الجمعة، 26 أكتوبر، 2012

تحليل الدم




مرة كلّ ستة شهور، حين أُذكّرها أو تتذكر هي وحدها، تأتيني عند السابعة صباحاً، حاملة في يدها "معدات تحليل الدم"، يكون بعض من الضوء قد دخل غرفتي أو تكون مظلمة تماماً، في حال كنت قد قررت قبل أن أنام أن لا توقظني الشمس. تجلس على السرير بجانبي، ولا زالت عيناي مغمضة، وتمسك يدي اليسرى وتحاول أن تبحث عن شريان يكون ضحية إبرة هذه المرة. حين تجده، تضع شريطاً فوقه وتطلب مني أن أقبض بشدة على كفّ يدي، وتُدخل الإبرة لتُخرج ما تحتاجه الفحوصات المتعددة من دم؛ حديد، ضعف دم، الكبد، الكلية، السكري، إلخ..
كلّ المسألة لا تأخذ أكثر من 3 دقائق منذ لحظة دخول والدتي (وهي ممرضة) إلى غرفتي. ولكن منذ صغري، إعتدت أن تمرّ العملية وعيناي مغلقة. لا أحبّ أن أرى دمي يخرج من جسدي من خلال إبرة صغيرة وحقيرة. وحين كنت أصغر سناً، كنت أضع الجهة اليمنى من وجهي على الوسادة وأغلق بيدي اليُمنى أذني اليُسرى، وكأن للدم الخارج مني صوتاً أخاف أن أسمعه.
تذهب أمي للعمل في العيادة الطبية. وتُرسل دمي مع زجاجات عديدة إلى المختبر. وفي اليوم التالي، تبدأ أسئلتي عن نتيجة هذه الفحوصات. وكأني أنتظر خبراً سيئاً كلّ الوقت. لكني مؤخراً، وبعدما اجتزت الخامسة والعشرين من عمري، لم أعد أستفسر عن النتائج. صرت أنتظر بلاغها الذي يأتي عادة خلال محادثة عادية عبر الهاتف تطمئن فيها على حالي، أو حين نشرب كأس شاي بعد وجبة الغذاء.
قبل أسبوع كُنت أنا التي طلبت منها أن تجري لي تحليل الدم. لا أدري لماذا. هكذا، لربما رغبة مني أن أجعلها تشعر بإهتمامي الدائم للموضوع، أو بي رغبة خفية لأتأكد بأن "كلّ شيء على ما يُرام" (وكأن لدى الدم تلك المصادر العميقة والموثوق منها التي تؤكد لي بأن الأمور جيدة). وبالأمس، وكالمعتاد، دخلت أمي عند السابعة صباحاً، أيقظتني، وبدأت مهتمها التي تمت بنجاح. وقبل أن تذهب، وضعت قطعة من القطن فوق المكان الذي أدخلت من خلاله الإبرة، ومن ثم أحضرت لي كأساً من الماء، وعدتُ إلى النوم بسلام.
كلمتني عبر الهاتف قبل قليل، سألتني عن حالي واطمئنت كعادتها. ومن ثم أخبرتني أن نتائج تحليل الدم كلّها على ما يُرام. وبأنها "زي الفلّ". وعلى الفور، أعطاها صوتي الشعور بأني:"طبعا، كنت عارفة". لكني شردتُ للحظات وهي مستمرة بالحديث.. وقبل أن تغلق سماعة الهاتف، كانت بي رغبة أن أسألها (ولم أسألها بالطبع):"أمي، الدم ليس فقط عاملاً جسدياً بيولوجياً تافهاً لا يمت بصلة للروح.. صحيح؟".. يعني.."أنا بخير، أنا بخير".


هناك تعليقان (2):

  1. ما هي الا قطرات دم .. تعطي الامان لام قلبها يحنو و يعطف .. ابقاك لها و ابقاها لك ..
    توصيف الصحوة و وصف الشمس خلاب :)

    ردحذف

البحر/ صابرين