الأحد، 18 ديسمبر، 2011

وصية في مونولوغ




رشا حلوة


فجأة، تشعرين أن الموت خيّم فوق هذه السماء. بالرغم من أنه لم يتركها يوماً ما.
لا الموت فقط، لكن "هداك المرض" أيضاً، كما يسمونه. وصديقي يطلق على برجه أيضاً إسم "هداك البرج". يعني السرطان، ودائماً حين يصل الموت بأسبابه العديدة. أسأل نفسي كلّ مرة من جديد: "أنا لشو بتفاجئ يعني؟" وتعود قيمة الحياة من جديد، لأكم يوم بس.

مش مهم.. لكن منذ فترة، قررت أن أكتب وصيتي.

على فكرة، لا أقصد من هذه الوصية أن أكون متشائمة. يعني الموت هو أمر طبيعي. أو هكذا أعتقد. ولأنه طبيعي فأنا أكتب عنه. وحسبما جدتي، أو جدتَك أو جدتِك تقول: "ما حدا بعرف بكرا شو بصير معه!".
قبل أشهر قليلة عدت من القاهرة. وبعدما عدت بيومين فقدت صديقاً عزيزاً. ذهب إلى مكان بعيد. مكان لا أحد يعرفه، ويجهله كلّ من يقرأ هذه الأسطر الآن.. بتأمل!

لن أطيل الحديث عليكم. لكن لدي بعض الأسئلة المتعلقة بالموت وطقوسه. يعني، عندما أذهب غداً إلى المكان البعيد. الذي لا يعرفه أحد، من الطبيعي أن تقام جنازتي في عكّا- لا بيت لي سواها- هكذا يقول لي أبي. وبالتأكيد سوف أدفن فيها. صحّ؟

لكن، تقتلني فكرة أن أموت ولا زال الاحتلال قاعد على قلبي! كيف سيصل أصدقائي وصديقاتي من رام الله والقاهرة ودمشق وبيروت وعمان وتونس والمغرب وصنعاء وبغداد وطرابلس لوداعي الأخير؟

يعني، هل برأيكم ممكن أن تكون وصيتي بإصدار تصاريح لأصدقائي في رام الله حتى يأتون لوداعي في التابوت؟ ياه ما أبشع الفكرة: إصدار تصاريح من الاحتلال حتى يروني وأنا ميتة! لكن، لربما ستكون هذه هي فرصتهم أن يزوروا عكّا وبالمقابل يأتوا لوداعي..

لكن ماذا عن أحبائي في القاهرة وبيروت وعمان؟

يعني، هل ممكن.. مثلاً.. مثلاً.. أن تكون وصيتي بحرق جثتي وإرسال القليل من الرماد إلى أصدقائي هُناك؟ وتنظيم أمسية موسيقية وأدبية بدلاً عن الجنازة التقليدية؟ طيب، هل ممكن أن تكون جنازتي عبر "الفيديو كونفرنس"؟ أو حتى "السكايب"؟ ماله السكايب؟ على الأقل مجاني. هكذا يكون بث مباشر لجنازتي من عكّا إلى بيروت والقاهرة وعمان وتونس ورام الله وغزة!

أو لشو كلّ هالتعقيد؟ ممكن أن تكون وصيتي أن يحملوا تابوتي إليهم؟ أعتقد أن تصريح عبور لشخص ميت سوف يكون أسهل. والأهم، إنه لا يحتاج إلى فيزا. هكذا سيكون بمقدوري أن أرى بيروت. مين بعرف؟ ممكن أكون قادرة أشوفها وقتها.

هناك 5 تعليقات:

  1. نص جميل رغم رائحة الخوف من الرحيل الحاضرة فيه ,أقول " الرحيل " عوض " الموت " عبور من حياة إلى حالة وجود أخرى في هذا الكون ,,علاقتي بالموت صارت مفزعة منذ فقدت أبي بعد إصابته بنوبة قلبية ,,لكني عشقت الحياة أكثر بعد رحيله مع تغير في الرؤى,,كل رحيل يدعونا إلى التفكير فيه مثلما حدث برحيل صديقك ..لا تفكري كثيرا في الوصية فكري فقط بالاستمتاع بنشيد الحياة حنى آخر نوتة ,,سنلتقي أحياء هذا وعد يا رشا ,,وأطال الله عمرك في السعادة عزيزتي

    ردحذف
  2. صديقتي الجميلة وجد، سنلتقي أحياء.. هذا وعد. سنلتقي أينما نشاء، في عكّا أو تونس. رحمة الله على والدك. كلّ الحبّ

    ردحذف
  3. شكرا رشا على روعة هذه الكلمات التي عبرت عن جزء بسيط مما نعانيه في غزة والضفة وأراضينا المحتلة ، لمستني جرحنا في كل مكان نتواجد فيه فحتى ونحن في الشتات نعاني نفس المعاناة.
    أيتها الجميلة لا تستعجلي الرحيل ولا تفكري فيه كثيرا فحين ترحل أجسادنا ستكون بصماتنا باقية وسيبقى صوتك يتررد مع كل موجة تدك سور عكا

    ردحذف

البحر/ صابرين