التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصتي مع فيروز


في العام 2007، أقامت فيروز حفلين في عمّان. كنتُ في زيارة هناك آنذاك، لكني لم أذهب إلى أي منهما؛ صراحة لا أذكر اليوم تماماً الأسباب التي كانت أقوى من أن تجعلني أحضر حفلة لفيروز، لكني أذكر بأن تذكرة الحفلة كانت أكثر مما يتحملها مصروف طالبة جامعية تعمل وتدرس.
المهم، بعد أن انتهت حفلتها الأولى، هاتفتني صديقة فلسطينية ذهبت لحضور الحفل، وأخبرتني أن فيروز في طريقها إلى فندق فلان (لا أذكر إسم الفندق الآن ولا هو محفوظ في ملف التحرير)، وطلبت أن أسبقها هي وصديقاتها إلى هناك كي نرى فيروز!
أذكر بأنها هاتفتني أثناء ركوبي تاكسي بعد سهرة مع أصدقاء، لكني على الفور طلبت من السائق بأن يأخذني إلى فندق فلان الفلاني.
وصلت قبل صديقتي وصديقاتها. لم يتبقى معي رصيد في هاتفي النقال لإبلاغها بوصولي. فانتظرت مدة 45 دقيقة عند باب الفندق. بعد 45 دقيقة، وصل عدد من السيارات إلى الموقف. وعدد كبير من رجال الأمن أحاط إحدى السيارات، ومنها خرجت إمرأة قصيرة القامة ترتدي جاكيت باللون البُني المحروق ونظارات شمس (بالرغم من أن الوقت كان بعد منتصف الليل).
على الفور أدركت أن هذه المرأة هي السيدة فيروز (لم يكن الأمر يحتاج إلى نسبة عالية من الذكاء، لكن لكم أن تتخيلوا حالتي أول ما شفتها).
تدخل الدائرة من باب الفندق، باتجاه الإستقبال ومن ثم باتجاه المصعد. وأنا أمشي باتجاه الدائرة.. لمحني أحد الرجال وأشار لي بيده بالابتعاد. نظرت إليه نظرة المسكينة التي سافرت مسافة 5 ساعات كي تصل إلى هنا لكي تحضن فيروز أو تضع يدها بيدها.. وبالآخر فش حدا هون غيري يعني! لكنه نظر إلي نظرة "والله مش بإيدي وبدفعولي مصاري على هالإشي"، ولم يقل شيئاً. بس أنا فهمت عليه.
بعدما دخلت السيدة فيروز المصعد، وعدت إلى الكنبة مكسورة. لمحت صديقتي وصديقاتها يركضن إلى داخل الفندق. قلت لهن على الفور:"تأخرتوا".
لكن لم تكن "نطرونا كثير" هي أغنية الخلفية. وبالرغم من أني لم أذهب إلى حفلها، وأخبروني بأن أذهب لرؤيتها في فندق فلان، وبالرغم من أني لم أحضنها.. لكنها كانت على مسافة حُضن، وإن أحاطها رجال الأمن.. لكني رأيت فيروز. رأيت فيروز.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عن متحف "أم كلثوم" في القاهرة: يُعرف المرء في عصره، بحبّ الناس فقط

القاهرة – رشا حلوة زرت القاهرة مرات عديدة، وزياراتها كانت طوال الوقت عبارة عن مطلّ على الحياة فيها، وخاصة حياة ناسها، لإيماني أن المدينة هي "حاجات كتيرة" ممزوجة بتفاصيل سكانها. كانت زيارتي لمواقع تاريخيّة وأثريّة مرافقة بكثافة للزيارة الأولى مع عائلتي في العام 1995، ومن بعدها، كانت الشّوارع، قصص الناس وأحاديثهم، المقاهي والبيوت، بمثابة شبابيك واسعة لمعرفتي عن هذا البلد.

خلال زيارتي هذه إلى القاهرة في ربيع العام 2014، قررت أن أذهب إلى متحف "أم كلثوم"، الموجود في شارع "الملك الصالح" وفي جزيرة "المنيل روضة" في النيل، والمتحف هو أحد مباني "قصر المانسترلي"، والمنطقة معروفة أيضًا بإسم "المقياس"، لوجود مقياس النيل الشهير، حيث كان يُستخدم لقياس منسوب نهر النيل. مساحة المتحف هي عبارة عن 250 مترًا، وكانت قد فتحت أبوابه وزارة الثقافة المصريّة في عام 1998، على أن يكون متحفًا "يليق بعطائها، يحمل اسمها الخالد، ليصبح منارة إشعاع فنّيّة وثقافيّة".

قاعات المتحف ومضمونها في المتحف، ثلاث قاعات أساسيّة، الأولى هي التي تحتوي على فاترينات ت…

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …

بيوتنا اللي معنا

كنت كتبت عن هاد الشرشف (اللي بالصّورة) من شي سنة وشوي. هاد كان في بيت بحيفا، بشارع الجبل، نقلنا عليه أنا وأختي سنة 2015. وقتها لقينا أغراض كثير تاركينها صحاب البيت، منهن هالشرشف، الإشي الوحيد اللي خليته من أغراضهن. 
ليش؟ لأنّه حلو، ولأنّي فجأة لقيت إنه الماركة لسّه عليه، مكتوب عليها "دمشق - سورية". وقتها قررت وكتبت، إنّي رح أحمل هالشرشف معي وين ما أروح بالدّنيا. نقلته معي من هداك البيت اللي بشارع الجبل بحيفا، لبيت ثاني بشارع الحمير بحيفا، وبزيارتي الماضية لفلسطين، جبته معي لألمانيا. دفيت فيه تختي اللي ببرلين، وقررت أحمله معي لهاد الشّهر لشتوتغارت.

بتدوينة "دمشق في بيتي" اللي كتبتها في آذار/ مارس 2016، قلت: "رح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.".

اليوم، ومن خلال أصدقاء سوريّين وصديقات سوريّات ببرلين، قادرة كتير مرات أطلّ من خلالهن على دمشق، من قصصهن وذكرياتهن، مرات بروح رحلة لهناك، وكل مرة بحسّ إنّي بعرفها أكثر.

رح نضل نحمل بيوتنا معنا، لكل البيوت اللي جاي، هيك منضلنا دافيّ…