التخطي إلى المحتوى الرئيسي

2011 والاعلام الثوري الجديد



 رشا حلوة
في نهاية نيسان الماضي سافرت إلى كوبنهاجن للمشاركة في مؤتمر حول النشاط السياسي الالكتروني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كان المؤتمر منظما ضمن مجموعة "مدونات النساء في العالم العربي والدنمارك". في المؤتمر، والذي يقام ليوم واحد فقط، تحدثت ناشطات من مختلف أنحاء الوطن العربي والتي تجري فيها الثورات عن الأوضاع في كلّ بلد، دامجات النضال على أرض الواقع مع النشاط الإلكتروني عبر وسائل الإعلام الجديدة المختلفة. المقولة الأساسية التي جاءت من مصر وتونس والبحرين واليمن ان الثورات لم تبدأ من الفيسبوك، بل من الميادين، وما الفيسبوك إلا وسيلة إعلام حديثة لإيصال صورة عن الحقيقة وأصوات الثائرين والثائرات على الأرض.

وبلا شك فالتعامل مع وسائل الإعلام الجديد المختلفة؛ الفيسبوك، التويتر، اليوتيوب أخذ له منحى آخر منذ بداية الثورة التونسية في كانون الأول 2010 على مستوى العالم العربي وفلسطين أيضا، قبل تونس، كان التعامل مع هذه الوسائل كحيز للنشاط السياسي والاجتماعي الالكتروني محصورًا بشكل أو بآخر على مصر وتونس وغزة أيضا. وفيما بعد، عرف الشباب العربي أهمية هذه المنصة وقدرة إيصال أصواتهم إلى العالم بأقل وقت وتكاليف ممكنة. ففي الوقت الذي مُنعت فيه وسائل الإعلام العربية والأجنبية أن تغطي الأيام الأولى من الثورة المصرية، كان الإعلام الرسمي، كقناة الجزيرة الإنجليزية، يتعامل مع الثوار في ميدان التحرير – ومن خلال "تغريداتهم" (تويتس)- على أنها المرجع الوحيد لها. فكانت الجزيرة الإنجليزية تخصص كلّ ساعة مدة 5 دقائق لعرض "التغريدات" المصرية على شاشتها إلى العالم.

بالإضافة إلى هذه الإنجازات التي وصل إليها الناشطون على الأرض والذين بالإمكان تسميتهم في نفس الوقت باسم "المواطنون الصحافيون"، كانوا يعيشون أجواء من الملاحقة والاعتقالات من قبل الأنظمة العربية المتمثلة بوجوه عديدة منذ أن بدأ النشاط على الإنترنت وإلى يومنا هذا. فحتى بعد أن سقط الرئيس المخلوع المصري محمد حسني مبارك وسيطر المجلس العسكري على السلطة كامتداد  للنظام المخلوع، كان المجلس العسكري قد اعتقل الناشطة أسماء محفوظ بتهمة "الإساءة إلى المجلس العسكري" عبر ما تكتبه على صفحتها على موقع" تويتر" وتعليقها في احدى القنوات الفضائية على المجلس العسكري. في اليمن مثلا، كانت قد قدمت المدونة اليمنية أفراح ناصر (27 عاما) طلبا باللجوء السياسي في السويد، وذلك بعد أن تم ملاحقتها مرارا وتكرارا من قبل النظام اليمني. أما في سوريا، فكانت السلطات السورية قد اعتقلت المدونة السورية رزان الغزاوي على الحدود السورية- الأردنية بعد أن كانت في طريقها لحضور مؤتمر حول حرية الإعلام في عمّان يوم الرابع من كانون الأول وتم الإفراج عنها يوم الثامن عشر من نفس الشهر بعد أن شهدت فترة اعتقالها حملة الكترونية كبيرة على مستوى العالم العربي والعالم، منها حملة تجميع التواقيع التي نُشرت في موقع "Avaaz" الشهير.

شباب ناشط//
رزان غزاوي، خريجة أدب إنكليزي من كلية الآداب في دمشق ومدونتها "رزانيات" من أكثر المدونات المتابعة لفترة الثورة السورية.  في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي وبعد أن مُنع المدونيون الفلسطينيون (48ـ 67) من الحصول على تأشيرات دخول إلى تونس لحضور "الملتقى الثالث للمدونين العرب"، وإحتجاجا على ذلك، وضعت الغزاوي ورقة بحجم كبير على ظهرها طوال أيام المؤتمر تطلب فيه عدم السكوت عن رفض تأشيرات الدخول إلى تونس الثورة. عُرفت الغزاوي بنشاطها من أجل القضية الفلسطينية، وفي الأيام الأولى للحرب على غزة نهاية العام 2008، كانت قد نشرت تدوينة عبر مدونتها بعنوان "حول فكرة "التضامن مع غزة"، كتبت في إحدى فقراتها:" أفهم أن يتضامن سكّان كوبا والبرازيل وباكستان مع غزّة، لكنّني لا أفهم، حين يتضامن السوريون واللبنانيون والأردنيون، لا بل الفلسطينيون في الشتات، مع غّزة، فماذا يُقصد بالتضامن هنا؟ على الخطاب المحليّ إزاء المخاطر المذكورة ألا يكون متضامنا بذات المنطق المنادى به حول العالم، فالتضامن، أيّ التعاضد والدعم وما إلى ذلك من عبارات مؤازرة، هي عبارات أطلقت في البدء من قبل مجموعات عالمية "ناشطة" لحشد دعم من لا صلة مباشرة له بالقضية المعنية. أمّا هنا، فأعتقد حين يدعو المحليون أنفسهم بدعم أنفسهم، هو أمر لا بديهي فحسب، بل يعكس تردِّيًا في قراءة المشكلات التي نعاني منها أوّلا، وطريقة تناولنا لها ثانيا".

لم يقتصر النشاط السياسي الالكتروني على العالم العربي فقط، ففي فلسطين أيضا بدأ يأخذ له حيزا أوسع لدى الشباب الفلسطيني  الناشط في كلّ فلسطين التاريخية بالإمكان القول بداية من المظاهرات حول إنهاء الإنقسام التي كانت في الخامس عشر من آذار الماضي في الضفة الغربية وقطاع غزة. لكن، لم يتوقف النشاط هناك، بل عمل الناشطون على استمراره وتوسيع نطاقه وتنظيمه، إن كان من خلال المدونات الالكترونية أو موقع "تويتر" الذي كان عدد مستخدميه قليلا جدا ودوره غير فعّال تماما قبل بدء الثورات العربية. وبالإضافة إلى ذلك الاجتماعات التي تقام "أوف لاين" والتواصل مع الناشطين الفلسطينيين من أجل العمل سوية على الربط ما بين النضال على أرض الواقع وما بين النشاط الالكتروني وتنظيم  حملات الكترونية كحملة الذكرى الرابعة والعشرين للانتفاضة الأولى كتب فيها الناشطون والمدونون مقالاتهم وتدويناتهم عن الانتفاضة الأولى وإجراء مقابلات مع من عاشها بالإضافة إلى العمل على إنتاجات بصرية كالبوستر ومقاطع الفيديو وما إلى ذلك، مستخدمين "الهاشتاغ" #intifada1. وقبل ثلاثة ايام، في الذكرى الثالثة للحرب على غزة، وفي تمام الساعة التاسعة مساء بتوقيت القدس المحتلة بدء المدونون الفلسطينون حملة أخرى تحت العنوان ("الهاشتاغ") #GazaSurvives ذكروا فيها أسماء كلّ الشهداء مع أعمارهم، إضافة إلى حقائق مختلفة حول الجريمة الإنسانية التي ارتكبتها المؤسسة الإسرائيلية في الحرب الأخيرة على غزة والتي أكد الناشطون أنها لم تنتهِ بعد. الهدف من أن يبدأ الناشطون الإلكترونيون – بإتفاق مسبق مع معظهم- نشر "التغريدات" بنفس الوقت هو أن كثافتها تحت عنوان (هاشتاغ) معين بالتالي ستلفت إنتباه العالم ويحث ناشطين إلكترونيا آخرين على نشر التغريدات أكثر والتفاعل والوصول إلى الإعلام والعالم.

ليس في غرفة الحاسوب فقط//
هذا العالم الذي يسكنه ناشطون الكترونيا كثيرا والمستمر بالتوسع والتأثير، هو بلا شك عالم مهم ووسيلة إعلام جديدة وبديلة عن وسائل الإعلام التقليدية. على مدار العام 2011 والثورات العربية، أبدت هذه الوسيلة جدارتها بإيصال "أصوات الحقيقة"؛ من مقالات وصور فوتوغرافية ومواد فنّية وموسيقية ومقاطع فيديو استطاعت أن تقف كأدلة حق وأن تشكل صرخة أمام الآلات الإعلامية التابعة للأنظمة العربية. والأهم من ذلك، أن من يكتب التاريخ هذا، على الصفحات الالكترونية المختلفة، لا يعيش في غرفة الحاسوب فقط، إنه في الساحات والميادين التي يُقتل فيها الأبرياء يوميا بدم بارد.

المقال نُشر في  ملحق صحيفة "الإتحاد" يوم الجمعة 30 كانون الأول/ ديسمبر 2011

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عن متحف "أم كلثوم" في القاهرة: يُعرف المرء في عصره، بحبّ الناس فقط

القاهرة – رشا حلوة زرت القاهرة مرات عديدة، وزياراتها كانت طوال الوقت عبارة عن مطلّ على الحياة فيها، وخاصة حياة ناسها، لإيماني أن المدينة هي "حاجات كتيرة" ممزوجة بتفاصيل سكانها. كانت زيارتي لمواقع تاريخيّة وأثريّة مرافقة بكثافة للزيارة الأولى مع عائلتي في العام 1995، ومن بعدها، كانت الشّوارع، قصص الناس وأحاديثهم، المقاهي والبيوت، بمثابة شبابيك واسعة لمعرفتي عن هذا البلد.

خلال زيارتي هذه إلى القاهرة في ربيع العام 2014، قررت أن أذهب إلى متحف "أم كلثوم"، الموجود في شارع "الملك الصالح" وفي جزيرة "المنيل روضة" في النيل، والمتحف هو أحد مباني "قصر المانسترلي"، والمنطقة معروفة أيضًا بإسم "المقياس"، لوجود مقياس النيل الشهير، حيث كان يُستخدم لقياس منسوب نهر النيل. مساحة المتحف هي عبارة عن 250 مترًا، وكانت قد فتحت أبوابه وزارة الثقافة المصريّة في عام 1998، على أن يكون متحفًا "يليق بعطائها، يحمل اسمها الخالد، ليصبح منارة إشعاع فنّيّة وثقافيّة".

قاعات المتحف ومضمونها في المتحف، ثلاث قاعات أساسيّة، الأولى هي التي تحتوي على فاترينات ت…

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …

بيوتنا اللي معنا

كنت كتبت عن هاد الشرشف (اللي بالصّورة) من شي سنة وشوي. هاد كان في بيت بحيفا، بشارع الجبل، نقلنا عليه أنا وأختي سنة 2015. وقتها لقينا أغراض كثير تاركينها صحاب البيت، منهن هالشرشف، الإشي الوحيد اللي خليته من أغراضهن. 
ليش؟ لأنّه حلو، ولأنّي فجأة لقيت إنه الماركة لسّه عليه، مكتوب عليها "دمشق - سورية". وقتها قررت وكتبت، إنّي رح أحمل هالشرشف معي وين ما أروح بالدّنيا. نقلته معي من هداك البيت اللي بشارع الجبل بحيفا، لبيت ثاني بشارع الحمير بحيفا، وبزيارتي الماضية لفلسطين، جبته معي لألمانيا. دفيت فيه تختي اللي ببرلين، وقررت أحمله معي لهاد الشّهر لشتوتغارت.

بتدوينة "دمشق في بيتي" اللي كتبتها في آذار/ مارس 2016، قلت: "رح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.".

اليوم، ومن خلال أصدقاء سوريّين وصديقات سوريّات ببرلين، قادرة كتير مرات أطلّ من خلالهن على دمشق، من قصصهن وذكرياتهن، مرات بروح رحلة لهناك، وكل مرة بحسّ إنّي بعرفها أكثر.

رح نضل نحمل بيوتنا معنا، لكل البيوت اللي جاي، هيك منضلنا دافيّ…