الجمعة، 7 سبتمبر، 2007

ريم بنّا.. التهليلة الفلسطينية الباقية


(رشا حلوة)

أذكر أني سمعت الفنانة الفلسطينية ريم بنّا لأول مرةٍ حين كان ربيعي يلامس العشرة أعوام، لا أعلم كيف وصل كاسيت "الحلم" إليّ، أو ربما لا أذكر. كان الوقت صيفًا في عكا، في غرفتي المطلة على البحر. أذكر بأني ناديت على أمي لتشاركني سماع الكاسيت، فسمعنا سويةً "يا ليل ما أطولك" وبكتْ أمي حين أخذتها التهليلة إلى كل الحنين الذي حملته معها منذ أن هُجّر أبوها من قريته الجليلية حتى ساعة انتظار العودة، التي طالت.
ترتبط ريم بنّا في روحنا وذائقتنا بالتهليلة الفلسطينية والمورث الشعبي الفلسطيني. فهي أول من أعادت غناء وإحياء التهليلة الفلسطينية واحترفتها حتى يومنا هذا، بما في ذلك ضمن ألبومها الأخير "مواسم البنفسج- أغاني حُب من فلسطين"، والذي يحتوي على تهليلة "أمسى المسا"، المرفوعة إلى اللاجئين الفلسطينيين.
بدأت ريم تهتم بالغناء التراثي الفلسطيني حين كانت لا تزال في المدرسة، يوم طُلب منها أن تحفظ أغاني تراثية لمهرجان تراثي في مدرستها، ونصحتها والدتها الشاعرة زهيرة صبّاغ أن تغني التهليلة الفلسطينية التي لم يغنّها أحد بعد. شعرتْ وقتئذٍ أن التهاليل تلائم صوتها كثيرًا، ومن يومها وهي تخصص إعادة تسجيل تلحين الأغاني التراثية بلحنٍِ يلائم روح العصر، مع الحفاظ على روح اللحن الأصلية، كي تجعل هذا الجيل الجديد يحب الأغاني التراثية.
التقيت بريم بنّا في نيسان الماضي في بيتها الكائن بمدينة الناصرة، هناك حيث تسكن هي وزوجها ليونييد، المرافق لها في جميع أعمالها وعروضها، وأولادها بيلسان، والتوأمان أورسالم وقُمران. بيتٌ صغيرٌ ودافئ، مليء بالنباتات والصور والجو الفلسطيني في كل شيء؛ .
الآثاث، الحائط، الصور وريم بنّا ذاتها، وكأنها أنهت للتو عرضًا موسيقيًا في "قبور السلاطين" بالقدس. تحدثنا بأمور شتى وأهمها مشروع ريم بنّا حول الأغنية التراثية الفلسطينية.
تعمل ريم بنّا بالأساس على ثلاثة محاور حين تعيد تقديم الموروث الشعبي الفلسطيني بشكل آخر. المحور الأول هو غناء الأغنية التراثية باللحن ذاته، لأن الأغنية لا تتحمل تغييرًا في اللحن. وهي تقدمها للناس بتوزيع موسيقي آخر، أي أن هنالك أغاني تراثية تحتوي على نمطية في اللحن مثل أغنية "لاح القمر"، فتقوم عندها ريم بنّا بتقديم ذات اللحن مع كسر النمطية قليلاً بشرط أن لا تخرج الأغنية عن روح التراث. أما المحور الثاني الذي تعمل عليه ريم فهو تلحين أغاني الأطفال الفلسطينية، التي كانوا يرددونها أثناء اللعب، ولكن بتغيير بعض الكلمات. كأغنية "مالِك"، كلمات الأغنية الأصلية هي: "مالِك مالِك مالكي..مال الشروال بلا دكي..إمك سودا من مكة..". والتي غيرتها إلى "مالِك..مالِك..مالكي..مال عيونِك عم تبكي..أبوكِ من بر الشام وإمك جايي من مكة.."، رأت ريم أن بعض الكلمات تحتاج إلى تغيير ولكن من وحي تام للأغنية ذاتها. أما المحور الثالث فهو تلحين هذه الكلمات التي لا تحتوي على لحن، مثل أغنية "مالِك" أيضًا التي تقع في المحورين؛ الثاني والثالث، وإعطائها لحنًا من وحي الألحان التراثية الفلسطينية.
الهدف من إحياء الأغنية التراثية الفلسطينية، بالنسبة لريم بنّا، هو المحافظة على هذا التراث. تقول ريم: "إن الزمن يمرّ بسرعة، وهذا الجيل الجديد لا يريد أن يستمع إلى الأغاني التراثية، لهذا أقوم بإعطاء هذه الأغنية روحًا عصريةً مثل أغنية "مالِك" التي تجعل هذا الجيل يحبها وبالمقابل تحافظ على التراث من الغياب".
منذ ذاك اليوم، حين تعرفت على ريم بنّا عبر "الحلم" وحتى يومنا هذا الذي تغني فيه للحب المنبثق من فلسطين وتهديه لكل من لمسته جمرة الحب أينما كان، وجدناها تلك الفنانة حاملة الوجع والأمل الفلسطيني إلى كل مكان ذهبتْ إليه حاضنةً صوتها والتراث. إنها ريم بنّا، التي تعرف أن الغناء حامل الرسالة والقضية الفلسطينية، هو أحد سُبل النضال، وأن الترحيب بها في كل مكان في العالم تحت اسم:"ريم بنّا من الناصرة- فلسطين" هو أحد ملامح القضية.
[i] قبور السلاطين هو مدرج في مدينة القدس، يقام فيه سنويًا مهرجان القدس "يابوس"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

البحر/ صابرين