التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ألوان وموسم واحد

أحمر

كالرتيلاء حين تظهر على تفاحتي الحمراء

في الصحن المنسي منذ يومين،

وتحيك لها بيتًا جديدًا،

يأتيني أيلول.

مكللاً بخيوطٍ غير متصلة بسابقه،

ليغزلَ على جسدي وأطرافه

أوشمةً مرئية وأخرى لا.

يُحكى عنها حين ينام الخريف المقبل،

وتُرمى تفاحتي الحمراء.

أصفر

لا شيء بيني وبين السماء هنا،

كشرنقة أخرج من غرفتي الرمادية، أمشي بحثًا عن بقعة ضوء أبدأ بها نهاري.

قهوة تحمل رائحة التراب من هناك، ورائحة الجسد هنا.

أحتاجها كل صباح، وبين الساعات المملة. لا وقت لديّ لتحضير القهوة.

لكني أجبر نفسي على تحضيرها، كي استعيد الحالات من جديد.

لا تزال الأوراق خضراء في هذا المكان، لكنّ اصفرارًا ما بدأ رحلته بالتسلق على سيقان الأشجار الباردة. وبعضٌ قد حرر نفسه منها، ونام على أرصفة الشوارع.

الأصفر هنا يرمي بنفسه على الطرقات وبين البيوت ولا يدفئ أحدًا.

سيأتي البياض بعد قليل، ليبعثر نفسه في كل زاوية لا تحمل لونه.

بردٌ.

وأنا أبحث عن بقعة ضوء صفراء، ليست على الأرض.

لكنها هناك وهنا، تلوّن حبات الهال المعدودة في القهوة الأولى،

وتدفئ هذا الجسد الذي رمى بقشرته عند أول الطريق.

أخضر

هناك،

حيث ذاك المسمى بالأشياء كلها جعلني أنسى في أي خزانة وضعت الزعتر الأخضر المحمّل برائحة قريتك الصغيرة، وأفطر عليه.

ولوّن الشوارع المتسخة وباب غرفتك القديمة بصدى العود المتنقل بين النساء.

بقيَ مكانه، تفطر عليه ديدان نعنع كأس الشاي الأخير.

هنا،

حيث يغير المسمى بالأشياء كلها اسمه سريعًا.

ويرمي بنفسه حيث يجد غطاءً للبرد المتكرر.

لا زعتر يبارك الصباح بزيت نسيته هناك، في ذات الخزانة التي تركته فيها قصدًا، بعد أن رحلتُ.

لا رائحة للنعنع هنا، ولا ديدان تأكله أسودَ.

لا أخضر سوى الطريق التي أراها كي آتي إليك،

محاولةً إعادة الأسماء.

آب- أيلول 2008

بايرويت- ألمانيا

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عن متحف "أم كلثوم" في القاهرة: يُعرف المرء في عصره، بحبّ الناس فقط

القاهرة – رشا حلوة زرت القاهرة مرات عديدة، وزياراتها كانت طوال الوقت عبارة عن مطلّ على الحياة فيها، وخاصة حياة ناسها، لإيماني أن المدينة هي "حاجات كتيرة" ممزوجة بتفاصيل سكانها. كانت زيارتي لمواقع تاريخيّة وأثريّة مرافقة بكثافة للزيارة الأولى مع عائلتي في العام 1995، ومن بعدها، كانت الشّوارع، قصص الناس وأحاديثهم، المقاهي والبيوت، بمثابة شبابيك واسعة لمعرفتي عن هذا البلد.

خلال زيارتي هذه إلى القاهرة في ربيع العام 2014، قررت أن أذهب إلى متحف "أم كلثوم"، الموجود في شارع "الملك الصالح" وفي جزيرة "المنيل روضة" في النيل، والمتحف هو أحد مباني "قصر المانسترلي"، والمنطقة معروفة أيضًا بإسم "المقياس"، لوجود مقياس النيل الشهير، حيث كان يُستخدم لقياس منسوب نهر النيل. مساحة المتحف هي عبارة عن 250 مترًا، وكانت قد فتحت أبوابه وزارة الثقافة المصريّة في عام 1998، على أن يكون متحفًا "يليق بعطائها، يحمل اسمها الخالد، ليصبح منارة إشعاع فنّيّة وثقافيّة".

قاعات المتحف ومضمونها في المتحف، ثلاث قاعات أساسيّة، الأولى هي التي تحتوي على فاترينات ت…

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …

بيوتنا اللي معنا

كنت كتبت عن هاد الشرشف (اللي بالصّورة) من شي سنة وشوي. هاد كان في بيت بحيفا، بشارع الجبل، نقلنا عليه أنا وأختي سنة 2015. وقتها لقينا أغراض كثير تاركينها صحاب البيت، منهن هالشرشف، الإشي الوحيد اللي خليته من أغراضهن. 
ليش؟ لأنّه حلو، ولأنّي فجأة لقيت إنه الماركة لسّه عليه، مكتوب عليها "دمشق - سورية". وقتها قررت وكتبت، إنّي رح أحمل هالشرشف معي وين ما أروح بالدّنيا. نقلته معي من هداك البيت اللي بشارع الجبل بحيفا، لبيت ثاني بشارع الحمير بحيفا، وبزيارتي الماضية لفلسطين، جبته معي لألمانيا. دفيت فيه تختي اللي ببرلين، وقررت أحمله معي لهاد الشّهر لشتوتغارت.

بتدوينة "دمشق في بيتي" اللي كتبتها في آذار/ مارس 2016، قلت: "رح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.".

اليوم، ومن خلال أصدقاء سوريّين وصديقات سوريّات ببرلين، قادرة كتير مرات أطلّ من خلالهن على دمشق، من قصصهن وذكرياتهن، مرات بروح رحلة لهناك، وكل مرة بحسّ إنّي بعرفها أكثر.

رح نضل نحمل بيوتنا معنا، لكل البيوت اللي جاي، هيك منضلنا دافيّ…