التخطي إلى المحتوى الرئيسي

«عزيزي الميت»… You’ve Got Mail




رشا حلوة

في نهاية أيلول (سبتمبر)، بدأت صفحة فايسبوكية تونسية مسيرتها تحت عنوان «رسائل إلى الموتى» يحرّرها ويشرف عليها المدوّن والناشط التونسي عزيز عمامي واثنان من أصدقائه؛ حمزة بوعلاق والمدوّن دون آراباستا. الفكرة مستوحاة من الصفحة الأميركيّة Dear Dead People وجاءت أيضاً من خطيبته إيمان شقرون. حين تصفّح عمامي الصفحة الأمريكية، مرّت في ذهنه فكرة توجيه رسائل إلى شخصيات رحلت عنّا، فقرر أن ينشئ نسخة تونسيّة تحتوي على رسائل قصيرة للموتى بأسلوب خاص. صحيح أنّ الرسائل تُنشر بوتيرة عشوائية محكومة بمزاج المشرفين على الصفحة، إلا أنّ الأخيرة باتت تضمّ أكثر من 130 رسالة و 5473 متابعاً (فاقت الصفحة الأميركية)، ما يدلّ على التفاعل الفوري معها، من دون أن يلجأ المشرفون عليها إلى تقنيات الدعاية للصفحات. كانت الدعاية الوحيدة هي ما يُنشر فيها من محتوى. تراوح الرسائل التي يكتبها عمامي بين العربية الفصحى والعامية التونسية، ويأتي اختيار اللهجة بناءً على الفكرة التي تخطر في باله.
يقول لـ «الأخبار»: «أعتقد أنّ هذا الاختيار يسمح لي بتقريب هذه الشخصيات من المواطن التونسي العادي، ويظل المقصد مفهوماً بالنسبة إلى أي عربي. من جهة أخرى، هناك غرض تربوي، فبعض الرسائل تحمل مواقف تقتضي النقاش، وأخرى تطرح أسئلة حول قضايا تاريخيّة تختلف عليها القراءات وتحتاج إلى الحوارات. أيضاً، هناك شخصيات أعتبرها مهمة في السياق العربي التاريخي والعالمي، لكنها ليست معروفة شعبياً بالقدر الكافي». أمام هذه الصفحة، قد تخطر في بالك فكرة «ثقافة الموت»، لكن عزيز عمامي أراد من خلال «رسائل إلى الموتى» أن يركّز على بعض الشخصيات التي كان يتمنى وجودها معنا اليوم. أراد «عناق البعض، ومعاتبة آخرين». يرى أنّ أهم ما ينتج في هذه الرسائل هو «تقديم نوع من العلاقة الإنسانيّة بينه وبين قارئه من جهة، وبين الشخصيات التي تُعدّ أيقونات من جهة أخرى». ويضيف: «بهذه الرسائل، أحاول بناء علاقة انسانية منزوعة القدسية، سواء بالضحك أو الابتسامة أو الحنين».
يستخدم عزيز عمامي أساليب عديدة في كتابة هذه الرسائل، منها الساخر، والموجع، واللاذع والجريء، مرتكزاً بكثرة على ما يُسمى «السخرية السوداء» («عزيزي ستيف جوبس، فمّا i- جهنم في الآبل ستور؟»). لم ينجُ عمامي من الهجوم أحياناً، وخصوصاً عند كتابته رسائل إلى شخصيات «مقدسة» اجتماعياً وتاريخياً، بمن في ذلك الأنبياء (مثلاً: عزيزي آدم، بنينة التفاحة؟). يقول: «شخصياً، مغامرتي مع الفلسفة والعلوم والعلوم الإنسانية أدت بي بعد 15 عاماً من القراءات والمطالعة والدراسات إلى رؤية تنزع الهالة عن الأفكار وأصحابها وتعود بالأفكار إلى بساطتها الأولى. التراث الأكاديمي يخاف هذا الأمر، لأنه ينزع عنه سلطته الرمزية وإدعائه الخوض في ما لا يستطيع الغير الخوض فيه».
لا ترتيب لاختيار «الموتى» في توجيه الرسائل إليهم. يعتمد عزيز تقنية «حضورهم في ذاكرته» ليس إلا. يحدث أن تخطر شخصية في باله، لكنه يجعلها «تنتظر» حتى تجهز رسالته إليها. وأحياناً، يجرّب وقع الرسائل على أي شخص كي يرى إن كانت ناجحة قبل أن يبادر إلى نشرها، ويستشير أيضاً بعض الأصدقاء الذين يثق برأيهم، إضافةً إلى نشر رسائل تصل من القراء، لكن الأهم بالنسبة إلى عمامي أن لا يُبرز موقفاً سياسياً يعطي الحق لطرف على حساب طرف آخر، مع المحافظة على موقف إنساني ومبدئي أولي. لا يستطيع عزيز عمامي الجزم بأن الصفحة هي مبادرة فردية، لكونه يرى أن المصدر الأولي لكل رسالة هو الثقافة الشعبية الآنية في تونس وأساليبها المختلفة في التعبير. أما عن الأفكار لتطوير الصفحة الفيسبوكية، فهي كثيرة. سيُنشأ حساب على تويتر ومدونة إلكترونية كي يصير بمقدور المشرفين كتابة أكثر من رسالة للشخصية الواحدة وفتح فضاء أرحب لمشاركة القراء مع بعض الفقرات التعريفية أحياناً والروابط المهمة. يتمنى عزيز أن ينشئ شبكة للصفحات الساخرة مليئة «بالثقافة المخفية بين طيّاتها»، حيث يجري تبادل «القفشات». ويضيف: «تلك خطوة مهمّة لبناء ثقافة شعبية مشتركة. والضحك هو مشروع متكامل، ونقطة مهمة جداً في خلق ثقافة وواقع جديدين».
بعد صفحة «رسائل إلى الموتى» التونسية، أُنشئت صفحة مماثلة، لكن مصرية، وهناك تفاعل يحصل بين الصفحتين. يتمنى المشرفون على المجموعة التونسية أن تُنشأ صفحات عربية أخرى على أن يجري التنسيق بين الجميع. أما لماذا لا تُنشأ صفحة فيسبوكية يُوجه من خلالها رسائل إلى الأحياء، فيجيب عزيز عمامي: «الأحياء ما زالوا غير مكتملي المسيرة. هم كالحكايات، لم ينتهوا بعد».



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …