التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ريم بنّا.. التهليلة الفلسطينية الباقية


(رشا حلوة)

أذكر أني سمعت الفنانة الفلسطينية ريم بنّا لأول مرةٍ حين كان ربيعي يلامس العشرة أعوام، لا أعلم كيف وصل كاسيت "الحلم" إليّ، أو ربما لا أذكر. كان الوقت صيفًا في عكا، في غرفتي المطلة على البحر. أذكر بأني ناديت على أمي لتشاركني سماع الكاسيت، فسمعنا سويةً "يا ليل ما أطولك" وبكتْ أمي حين أخذتها التهليلة إلى كل الحنين الذي حملته معها منذ أن هُجّر أبوها من قريته الجليلية حتى ساعة انتظار العودة، التي طالت.
ترتبط ريم بنّا في روحنا وذائقتنا بالتهليلة الفلسطينية والمورث الشعبي الفلسطيني. فهي أول من أعادت غناء وإحياء التهليلة الفلسطينية واحترفتها حتى يومنا هذا، بما في ذلك ضمن ألبومها الأخير "مواسم البنفسج- أغاني حُب من فلسطين"، والذي يحتوي على تهليلة "أمسى المسا"، المرفوعة إلى اللاجئين الفلسطينيين.
بدأت ريم تهتم بالغناء التراثي الفلسطيني حين كانت لا تزال في المدرسة، يوم طُلب منها أن تحفظ أغاني تراثية لمهرجان تراثي في مدرستها، ونصحتها والدتها الشاعرة زهيرة صبّاغ أن تغني التهليلة الفلسطينية التي لم يغنّها أحد بعد. شعرتْ وقتئذٍ أن التهاليل تلائم صوتها كثيرًا، ومن يومها وهي تخصص إعادة تسجيل تلحين الأغاني التراثية بلحنٍِ يلائم روح العصر، مع الحفاظ على روح اللحن الأصلية، كي تجعل هذا الجيل الجديد يحب الأغاني التراثية.
التقيت بريم بنّا في نيسان الماضي في بيتها الكائن بمدينة الناصرة، هناك حيث تسكن هي وزوجها ليونييد، المرافق لها في جميع أعمالها وعروضها، وأولادها بيلسان، والتوأمان أورسالم وقُمران. بيتٌ صغيرٌ ودافئ، مليء بالنباتات والصور والجو الفلسطيني في كل شيء؛ .
الآثاث، الحائط، الصور وريم بنّا ذاتها، وكأنها أنهت للتو عرضًا موسيقيًا في "قبور السلاطين" بالقدس. تحدثنا بأمور شتى وأهمها مشروع ريم بنّا حول الأغنية التراثية الفلسطينية.
تعمل ريم بنّا بالأساس على ثلاثة محاور حين تعيد تقديم الموروث الشعبي الفلسطيني بشكل آخر. المحور الأول هو غناء الأغنية التراثية باللحن ذاته، لأن الأغنية لا تتحمل تغييرًا في اللحن. وهي تقدمها للناس بتوزيع موسيقي آخر، أي أن هنالك أغاني تراثية تحتوي على نمطية في اللحن مثل أغنية "لاح القمر"، فتقوم عندها ريم بنّا بتقديم ذات اللحن مع كسر النمطية قليلاً بشرط أن لا تخرج الأغنية عن روح التراث. أما المحور الثاني الذي تعمل عليه ريم فهو تلحين أغاني الأطفال الفلسطينية، التي كانوا يرددونها أثناء اللعب، ولكن بتغيير بعض الكلمات. كأغنية "مالِك"، كلمات الأغنية الأصلية هي: "مالِك مالِك مالكي..مال الشروال بلا دكي..إمك سودا من مكة..". والتي غيرتها إلى "مالِك..مالِك..مالكي..مال عيونِك عم تبكي..أبوكِ من بر الشام وإمك جايي من مكة.."، رأت ريم أن بعض الكلمات تحتاج إلى تغيير ولكن من وحي تام للأغنية ذاتها. أما المحور الثالث فهو تلحين هذه الكلمات التي لا تحتوي على لحن، مثل أغنية "مالِك" أيضًا التي تقع في المحورين؛ الثاني والثالث، وإعطائها لحنًا من وحي الألحان التراثية الفلسطينية.
الهدف من إحياء الأغنية التراثية الفلسطينية، بالنسبة لريم بنّا، هو المحافظة على هذا التراث. تقول ريم: "إن الزمن يمرّ بسرعة، وهذا الجيل الجديد لا يريد أن يستمع إلى الأغاني التراثية، لهذا أقوم بإعطاء هذه الأغنية روحًا عصريةً مثل أغنية "مالِك" التي تجعل هذا الجيل يحبها وبالمقابل تحافظ على التراث من الغياب".
منذ ذاك اليوم، حين تعرفت على ريم بنّا عبر "الحلم" وحتى يومنا هذا الذي تغني فيه للحب المنبثق من فلسطين وتهديه لكل من لمسته جمرة الحب أينما كان، وجدناها تلك الفنانة حاملة الوجع والأمل الفلسطيني إلى كل مكان ذهبتْ إليه حاضنةً صوتها والتراث. إنها ريم بنّا، التي تعرف أن الغناء حامل الرسالة والقضية الفلسطينية، هو أحد سُبل النضال، وأن الترحيب بها في كل مكان في العالم تحت اسم:"ريم بنّا من الناصرة- فلسطين" هو أحد ملامح القضية.
[i] قبور السلاطين هو مدرج في مدينة القدس، يقام فيه سنويًا مهرجان القدس "يابوس"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …