعتمدت زيارتها بإستمرار، هو مكان صغير ومظلم قليلاً، لكن هو من تلك الأمكنة التي حين تدخل إليها لأول مرة ترى وجوهاً وتسمع موسيقى وتشم رائحة تعرفها تماماً. هو من تلك الأمكنة التي تشبه بارك المفضل في حيفا، لربما سئمت من التوافد إليه بإستمرار، لكن كيف نهرب من "البيت"؟ في تلك الليلة كان أحدهما، مروان، يغني لنا أغاني الشيخ إمام ومن ثم سيد درويش ونغني معه، لتثبت لي تونس من جديد شبهها في فلسطين، لا على مستوى التضاريس والبحر والأكل فقط، بل أيضاً على مستوى الأغاني التي تُغنى بأصوات لا شرط أن تكون جميلة، لكنها تُغنى في البارات، بلا أن يأتي النادل ويطلب منا أن نخفض أصواتنا، كلّ شيء متاح في جمهورياتنا الصغيرة التي نختارها ونحبها. في ليلة أخرى، كنا نجلس مجموعة أكبر من الأصدقاء، نغني أنا وصديق فلسطيني من غزة ويعيش في تونس أغاني التراث الفلسطيني والتي تحتوي على حوار مع "الله"، عندها فجأة بدأ صديقي السوداني طلال بغناء أغنية "يا حرام الكفار" للموسيقي الفلسطيني  الشاب، إبن الناصرة، جوان صفدي. فجأة نظرت إليه بإستغراب:"ربّك! كيف وصلت هذه الأغنية من وسط حيفا إلى السودان؟".. لا أجوبة على أسئلة كثيرة، هي فقط "روح العالم".


التفاصيل
في أحد بيوت الأصدقاء، وبعد وجبة العشاء وزجاجة بوخة تونسية، قررنا أن نسمع الموسيقى، وكانت اللعبة كذلك: كلّ منا بإمكانه أن يضع أغنية وحدة وحين تنتهي يأتي الآخر ويضع أغنية ثانية، الساعة تدور – والأرض كذلك- ونحن نسمع الموسيقى ونرقص. حين وصلت القائمة إلى أغاني المزود التونسية، قرر الأصدقاء أن يعطونا – أنا وصديقتي السورية- دروس في رقص المزود التونسي. هي معادلة المنطقة إذاً. الرغبة بالرقص وإتقانه تماماً. في منتصف الدروس التلقائية رنّ هاتفي، عند الساعة الحادية عشر ليلاً، كانت صديقتي بديعة على الخط الثاني:"خيام وصل تونس من لندن". خيام صديقنا العراقي والمقيم في لندن يصل تونس. نعم كهذا، هو منطق لا يفهمه أحد إلا الصداقة، حين يجتمع الأصدقاء من كلّ أنحاء الأرض في مكان واحد بلا مواعيد مسبقة. فتُصبح المدن أجمل.

وتصبح المدن أجمل حين ممارسة تفاصيل الحياة بأكملها فيها، في المدن التي نزورها للمرة الأولى لا يكون عادة مكان للحزن، لكن حين تصبحين "إبنة المدينة" تماماً، لتتأكدي أن حاجز السائحة قد إنكسر منذ اللحظة الأولى، يحدث هذا حين تكونين حزينة. لا لأنك ستودعينها بعد أيام، بل لأن الحزن وجد مكاناً مريحاً إضافياً يفرش سجاده عليه.. ويؤكد لك بأنك "لست مسافرة".
يُتبع..




الجمعة، 3 أغسطس، 2012

محطات تونسية

أعيد النشر هُنا كافة الستاتوسات التي كتبتها عبر صفحتي الفيسبوكية أثناء زيارتي الأولى إلى تونس.
8 تموز/ يوليو 2012.
صباح الخير.. إحنا في تونس.

10 تموز/ يوليو 2012.
(ب) تونس بيك.

10 تموز/ يوليو 2012.
سهرة تونسية مصرية وفلسطينية في المرسى :) #العالم_الصغير

10 تموز/ يوليو 2012.
عكّا حاضرة في كلّ مدن البحر. سيأتي اليوم الذي يصل التونسي إليها عبر السفينة ويكتشف بأني على حق.

11 تموز/ يوليو 2012
لا دروس في حبّ تونس، بل هو موروث.. لأنها على علاقة رحم مع أبناء وبنات أختها فلسطين.

12 تموز/ يوليو 2012
عكّاوية وإسكندراني ماشيين في شارع تونسي، فجأة شموا ريحة سمك.. وحسوا إنهن بالبيت.

13 تموز/ يوليو 2012
لا مرآة لدي، لكني أتأمل تفاصيل وجهي في المطار.

14 تموز/ يوليو 2012
القاهرة علمتني الحياة، وتونس تعلمني تفاصيلها.

14 تموز/ يوليو 2012
رايحة أحضر حفلة مرسيل خليفة والميادين في قرطاج. مش عشان مرسيل، عشان فكرة إني أحضر حفله إله مع توانسة. وعشان أسمع وأغني معاهن أغاني بتأكد من جديد قديش إحنا منشبه بعض. #تسقط_كلّ_الحدود

14 تموز/ يوليو 2012
أشار صاحب مصنع بيرا "سلتيا" - البيرا التونسية المحلية- أنه "مش ملحق على المبيعات"، وذلك بعد إرتفاعها بنسبة 70% في هذا العام. تحيا الشعوب، ولتسقط الفاشية الدينية.

14 تموز/ يوليو 2012
صديق تونسي يبلغني تعليقاً على ستاتوسي الأخير، بخصوص "سلتيا"، أن في عصر "بن علي" كان من المستحيل أن تنتهي البيرا من المخازن. أما في هذا الوقت يحدث كثيراً أن تنتهي البيرا من أكبر مخازن "سلتيا" في تونس العاصمة.

15 تموز/ يوليو 2012
لا نعيش مدناً مؤقتة. ولا هنالك ما يُسمى بالذكريات، نحن من يخالف القوانين الموروثة للحبّ. كلّه يبقى حيّاً حين ندرك واقع العودة، لا الحُلم فقط.

15 تموز/ يوليو 2012
بالأمس، في حفل مرسيل خليفة في قرطاج.. كان الجمهور التونسي هو الحدث. كان الكورال لكلّ الأغاني، بل كان المغني الرئيسي لأغاني لربما كانت لفلسطين فقط، أما اليوم.. ومنذ بداية الثورات.. أصبحت لكلّ ثائر على هذه الأرض. حتى أغنية "جواز سفر" الذي أهداها إلى فلسطين، أصبحت لكلّ بلد عربي.. فلتسقطوا عن كلنا جوازات السفر.

16 تموز/ يوليو 2012
بيجمعنا حبّ البلاد، وغربتنا فيها بنفس الوقت.

16 تموز/ يوليو 2012
أصدقائي الفلسطينيين اللي عشتوا في تونس، إسا فهمت كلّ هذا الحبّ في بلد كلّ شخص فيه يعشق فلسطين. سلام وتحية إلكم من هون..

18 تموز/ يوليو 2012
قد ما مناخ وتضاريس تونس بشبهوا فلسطين، لوّ فلسطين لم تُحتل كانت اليوم مثل تونس.

21 تموز/ يوليو 2012
ليش ما فينا نجمع كلّ الناس اللي منحبها بمكان واحد؟ وقتها ما رح نحتاج فيزا وتذاكر طيارة وما حدا رح يضطر يتحمل منع السفر.. أو حتى فكرة إنه ممنوع من زيارة مكان ما من قبل ولاد الكلب.

23 تموز/ يوليو 2012
يمكن الحياة عم ترجع لورا، بس الأكيد إنه مهما رجعت لورا، الناس معدتش تسكت على حقها ولا تخاف. #الثورة_مستمرة

25 تموز/ يوليو 2012
من أغرب المواقف في تونس: كنت أنا وصديقتي منشتري خضراوات من سوبر ماركت في تونس، وكانوا مشغلين شي أغنية "هشك بشك".. فجأة لما خلصت الأغنية إجت جملة؛ "موقع بانيت" :)

25 تموز/ يوليو 2012
التوانسة لما بدهن يقولوا "سافرت" بحكوا "مشيت"، وعادة الإنسان بمشي مسافات قصيرة.. تونس تعلمني أن كلّ المسافات قريبة. #تسقط_الحدود

27 تموز/ يوليو 2012
باردو؛ حين تكتشفين أن كلّ الآلهة تسكن تونس.

27 تموز/ يوليو 2012
الحدود جريمة، على الأقل أنا متأكدة بأني ورفاقي لن نغفر لها.

28 تموز/ يوليو 2012
من زمان كنت أقول "نيال اللي عنده بلد"، بس لما كبرت إكتشفت إنه البلد مش بس جغرافيا، البلد هو الأصدقاء اللي منختارهن على هذه الأرض، وهم بختارونا.

30 تموز/ يوليو 2012
عذراً، ولكن وطني حقيبة وصديق وكأس نبيذ وأغنية وسهرة عند ساحل قرطاج وستيلا في الاسكندرية وعازف عود مرّ قليلاً على ليلتنا وبكاء مشترك مع صديقة سورية ووجبة سمك وكأس عرق في بلد لا يصنعه وكأس بوخا وصوت صديقتي تغني فيروز وصورة في الشارع وكعبة بيرا وقُبلة وحلم عن زيارة بيروت وجسد وياسمين وبائع فل في شارع "الحبيب بورقيبة" ورسالة تصلك عبر الإنبوكس وكأس شاي في التكعيبة وكأس ويسكي مع أصدقاء في بيت في اللويبدة ومقطع من أغنية لأم كلثوم يرسلها حبيب قديم ودموع أمي حين تشتاق لي وسؤال عادي لشخص أحبّه وطبخة مقلوبة أجهزها في بيت نرمين في القاهرة وحزن مزمن وسهرة فوق السطوح في بيت تونسي يشبه بيوت الرفاق في حيفا.. وأنا مسافرة.

31 تموز/ يوليو 2012
لم أعتاد أن أمارس السياحة التقليدية حين أزور بلد ما لأول مرة، بل الأهم هو أن أكسر حاجز السائحة مع مدينة تشكل جزءاً من جسدي الذي قطعوه يوماً ما واليوم يعيد تركيب نفسه رغماً عن أنف الغاصبين. كسر حاجز السائحة هذه لا يمكن أن يحدث بلا عيون أهل البلاد؛ الأصدقاء والصديقات في تونس بالرغم من "أني لم أسمع عاشقان يقولان شكراً"، لكن شكراً على هذا الإحتضان والمشاوير والبيوت والدفء والحبّ والصياعة في الشوارع والسهر والموسيقى والقصص التي لا تنتهي والثورة المستمرة.. لنا لقاء قريب. بصحتكم.

1 آب/ أغسطس 2012
كمان شوي، ما رح نضطر نسافر عبر الجوّ ونوقف محطات في مدن أخرى حتى نوصل من ساحل تونس إلى ساحل فلسطين، كمان شوي رح نصير نقدر نسافر عبر البحر من مدينة بحرية إلى مدينة بحرية أخرى.. بعد قليل.. صباحك خير يا حيفا.


البحر/ صابرين