التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أم كلثوم يسعد أوقاتها



رشا حلوة
لم تشكل أم كلثوم حيزاً في بيتي العكّي، بما أنّ والدتي شادية، حسب اعتقادي، هي المعجبة الأولى في فلسطين لأغاني عبد الحليم. لدرجة أنّ أخي الصغير يلقبه بـ “صاحب أمي”.. وكونها متأثرة جداً بقصة حياته لم تحبّ أم كلثوم يوماً ما: “لأنها كانت عاطلة مع عبد الحليم”، كان تردّد، بما في ذلك القصة التي يعرفها الجميع حين غنّت أم كلثوم قبل عبد الحليم في “عيد الثورة”، لمدة 4 ساعات وكان وضعه الصّحيّ سيئاً. فكان حبّ عبد الحليم هو صلة الرحم مع مصر، وأم كلثوم كانت بعيدة بعض الشيء عن الذاكرة الموسيقية اليومية، إلى أن وصلت إلى 2011.

كان هذا العام بداية لأشياء كثيرة، وبمثابة نسيج من التجديدات على المستويات الحياتية، منها الشخصية ومنها العامة. وكان لقصتي مع أم كلثوم بداية خاصة، لفتاة في السابعة والعشرين من عمرها، كأنها تسمع أم كلثوم أول مرة، وكأنها تكتشف هذا الهرم الذي عرفه الكثيرون وغاب عنها لسنوات لا بأس بها.
بدأت القصة في تموز/يوليو الماضي أثناء سفري إلى القاهرة بعد بداية الثورة بأشهر قليلة، وكان سبب زيارتي -بالإضافة إلى الاشتياق والرغبة الأزلية بأن أزورها- أن أقوم ببحث صغير عن رحلة أم كلثوم من القاهرة إلى فلسطين وإقامتها لحفلات موسيقية في ثلاث مدن رئيسية: القدس، يافا وحيفا. وخاصة عن زيارتها لمدينة حيفا في العام 1928، هذه المدينة التي لُقبت فيها بـ “كوكب الشرق”، وكانت قد منحتها هذا اللقب امرأة من حيّ وادي النسناس الحيفاويّ.

كان يتطلب البحث مني الإطلاع على مراجع عديدة والحديث مع الناس، من لا يتحدث عن أم كلثوم في القاهرة؟ من لا يعرف على الأقل قصة واحدة عن حياتها؟ من لا يسمع في النهار أغنية واحدة لها على الأقل؟ إن كان ذلك باختياره أو باختيار الإذاعة؟ كيف سأبحث عن تفاصيل رحلتها إلى حيفا في هذا الكمّ من الذكريات والقصص التي لا زالت تعيش في التفاصيل الصغيرة لحياة كلّ مصريّ ومصريّة؟
قبل يومين، كنا أنا وعائلتي في زيارة إلى أصدقائنا، وكعادة إحدى القنوات التلفزيونية، تلتزم أن تبث كلّ ليلة في تمام الساعة العاشرة مساءً أغنية لأم كلثوم من حفل ما (والدتي هي التي أخبرتنا بهذه المعلومة وطلبت منا أن نبحث عن القناة.. معقول شو عم بصير؟) المهم، وجدنا القناة وكانت الأغنية “أغداً ألقاك”.. بدأ بعض الحضور بالغناء معها، خاصة أنا ووالدي، إلا أنّ صديق والدي طلب منا أن نبحث عن أغانٍ أخرى، لا لإم كلثوم قائلا: “لشو الذكريات إسا؟”.
أثناء زيارتي للقاهرة في تموز/يوليو، وخاصة في الأيام الأولى منها، حصلت على رواية “كان صرحاً من خيال” لسليم نصيب، الرواية التي كُتبت بالفرنسية وترجمها فيما بعد الشاعر اللبناني بسام حجار إلى العربية. أعتقد أنّ هذه الرواية كانت سرّ بداية قصة حبّي مع ثومة وأغانيها.
بعيداً عن الكتب المعلوماتية والتاريخية التي كُتبت عنها، وحتى التي كُتبت بنفس غزلي مرهف ومتكرّر كثيراً، وجدت في هذا الكتاب، بل هذه الرواية شيئاً جديداً. هي رواية كُتبت وكأنها على لسان الشاعر المصري أحمد رامي -العاشق الأزلي لأم كلثوم- هي رواية بكلّ معنى الجمال، والتي ابتعدت قليلاً عن أم كلثوم الأسطورة والهرم الرابع وقربتها إلى الإنسانة، التي تحمل قصصاً كثيرة؛ لها قصتها، قصص حبّها، قصص الأغاني وما وراء كواليسها، البيت الذي بنته، الصراع الذي عاشته مع والدها وأخيها، غيرتها من الفنانات، حربها مع عبد الوهاب ومن ثم “أم عمري” نتاج الصلحة الذي عمل عليها الرئيس المصري جمال عبد الناصر. فجأة تصبح هذه الشخصيات والأسماء الكبيرة شخصيات تعيش مع القارئ في بيته، أو المكان الذي يختار أن ينعزل فيه لقراءة الرواية.

قبل أسبوع، كنت في عمان.. وفي نفس الفترة كانت صديقتي جمانة قد اشترت إسطوانة MP3 تحتوي على 43 أغنية لأم كلثوم. واعتدنا، بعد أن تنتهي سهرة ما، الصعود إلى السيارة ووضع أغنية لأم كلثوم، نختارها بشكل عشوائي ونسمعها.. في إحدى المرات كنت قد سألتها: “جمانة، كيف كانت رح تكون هاي الحياة بدون إم كلثوم؟”. “بتكون ناقصة”، أجابتني. لكني قلت لها بأنها لو لم تكن موجودة لما كنا شعرنا بالنقص. فقالت: “صحيح، هي قيمة مضافة. وهي كرم إضافي لهاي الحياة”.
في الأسبوع الماضي، كنا نجلس أنا وعائلتي في بيتنا في عكّا نشاهد التلفاز. فجأة، ولا أعرف من وضع على القناة التي تبث أم كلثوم الساعة العاشرة مساءً، كانت الأغنية “حيرت قلبي معاك”. وكالعادة، تحدثت أمي عن عبد الحليم. ولاحظت أنّ أبي يغني مع أم كلثوم (بالمناسبة، يملك أبي صوتاً جميلاً). فجأة، نظر إليّ وقال لي: “بتتذكري قديش ستك أم الزوزو كانت تشبه أم كلثوم؟”. نعم، أجبته. وابتسمت. وقلت في نفسي: “من قال إنّ أم كلثوم لم تكن جزءاً من ذاكرة الطفولة؟”. كنت آراها في وجه جدتي.
مرتّ 22 عاماً من دون أن أرى وجه أم كلثوم بوضوح. واليوم لم تعد مرتبطة بالمناسبات والسهرات. هي تصلح للصباح أيضاً. هي تصلح لكلّ الأوقات، كالخيال تماماً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"فوكس" بار، عفويّة الثقافة الإيطاليّة في برلين

برلين – رشا حلوة

بالقرب من محطّة "هرمان بلاتس" في حيّ "نويكولن" البرلينيّ، وفي شارع فرعيّ تصل نهايته إلى النهر، هناك بار صغير يحمل الاسم "فوكس"، شبابيكه الكبيرة على الشّارع، التي تطلّ منها تفاصيل البار؛ كراسيه وكنباته القديمة، إضاءته الخفيفة، الشموع، ولون الحيطان الأخضر، كلّها محفزة لزيارة الجوّ "البيتوتيّ" هذا.

بالإضافة إلى جوّه الحميميّ، زيارة البار منوطة بالاستماع دومًا إلى موسيقى خاصّة من كلّ العالم، مع تسليط ضوء على الموسيقى الإيطاليّة. نسمّيه البار الإيطاليّ، ليس بسبب الموسيقى فقط، إنّما بالأساس لأن صاحب البار هو إيطاليّ الهويّة، كما أنّ معظم العاملين والعاملات في البار جاءوا من مناطق مختلفة في إيطاليا إلى برلين، كما أن جمهوره في غالبيته من الإيطاليّين/ات الذين يعيشون في المدينة، واللغة الإيطاليّة حاضرة دومًا.

صاحب البار اسمه ماسيمو فينكو، مواليد العام 1979 في فيرونا الإيطاليّة، هو فنان وموسيقيّ وكاتب أغاني، وصل إلى برلين في العام 2006 للعمل كفنان، وبموازاة ذلك عمل عندها في وظائف عديدة، تنظيف مواعين في المطاعم ومن ثم طباخًا، وكان باره المفضل …

عن متحف "أم كلثوم" في القاهرة: يُعرف المرء في عصره، بحبّ الناس فقط

القاهرة – رشا حلوة زرت القاهرة مرات عديدة، وزياراتها كانت طوال الوقت عبارة عن مطلّ على الحياة فيها، وخاصة حياة ناسها، لإيماني أن المدينة هي "حاجات كتيرة" ممزوجة بتفاصيل سكانها. كانت زيارتي لمواقع تاريخيّة وأثريّة مرافقة بكثافة للزيارة الأولى مع عائلتي في العام 1995، ومن بعدها، كانت الشّوارع، قصص الناس وأحاديثهم، المقاهي والبيوت، بمثابة شبابيك واسعة لمعرفتي عن هذا البلد.

خلال زيارتي هذه إلى القاهرة في ربيع العام 2014، قررت أن أذهب إلى متحف "أم كلثوم"، الموجود في شارع "الملك الصالح" وفي جزيرة "المنيل روضة" في النيل، والمتحف هو أحد مباني "قصر المانسترلي"، والمنطقة معروفة أيضًا بإسم "المقياس"، لوجود مقياس النيل الشهير، حيث كان يُستخدم لقياس منسوب نهر النيل. مساحة المتحف هي عبارة عن 250 مترًا، وكانت قد فتحت أبوابه وزارة الثقافة المصريّة في عام 1998، على أن يكون متحفًا "يليق بعطائها، يحمل اسمها الخالد، ليصبح منارة إشعاع فنّيّة وثقافيّة".

قاعات المتحف ومضمونها في المتحف، ثلاث قاعات أساسيّة، الأولى هي التي تحتوي على فاترينات ت…

بيوتنا اللي معنا

كنت كتبت عن هاد الشرشف (اللي بالصّورة) من شي سنة وشوي. هاد كان في بيت بحيفا، بشارع الجبل، نقلنا عليه أنا وأختي سنة 2015. وقتها لقينا أغراض كثير تاركينها صحاب البيت، منهن هالشرشف، الإشي الوحيد اللي خليته من أغراضهن. 
ليش؟ لأنّه حلو، ولأنّي فجأة لقيت إنه الماركة لسّه عليه، مكتوب عليها "دمشق - سورية". وقتها قررت وكتبت، إنّي رح أحمل هالشرشف معي وين ما أروح بالدّنيا. نقلته معي من هداك البيت اللي بشارع الجبل بحيفا، لبيت ثاني بشارع الحمير بحيفا، وبزيارتي الماضية لفلسطين، جبته معي لألمانيا. دفيت فيه تختي اللي ببرلين، وقررت أحمله معي لهاد الشّهر لشتوتغارت.

بتدوينة "دمشق في بيتي" اللي كتبتها في آذار/ مارس 2016، قلت: "رح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.".

اليوم، ومن خلال أصدقاء سوريّين وصديقات سوريّات ببرلين، قادرة كتير مرات أطلّ من خلالهن على دمشق، من قصصهن وذكرياتهن، مرات بروح رحلة لهناك، وكل مرة بحسّ إنّي بعرفها أكثر.

رح نضل نحمل بيوتنا معنا، لكل البيوت اللي جاي، هيك منضلنا دافيّ…