التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حازم شاهين: أكتر من مزّيكا/ رشا حلوة


|حاورته: رشا حلوة|


تربى في بيت فني وسياسي وكان الشيخ إمام ضيفًا في هذا البيت "لما وعيت على الدنيا"، يقول حازم شاهين كاتب وملحن ومُغنٍّ ومؤسس لفرق موسيقية مصرية، أبرزها "اسكندريلا" التي لاقت ترحيبًا ورواجًا كبيرين مقابلة خاصة على الحد الفاصل بين الموسيقى والسياسة

يحمل العود هادئاً، عزفه يحتضن الموسيقى وأصوات الحناجر؛ عرفناه في "اسكندريلا"، "فرقة الشارع" و"حاجات وحشاني". هو ومشروعه الموسيقي يصلان إلينا، إلى الجمهور، ونسمعه كأننا في شوق مستمر له، من مكان وزمان ما بعيدين، وأغانٍ قريبة من القلب، من الهمّ العربي الممتد ما بين مصر وتونس والجزائر وسوريا ولبنان والأردن والعراق وفلسطين.

لا يذكر متى بدأت علاقته بالموسيقى، إلا أن أسرته والأصدقاء كان لهم الاهتمام الدائم بالفنّون. وكان السيد درويش وفيروز وعبد الوهاب وأم كلثوم يشكلون المشاهد اليومية في حياته وحياة العائلة: "ده غير إني وعيت على الدنيا لقيت نفسي بشوف الشيخ إمام في بيتنا وبيوت أصدقائنا وبشوف ناس كتير قوي بتغني معاه وبتردّ عليه وهو بيغني، وده من الأسباب الأساسية اللي أثرت في تكوني الفنّي"- يقول الفنان المصري حازم شاهين في حديث خاص بموقع "قديتا".

تخرج حازم شاهين من المعهد العالي للموسيقي العربية، ثم التحق ببيت العود العربي، حيث عمل مع الفنان نصير شمة، ليتخرّج في أولى دفعات المعهد، ثم قام بعد ذلك بالتدريس به لخمس سنوات، وقد حصل على جائزة أفضل عازف عود في مسابقة العود الدولية في عام 2001 في بيروت. أسّس حازم شاهين فرقته الأولى "إسكندريلا"، ثم تبعها بتأسيس فرقة أخرى وهي "مسار" التي تقدم الموسيقى فقط، وهو عضو في فرقة "الشّارع". يؤلف مقطوعاته الموسيقية، كما لحّن عددًا كبيرًا من أشعار فؤاد حدّاد، وله ألبومان يضمان مقطوعاته الموسيقية هما: "العيش والملح" و"حاجات واحشاني".

يخصّص شاهين حياته الفنّية، بالإضافة إلى التأليف الموسيقي الذي قدّمه إلى الناس من خلال فرقة "مسار" وأسطوانتيْه "العيش والملح" والأخيرة "حاجات واحشاني" للغناء، إلا أنّ الغناء جاء في مرحلة متأخرة. حول علاقته بالغناء قال:" بصراحة كنت مضطر، عشان نوع الأغاني اللي بحبّ أغنيها محتاجة تتغنى بطريقة فيها أداء وفهم للمعنى وده مفيش ناس كتير بتعرف تعمله عشان ده لازم يكون إيمان من الشخص نفسه بالطريقة دي في الغناء.. وعلى فكرة مش لازم يكون صوت المؤدي حلو".

ترافقه آلة العود، نراه حين يعزف، محتضناً للآلة، يحبّها ويحميها ويحترف العمل معها، هادئيْن وصامتيْن، إلا أنّ "صوت الصمت عالي". لا يعلم لماذا اختار العود ليكون رفيق دربِه: "بس أنا زي ما لقيت إسمي حازم لقيت نفسي بحبّ العود وسامع صوته في وداني. بس برضه كان والدي بيحب فريد الأطرش وعزفه على العود، وده أكيد أثر فيّا جداً. إلى جانب إني كنت بشوف الشيخ إمام وهو بيعزف على العود كتير قوي".

حازم حسين شاهين

تحدث ويتحدّث شاهين كثيراً عن علاقته بوالده، المناضل المصري حسين شاهين، وعن تأثيره عليه وعلى اختياره الفنّي، بالرغم من أنه والده لم يفرض عليه أسلوب حياة ما وأعطاه -هو ووالدته- أن يختار مسار حياته بنفسه. إلا أنّ المناخ الذي ترعرع فيه شاهين شكّل وجدانه وطريقة حياته، وليس فقط بما يخص الموسيقى.

في أحد الحوارات الصحافية مع شاهين، تحدّث عن والده، مُسترجعًا جملة ردّدها له كثيرًا: "لما تكبر حَ تبقى فخور ببابا.. وده عشان من حبّي لمصر"، وذلك إثر القبض على والده واعتقاله عدة مرات. بعد 25 يناير ونجاح الثورة المصرية أصبح كلّ شيء مختلفاً وأجملَ، ولربما، أصبح وقع جملة والد شاهين عليه تختلف.

- كيف؟

شاهين: "ده سؤال مش عارف أجاوب عليه. إزاي؟ عشان دي جملة أثرت فيا من يوم ما سمعتها وحتى الآن. ومقدرش أقول إني مكنتش عارف معناها وقتها بدليل إني لسّه فاكرها لحدّ دلوقتي. لكن بالتأكيد كل ما بكبر وبشوف الدنيا قد إيه صعبة وفيها تحديات كتيرة وقد إيه الأنسان صعب يثبت على مبدأ واحد طول عمره ولحدّ وفاته، بحس قد إيه والدي (حسين شاهين) كان إنسان قوي ومؤمن بقضيته جداً وده بيخليني أنا أقوى. في ظروف كتير قوي بحس إني مش قادر عليها وبيخليني أتأكد إن والدي والناس اللي زيه ليهم إيد كبيرة في الثورة اللي احنا فيها دلوقتي واللي عمر ما أبويا فقد إيمانه بأنها حتيجي زي ما كان بيقول لي".

مسار "اسكندريلا" و"حاجات وحشاني"

فرقة "اسكندريلا"، والتي يمتلأ موقع "اليوتيوب" بأغانيها الرائعة، هذه الفرقة التي خرجت من الإسكندرية مروراً بالقاهرة ووصولاً إلى حيفا ورام الله ودمشق وبيروت. كان الهدف الأول من تأسيسها إعادة الأغنية الجماعية واعتبارها، والتي بدأها الشيخ سيد درويش، هذه الأغنية التي تحترم عقل وروح ومشاعر المستمع وظروفة الإنسانية، الإجتماعية والسياسية. يقول شاهين: "واللي للأسف مفيش حد كمل الإتجاه ده في الموسيقى بعد منه. حتى رغم ظهور العظماء أمثال محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي ومحمد القصبجي وإم كلثوم، إلا أنهم رجعوا تاني للأغنية الفردية الطويلة، مش عارف ليه".

بعد "اسكندريلا" قام شاهين بتأسيس فرقة "مسار"، وهي فرقة موسيقية فقط بلا غناء والتي كانت من المفروض أن يتم تأسيسها أولاً لأنّ شاهين هو عازف عود ومؤلف موسيقي: "ولكن لما اتعرفت على المنتج اللي أنتج لنا ألبوم "مسار" و"حاجات واحشاني" عن طريق الأستاذة بسمة الحسيني، طلب مني إنه ينتج لي سي دي. وسألني تحبه يكون عامل ازاي؟ فقلت له إني أنا حالياً بعمل كذا حاجه وهي إني بعزف عود صولو وبشتغل في "اسكندريللا". وبالصدفة كان عندي حفلة عود قبلها في "ساقية الصاوي" واستضفت فيها نوار عباس (بيانو) وهاني بدير(ايقاع) ومايلز دجاي (كونترباص) ولاقت استحسان الجمهور. عجبته الفكرة الأخيرة واختار ينتج للشكل ده ولما سألني عن اسم الفرقة قلت له "مزيكا بس" فمعجبهوش وهو اختار اسم "مسار"، يقول شاهين.

"مزيكا وبس"

لا شك بأنّ الكلمة الملحنة والأغنية تحتل مساحة أكبر لدى الجمهور العربي، وهي أكثر انتشاراً ووصولاً إليه. عن تعامل الجمهور المصري والعربي مع اسطوانتيّ فرقة "مسار" الموسيقتيّن لحازم شاهين، يقول: "هو طبعا عشان اللي في الإسطوانتين موسيقى آلية (بدون غناء) كان أغلب الجمهور من المختصين ولكن الغريب أنّ مجموعة "مسار" عجبت المستمع العادي وانتشرت ودي حاجة فاجأتني وشجعتني جداً".

حول أهمية الموسيقى وإعادة الاعتبار للمقطوعات الموسيقية بلا كلمات مغناة، يقول شاهين: "طبعا أنا بتمنى إنّ الموسيقى الآلية ترجع تنتشر تاني. لأنّ دايرة انتشارها أوسع وملهاش حاجز لغوي يعني أي حد يسمعها في الكرة الأرضية يحسّ بيها أو توصله فكرتها أو المشاعر اللي كان بيمرّ بيها المؤلف. ولكن الموسيقى الآلية أصعب بكتير من الموسيقى الغنائية في التأليف عشان في الأخيرة المؤلف بيستوحي اللحن من الكلمات، لكن في الموسيقى الآلية الوضع يختلف عشان المفروض إنّ المؤلف يوصَّل المستمع للحالة اللي هو عايزها من غير ما يكون في كلام بيوجه مشاعر المستمع".

من خلال "اسكندريلا" ومشاركته في فرقة "الشارع" ومسيرته الفنّية، خصّص ويخصص شاهين الأغاني التي يلحنها أو يقدمها من جديد إلى همّ الناس والشارع، تحكي قضاياهم اليومية إن كان في مصر بشكل خاص أو في العالم العربي. مؤخراً، قام بتلحين أغنية "حيّوا أهل الشام"، وهي قصيدة للشاعر المصري فؤاد حدّاد، وقامت بغنائها فرقة "اسكندريلا" والمغنية الرئيسية في الفرقة سامية جاهين، ابنة الفنان المصري الراحل صلاح جاهين. هذه الأغنية التي قُدمت على المسارح وفي برامج تلفزيونية، كبرنامج "آخر كلام" مع الصحفي المصري يسري فودة وانتشرت عندها بقوة عبر موقع "الفيسبوك".

طعم جديد

بعد الثورة المصرية وخلالها، أصبح للأغاني طعم آخر. أصبح لأغاني الشيخ إمام وسيد درويش وعبد الحليم وشادية وغيرهم ممّن غنى الوطن إحساساً جديداً مليئاً بالفخر. عن معنى الأغاني لدى شاهين، وهل اختلف المعنى بعد الثورة، يقول: "الفنّ بشكل عام بالنسبة لي هو التغير من المستمع واحترام مشاعره وظروفه اللي بيمرّ بيها زي ما اتعلمت من اساتذتي سيد درويش وبيتهوفن والشيخ إمام وزياد الرحباني وعبده داغر وغيرهم.. يعني ماينفعش أسمع أغنية أو مقطوعة موسيقية وأفضل أنا زي ما أنا قبل ما أسمعها من غير ما توصلني لنتيجة أو فكرة أو تغسل لي روحي ومشاعري وترقى إليها زي ما قال فؤاد حداد في قصيدة سيد درويش:

وطلقت حنجرة الفتاة والشاب / ورفعت فنّي إلى مقام الشعب."

عن "قديتا.نت"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …