التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ماكينة الموت


شاهدت بالأمس لأول مرة (متأخر أحسن من ولا مرة)، فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind، من إخراج الفرنسي ميتشل غوندري، بطولة جيم كاري وكيت وينسليت والحائز على جائزة الأوسكار في العام 2005 عن أفضل نص سينمائي.
لن أتحدث هُنا عن روعة الفكرة والفيلم والدور الذي قام به جيم كاري ضارباً بعرض الحائط كلّ الأدوار الساخرة التي قام بها، ليقوم بتقديم الدور الأجمل على الإطلاق، حسب رأيي، في تاريخه السينمائي.
الفيلم بعد مشاهدته، حملني إلى تساؤلات عديدة؛ حول الذاكرة الحلوة والبشعة منها، وحول قدرتها - قدرة العقل ربما - وبسببها نستطيع أن نمضي قدماً بلا الالتفات إلى الوراء، حتى إلى ذكريات جميلة، لأن ربما الذكريات الحلوة لا تستمر، أو نصاب بالملل من الروتين، أو ببساطة لأننا نخاف أنّ لا نعيشها مرة أخرى.
شعرت أنّ "ماكينة محو الذاكرة" هي كناية عن الموت، الذي نمرّ من خلاله بعملية محو لكلّ الذاكرة، ونعود إلى الحياة بأجساد ووجوه مختلفة، إلا أنّ الروح لا يمكن تبديلها أو تشويهها.
فمثلاً، نتعرف إلى شخص جديد ونقابله صدفة، فنشعر بأننا قريبان لمجرد الحديث للمرة الأولى أو بسبب الإهتمامات المشتركة، والحديث هنا لا يدور فقط عن اللقاءات وجهاً لوجه، المساحة الافتراضية ساهمت بمنصات تعارف أخرى. أو مثلاً أثناء مشينا في شارع ما، تمرّ بجانبنا سيدة.. فجأة يأتيك شعور بأنك تعرفها. أو مثلاً حين تدخل بيت لصديق للمرة الأولى، تشعر بأن المكتبة هي ملكك، أو كأنه استعار الاسطوانات الموسيقية منك، إلخ.. وأحياناً، حين تحبّ؛ ألا يأتيك اليقين، غير المبتذل، بأنك تعرف حبيبتك منذ 30 سنة مثلاً؟
هذا ليس ستاتوس عن "تناسخ الأرواح"، ولا لدحض فكرة "الجنة والنار" - مع أني كنت بحبّ أعمل هيك- ولكن صدقاً، هي أفكار أعيشها دوماً وأثارها الفيلم من جديد بذكاء. وهي تقدير للروح، التي لا يمكن أن تنسى حتى وإنّ حاولت الطبيعة، ولا أنّ تموت بمجرد تعب الجسد أو قتله، فلا يمكن أن تكون حياتنا بهذه التفاهة التي يحاولون تسويقها للسيطرة عَ البشر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …