التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فيروز ورياض الصالح الحسين، الحياة ثم الحياة



رشا حلوة

عرفت فيروز منذ وُلدت، ولا زالت أتعرف إليها كلما ألتقي بأغنية "غير معروفة لها"، مثلما حدث معي قبل فترة في برلين، حين جاءني صديق وسألني: "هل تعرفين هذه الأغنية لفيروز؟"، وقبل أن أجيبه بإجابة الواثقة التي تعرف كل أغاني فيروز، انتظرته حتى يشغل الأغنية، إذ بملامح وجهي المتفاجئة التي تتسع ترمي "إجابة الواثقة التي تعرف كلّ أغاني فيروز" جانبًا، وأقول وأنا سعيدة: "لا! بعرفهاش!".. وبالطبع، وكما يحصل مع كلّ من يلتقي بأغنية جميلة يحبّها، فهي لا تفارقه على مدار فترة طويلة، شهر على الأقل.

ترتبط فيروز كثيرًا بوالدي، الذي رحل قبل حوالي نصف عامٍ، ارتباطها فيه لا لأنه أحبّها فقط، بل لأنه اتقن غناء أغانيها، فكانت أغاني فيروز، بصوت والدي، تحتل جزءًا كبيرًا من تهاليل طفولتي.. ومن سهرات حياتنا السعيدة التي جاءت فيما بعد، واستمرت لسنوات عديدة. هذا الارتباط تجسّد بمقولة أخي الصغير، حين كان لا زالاً طفلاً صغيرًا: "فيروز صاحبة بابا."

أما الشاعر السوري رياض الصالح الحسين، فتعرفت إليه مؤخرًا. لا أذكر كيف التقيت للمرة الأولى بقصيدة له، لكني أعرف جيدًا مدى تأثير هذه القصيدة على تفاصيل حياتية اليومية، وممنونة جيدًا للفضاء الرقمي (الإنترنت) الذي أتاح هذا اللقاء، مع قصائد لإنسان رحل قبل 32 عامًا، كتب قصيدة "العدالة" قبل أكثر من 30 عامًا، كأنه كان يعرف أن لا من أحد سييقبّل حبيبته بهدوء أو سيموت بلا ضجة، بعد وقت طويل.

تحتفل فيروز اليوم بميلادها التاسع والسبعين، ونحيي اليوم الذكرى الثانية والثلاثين لرحيل رياض الصالح الحسين. هذا اللقاء ما بين الحياة والموت هو دائم ومستمر، نلتقي به في محطّات عديدة، منها شخصية ومنها جماعية، هو الثنائي الذي يشكل إحدى بوصلات الإبداع والفنّ والثقافة، هو القادر على إثارة الأسئلة فينا باستمرار، وهو لربما أكثر ما يعطي معنى للحياة، خلال البحث عن معناها. هذه الحياة التي لا يمكن لمحبّي فيروز أن يتخيلوها من غيرها، من الصعب أن نتخيّل الحياة من غير شيء أو شخص نحبّه وساهم في بناء زوايا من أرواحنا، لكن بلا شك يمكننا أن نعرف بأن وجودها وصوتها أعطى للحياة معنى إضافي. وكذلك، لا  يمكن لمحبّي رياض الصالح الحسين أن يتخيلوا الحياة من دونه، من دون قلم استطاع أن يكتب "الأساطير اليومية" وأن يلعنها بالحبّ والتفاصيل والقلق، كأنه مع كل قصيدة، حمل حياتنا من الخراب ووضعها على ريشة.
شكرًا لكما.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"فوكس" بار، عفويّة الثقافة الإيطاليّة في برلين

برلين – رشا حلوة

بالقرب من محطّة "هرمان بلاتس" في حيّ "نويكولن" البرلينيّ، وفي شارع فرعيّ تصل نهايته إلى النهر، هناك بار صغير يحمل الاسم "فوكس"، شبابيكه الكبيرة على الشّارع، التي تطلّ منها تفاصيل البار؛ كراسيه وكنباته القديمة، إضاءته الخفيفة، الشموع، ولون الحيطان الأخضر، كلّها محفزة لزيارة الجوّ "البيتوتيّ" هذا.

بالإضافة إلى جوّه الحميميّ، زيارة البار منوطة بالاستماع دومًا إلى موسيقى خاصّة من كلّ العالم، مع تسليط ضوء على الموسيقى الإيطاليّة. نسمّيه البار الإيطاليّ، ليس بسبب الموسيقى فقط، إنّما بالأساس لأن صاحب البار هو إيطاليّ الهويّة، كما أنّ معظم العاملين والعاملات في البار جاءوا من مناطق مختلفة في إيطاليا إلى برلين، كما أن جمهوره في غالبيته من الإيطاليّين/ات الذين يعيشون في المدينة، واللغة الإيطاليّة حاضرة دومًا.

صاحب البار اسمه ماسيمو فينكو، مواليد العام 1979 في فيرونا الإيطاليّة، هو فنان وموسيقيّ وكاتب أغاني، وصل إلى برلين في العام 2006 للعمل كفنان، وبموازاة ذلك عمل عندها في وظائف عديدة، تنظيف مواعين في المطاعم ومن ثم طباخًا، وكان باره المفضل …

عن متحف "أم كلثوم" في القاهرة: يُعرف المرء في عصره، بحبّ الناس فقط

القاهرة – رشا حلوة زرت القاهرة مرات عديدة، وزياراتها كانت طوال الوقت عبارة عن مطلّ على الحياة فيها، وخاصة حياة ناسها، لإيماني أن المدينة هي "حاجات كتيرة" ممزوجة بتفاصيل سكانها. كانت زيارتي لمواقع تاريخيّة وأثريّة مرافقة بكثافة للزيارة الأولى مع عائلتي في العام 1995، ومن بعدها، كانت الشّوارع، قصص الناس وأحاديثهم، المقاهي والبيوت، بمثابة شبابيك واسعة لمعرفتي عن هذا البلد.

خلال زيارتي هذه إلى القاهرة في ربيع العام 2014، قررت أن أذهب إلى متحف "أم كلثوم"، الموجود في شارع "الملك الصالح" وفي جزيرة "المنيل روضة" في النيل، والمتحف هو أحد مباني "قصر المانسترلي"، والمنطقة معروفة أيضًا بإسم "المقياس"، لوجود مقياس النيل الشهير، حيث كان يُستخدم لقياس منسوب نهر النيل. مساحة المتحف هي عبارة عن 250 مترًا، وكانت قد فتحت أبوابه وزارة الثقافة المصريّة في عام 1998، على أن يكون متحفًا "يليق بعطائها، يحمل اسمها الخالد، ليصبح منارة إشعاع فنّيّة وثقافيّة".

قاعات المتحف ومضمونها في المتحف، ثلاث قاعات أساسيّة، الأولى هي التي تحتوي على فاترينات ت…

أحد أطفال "كفرون"؛ يزن أتاسي: "نحنا ما منشبه بعض"

حاورته: رشا حلوة كان ذلك في العام 1990، حين قال له والده: "بدنا نروح مشوار"، لم يخبره إلى أين، "كنت رفيق أبي كتير وأنا وصغير، بروح معه على الشغل، وقالي رايحين مشوار، وبشكل طبيعي ركبنا بالسيارة، وصلنا على مكان قريب من مدرستي وفتنا على بناية، بكتشف بعد ما فتت إننا وصلنا على مكتب دريد لحّام"، يقول الفنان السوري يزن أتاسي في حوار خاص لمجلة "الحياة"، أجريناه عبر السكايب. ويزن أتاسي (1980) هو أيضاً "وسيم"، أحد الأطفال الذين مثلوا أدوار البطولة في فيلم "كفرون" لدريد لحّام، الذي سيتمحور معظم حديثنا عن تجربته فيه، التجربة الشخصية والفنّية لطفل في فيلم سوري، قبل 24 عاماً، كان لها أحد التأثيرات الكبرى على جيل كامل عاش طفولة التسعينيات.
"هنالك معرفة بين دريد وأبي"، يقول يزن، "بس أنا انسطلت، لأنه أول مرة بحياتي بشوفه وجهاً لوجه، هني بحكوا وأنا مسحور لأني قاعد قدام غوار الطوشة!". بعدها خرجا من المكان، لا يذكر يزن الحديث الذي دار بين والده ودريد لحّام، ويعتقد أيضاً أنه كان قد قابل أخته نور أتاسي قبله، وهكذا وقع القرار على كليهما للم…