التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصص للحريّة


نصل أنا وصديقتي إلى المقاطعة فور وصول بعض الأسرى المحررين إلى مدينة رام الله، مجموعة من الشبان يركضون باتجاه موقع الحدث. أصدقاء نلتقي بهم صدفة في الطريق يخبرونا بأن لا إمكانية لدخول الساحة المركزية. لكن هذا لا يثنينا عن المحاولة.

وصلنا إلى مكان تجمع فيها كميات هائلة من الناس، يحلمون الأعلام الحزبية المختلفة: الازدحام على مدخل الساحة يمنعنا من الدخول. صديقتي تقترح أن نذهب إلى بناية قريبة تطل على مركز الحدث. وصلنا إلى هناك وصعدنا إلى سطح البناية: الكادر الكامل.

الصورة واضحة، على المنصة تجتمع بعض القيادات الفلسطينية تلقي خطاباتها وبجانبها الأسرى المحررين، الناس مجتمعة في الساحة والبعض الآخر لا زال ينتظر فرصته بالدخول- لا أعلم لما كلّ هذه الزحمة، فقد كان قسم من الساحة فارغ، والساحة تتسع للجميع.

على باب المقاطعة، في زاوية ما هنالك كومة أكياس نايلون.. نتساءل أنا وصديقتي عن هذه الأكياس.. ما هي؟ هي بالتأكيد أغراض وحاجيات الأسرى التي أحضروها معهم من خلف القضبان.

عين على المنصة، وعين على الأكياس، عين على الأسرى المحمولين على أكتاف ذويهم وأصدقائهم وعين على الأكياس، عين على مسيرة تنطلق، كلّ مجموعة تحمل أسيرها على أكتافها وتخرج من ساحة المقاطعة وعين على الأكياس، هتافات ودموع وأمهات وأحباء وعين على الأكياس، عين على قمصان مطبوعة عليها صور لأحمد سعدات ومروان البرغوثي وعين على الأكياس.

لكلّ منهم كيسه؛ يحتوي على ثيابه وبعض الحاجيات، ربما رسائل وصور وأشياء أخرى. والأكيد تحمل رائحة ذكريات سوف تبقى في قلوبهم وخلف القضبان، هناك حيث يقبع ما تبقى من الأسرى والأسيرات.

لا أراني إلا أفكر بهم أيضاً، أفكر بما يمرّ عليهم اليوم تحديداً، هم المضربون عن الطعام ومستمرون في معركتهم داخل سجون الإحتلال، وأفكر أيضاً بلحظات وداع الأسرى المحررين لهم. ماذا قالوا؟ كم من الوداع أحتوت الغرف المظلمة؟ ماذا قال أسير في طريقه إلى التحرير لرفيق آخر في الأسر؟ ماذا تركت الأسيرة المحررة المبعدة لرفيقتها هناك؟ أي رسالة أو تذكار؟

أكياس مكومة في الزواية، ذوي الأسرى ذهبوا للبحث عن أكياس أحبائهم المحررين.. لكلّ كيس قصة لمن تحرروا ولمن لا زالوا هُناك. هؤلاء الذين لا زالوا ينتظرون لقاء أحبائهم خارج القضبان، ولقاء رفاقهم الذين يحتفلون اليوم بالحريّة، على أن يأتي اليوم ليلتقوا كلهم في مكان واحد، ومن بعده يعود كلّ إلى بيته، إلى البيت هُنا، بلا وجع قادر أن يمزق أي فرحة. لنتعرف إليهم ونستمع إلى قصصهم، فقد سئمنا من الأرقام.

-الصورة بعدسة عبير قبطي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …