التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحد أطفال "كفرون"؛ يزن أتاسي: "نحنا ما منشبه بعض"



حاورته: رشا حلوة
كان ذلك في العام 1990، حين قال له والده: "بدنا نروح مشوار"، لم يخبره إلى أين، "كنت رفيق أبي كتير وأنا وصغير، بروح معه على الشغل، وقالي رايحين مشوار، وبشكل طبيعي ركبنا بالسيارة، وصلنا على مكان قريب من مدرستي وفتنا على بناية، بكتشف بعد ما فتت إننا وصلنا على مكتب دريد لحّام"، يقول الفنان السوري يزن أتاسي في حوار خاص لمجلة "الحياة"، أجريناه عبر السكايب. ويزن أتاسي (1980) هو أيضاً "وسيم"، أحد الأطفال الذين مثلوا أدوار البطولة في فيلم "كفرون" لدريد لحّام، الذي سيتمحور معظم حديثنا عن تجربته فيه، التجربة الشخصية والفنّية لطفل في فيلم سوري، قبل 24 عاماً، كان لها أحد التأثيرات الكبرى على جيل كامل عاش طفولة التسعينيات.

"هنالك معرفة بين دريد وأبي"، يقول يزن، "بس أنا انسطلت، لأنه أول مرة بحياتي بشوفه وجهاً لوجه، هني بحكوا وأنا مسحور لأني قاعد قدام غوار الطوشة!". بعدها خرجا من المكان، لا يذكر يزن الحديث الذي دار بين والده ودريد لحّام، ويعتقد أيضاً أنه كان قد قابل أخته نور أتاسي قبله، وهكذا وقع القرار على كليهما للمشاركة في الفيلم"، وأضاف: "ما بتذكر إنه كان شي بشبه الكاستينج!".
"الفيلم طفولي وبشبه الحلم"
تزامن تصوير فيلم "كفرون" مع موعد المدرسة، "كنت بوقتها بحب المدرسة، بعدين بطلت"، يقول يزن. ويضيف: "بتذكر إنه أهلي حكولنا إنكو بدكو تصوروا فيلم. وفي مرة اجتمعنا وطلعنا لضيعة برا الشام، بريف اللاذقية اسمها ضيعة القصب. بتذكرها منيح، الضيعة كانت صغيرة ونائية بس طبيعتها ساحرة". كان المبيت خلال الفيلم في فندق بمدينة اللاذقية، وعند كل صباح يتوجه طاقم الفيلم إلى ضيعة القصب.

لم يكن اللقاء الأول مع باقي الأطفال الممثلين في ضيعة القصب، إنما كان خلال تصوير أول مشاهد الفيلم في بحيرة بلوران (داخل جبال اللاذقية)، حيث صورت فيها إحدى أغاني الفيلم، وهي أغنية "زينوا المرجة". يقول يزن: "لكن الأغاني هي مو بأصواتنا، يمكن بس دريد لحّام كان صوته، الأغاني كانت كلها مسجلة، لأنه قبل ما نروح على التصوير، إجانا كاسيت فيه أغاني مسجلة لحتى نحفظهن منشان التصوير". وفي حديثه عن أجواء التصوير، يقول إنها كانت "مسلية وسعيدة"، ويضيف: "ولا يوم حسيت حالي متوتر.. الحالة كانت كلها لطيفة، الفيلم طفولي وبشبه الحلم. كأنه هدول الولاد البسيطين اللي بقدروا يعملوا أشياء كتيرة وبقدروا يكونوا كل حدا."
"في شي ببرق بالعيون"
أثناء العمل على الفيلم، حين كان يزن أتاسي في ربيعه العاشر، لم يكن يتوقع انعكسات "كفرون" القوية على شريحة كبيرة من الأطفال، الذين حضروه لربما يومياً على مدار سنوات، ولم يكن يعرف أيضاً حجم مشاهدته. وبعد سنوات كثيرة، وحين كان يصادف أتاسي أحد مشاهدي الفيلم القدامى ويتعرف إليه، "بتشوفي شي ببرق بالعيون"، ويضيف: "مع السنين، اكتشفت مدى تأثير الفيلم على كل من شاهده."

بعد الانتهاء من تصوير ومونتاج "كفرون"، أقيم العرض الاحتفالي للفيلم في سينما الشام في دمشق، بحضور شخصيات شهيرة ومعروفة وإعلامية، لكن لم يشعر عندها يزن أتاسي، كطفل، بشعور خاص وسط كل الحضور المميز، ويضيف: "لكن اليوم الحلو كان لما رحنا نشوف الفيلم بالسينما مع الناس، هاد اليوم كان فظيع، لأنه بتشوفي العالم العاديين واللي أكترهن ولاد وعائلات، والناس طالعة مبسوطة لأنهن شايفيين شي كتير حابينو". وبعد عروض الفيلم في دمشق، تم استضافته في مهرجان القاهرة السينمائي لأفلام الأطفال، سافر طاقم "كفرون" إلى مصر، إذ شكّلت هذه الاستضافة انكشافاً أوسع للفيلم، عن هذا يقول أتاسي مبتسماً: "الاكتشاف للصحافة كان كبير، صار عنا مواعيد معها، كل واحد طول الكرسي وعنا مواعيد مع صحافيين، وناس تيجي تسأل وتحكي معنا ويوصورونا! وإحنا يعني بمحل تبع إنه شو كله هاد؟".
لقاء في بيت دريد لحّام
منذ أيام تصوير "كفرون" وحتى يومنا هذا، لا زال يزن أتاسي، والمقيم اليوم في الإمارات، على علاقة مع بعض الأطفال الممثلين الذين شاركوا في الفيلم. فتربطه حتى يومنا هذا صداقة مع علاء رشيدي، والذي أصدر قبل فترة مجموعة قصصية تحمل اسم "اللعبة الأخيرة قبل فرض القواعد". "بعدو لليوم رفيقي"، يقول أتاسي. كذلك، هنالك تواصل مستمر مع الباحث التاريخي سامي مبيض، وفواز الخجا (جابر). وفي العام 2009، التقى جميعهم بالإضافة إلى أخته، نور أتاسي، في بيت دريد لحّام. أما "زينة" (شذى نحّاس)، فلا أحد يعرف أخبارها اليوم. يقول يزن: "شذى كانت أصغر مننا بكتير، وما حدا قدر يتواصل معها من هداك الوقت، لأنه مثلاً أنا وعلاء بنفس الجيل ولهيك صرنا رفقات."

"بلادنا صارت مقبرة"
يعمل يزن أتاسي اليوم منتجاً لبرنامج أطفال، يكتب السيناريو ويقيم في دبي. كتب سيناريوهات لبرامج ومسلسلات أطفال تلفزيونية عديدة، منها مسلسل لـ "الجزيرة أطفال"، ويعمل الآن منتجاً لبرنامج أطفال مخصص للأطفال السوريين بعنوان "يلا نحلم".

في إجابة عن سؤالنا حول الأزمة التي يعيشها فنّ الأطفال اليوم مقارنة بالثمانينيات والتسعينيات، والمربوطة عموماً بأزمة الفنّ في المنطقة كلّها، قال يزن: "كان وقتها في عالم فعلاً عم تعمل فنّ، بعز الحرب كان في ريمي بندلي، هي جزء من طفولتي كتير كبير، بأحلك الأوقات كان في شي حقيقي. بعدين طلع في نفط وبترول، هاي المشكلة، صار كل التوجه تجاه المصاري، صارت المشاريع تجارية والقنوات تجارية والإنتاج مكلف، فأسهل تجيبي إشي مجهول من برا وتدبلجيه، بالإضافة إنه عنا نقص بالخبرات". وتابع أتاسي: "في أشياء ما عادت تطورت مثل أي مجال، مثل الفن التشكيلي ما عاد أفرزنا شي. بمرحلة العالم كانت تسافر وتروح وترجع وتطبق، بلادنا صارت مقبرة. إذا بكون عنا موهبة وموجودة ببلد اللي ما فاتح المجال تعطي شي، مع الوقت بتموتي وما عاد بتعطي شي، لا مسرح إلك تعمليه، لا مسموح إلك تقولي أو تكتبي شي، كل شي خاضع لرقابة فصعب شوي"، وأضاف: "أو بدو يكون الفنّ تجاري والهدف ربحي وبدنا نبيع ونطلع فلوس. وهاد الإشي بلش، لأنه رأس المال موجود بدول عندها علاقات أكتر وخطوط حمرا أكثر فمضطرة تربطي الحمار مطرح ما بقولك صاحبه".


هذا الوقع أثر على شكل أقرب للهوية الجمعية التي يشعر بها اليوم العديد ممن كانوا أطفالاً في الثمانينيات والتسعينيات، والذين شاهدوا نفس البرامج والمسلسات والأفلام، وكذلك سمعوا نفس الأغاني. لكن هذا الواقع أخذ بالاختفاء مع السنين، "نحنا ما عدنا نشبه بعض"، يقول أتاسي. ويضيف: "كنتي تحسي إنه الولد بسوريا بشبه الولد بالأردن وبفلسطين، ما عدنا نشبه بعض، كل واحد عندو قصة وسؤال براسه وكل واحد بخاف من شي. كانت الأشياء أبسط، كلنا حضرنا افتح يا سمسم، منقدر أنا وإنت، اللي من بلدين مختلفين إننا نتواصل. مربيين نفس الترباي. هلأ ما عاد موجود هالشي.."، لكن، ورغم نبرة القلق والوجع في إجابته على الأسئلة أعلاه، اختتم يزن أتاسي حوارنا قائلاً: "دايماً في أمل، ما بعرف منين بيجي.. بس دايماً في أمل".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عن متحف "أم كلثوم" في القاهرة: يُعرف المرء في عصره، بحبّ الناس فقط

القاهرة – رشا حلوة زرت القاهرة مرات عديدة، وزياراتها كانت طوال الوقت عبارة عن مطلّ على الحياة فيها، وخاصة حياة ناسها، لإيماني أن المدينة هي "حاجات كتيرة" ممزوجة بتفاصيل سكانها. كانت زيارتي لمواقع تاريخيّة وأثريّة مرافقة بكثافة للزيارة الأولى مع عائلتي في العام 1995، ومن بعدها، كانت الشّوارع، قصص الناس وأحاديثهم، المقاهي والبيوت، بمثابة شبابيك واسعة لمعرفتي عن هذا البلد.

خلال زيارتي هذه إلى القاهرة في ربيع العام 2014، قررت أن أذهب إلى متحف "أم كلثوم"، الموجود في شارع "الملك الصالح" وفي جزيرة "المنيل روضة" في النيل، والمتحف هو أحد مباني "قصر المانسترلي"، والمنطقة معروفة أيضًا بإسم "المقياس"، لوجود مقياس النيل الشهير، حيث كان يُستخدم لقياس منسوب نهر النيل. مساحة المتحف هي عبارة عن 250 مترًا، وكانت قد فتحت أبوابه وزارة الثقافة المصريّة في عام 1998، على أن يكون متحفًا "يليق بعطائها، يحمل اسمها الخالد، ليصبح منارة إشعاع فنّيّة وثقافيّة".

قاعات المتحف ومضمونها في المتحف، ثلاث قاعات أساسيّة، الأولى هي التي تحتوي على فاترينات ت…

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …

بيوتنا اللي معنا

كنت كتبت عن هاد الشرشف (اللي بالصّورة) من شي سنة وشوي. هاد كان في بيت بحيفا، بشارع الجبل، نقلنا عليه أنا وأختي سنة 2015. وقتها لقينا أغراض كثير تاركينها صحاب البيت، منهن هالشرشف، الإشي الوحيد اللي خليته من أغراضهن. 
ليش؟ لأنّه حلو، ولأنّي فجأة لقيت إنه الماركة لسّه عليه، مكتوب عليها "دمشق - سورية". وقتها قررت وكتبت، إنّي رح أحمل هالشرشف معي وين ما أروح بالدّنيا. نقلته معي من هداك البيت اللي بشارع الجبل بحيفا، لبيت ثاني بشارع الحمير بحيفا، وبزيارتي الماضية لفلسطين، جبته معي لألمانيا. دفيت فيه تختي اللي ببرلين، وقررت أحمله معي لهاد الشّهر لشتوتغارت.

بتدوينة "دمشق في بيتي" اللي كتبتها في آذار/ مارس 2016، قلت: "رح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.".

اليوم، ومن خلال أصدقاء سوريّين وصديقات سوريّات ببرلين، قادرة كتير مرات أطلّ من خلالهن على دمشق، من قصصهن وذكرياتهن، مرات بروح رحلة لهناك، وكل مرة بحسّ إنّي بعرفها أكثر.

رح نضل نحمل بيوتنا معنا، لكل البيوت اللي جاي، هيك منضلنا دافيّ…