التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مي عودة: «يوميات» غزّاويّة



عكا ــ رشا حلوة

دخلت المخرجة الفلسطينية مي عودة (الصورة) إلى غزة. حملت كاميرتها وذهبت إلى «هُناك»، إلى المدينة القريبة، والمُبعَدة عنّا. قبل يومين، عرض «يوميات»، شريطها الوثائقي، ضمن مهرجان «شاشات لفيلم المرأة»، في دورته السادسة في القدس. يروي العمل قصص الحصار على لسان ثلاث غزاويّات، بأسلوب يقترب من سرد قصص الأطفال.
تصل عودة إلى القطاع المحاصر في 15 كانون الأول (ديسمبر) 2009. المدينة التي تبدو في نشرات الأخبار كأنّها جهنم، مدينة جميلة في الأصل، يذهب فيها الناس إلى العمل... «يحبون، يحتسون القهوة على شاطئ البحر»، هكذا تتحدث المخرجة، القادمة من بير زيت في الضفة الغربيّة. «كانت غايتي الأولى من زيارة غزة هي أن أرى البحر. لا لشيء، إلا لأنّنا نقول دائماً إنّه لا بحر في رام الله، ولا بوابة في غزة»، تقول عودة لـ«الأخبار».
تبدأ رحلتنا في «يوميات» مع صفاء جودة (29 عاماً)، زميلة المخرجة على مقاعد الدراسة في بير زيت. تقرأ عودة نصوص كتبتها جودة في مذكراتها، على خلفية صور من مشاهد العدوان والركام، وأخرى للبحر والسماء، ما يضيف على الفيلم نبرة رومانسية. إنّها مذكرات عن حياة بلا كهرباء، ولا ماء، ولا طعام، وعن المحاولات اليومية لأهل غزة للبقاء على قيد الحياة. يسلّط الفيلم الضوء على نشاط صفاء المهني في مجال الإعلام، إضافةً إلى التفاصيل اليومية للحصار المستمر.

«كيف لنا أن نتحرر إذا لم يتحرر الإنسان فينا؟»

ثمّ تذهب الكاميرا للقاء أسماء شاكر (23 عاماً)، الناشطة إلى جانب المخرجة في هيئة تحرير مجلة «فلسطين الشباب». نخوض هنا رحلة أخرى، تتمحور خصوصاً حول لقاءات الشبان والشابات في غزة. نسمع أسماء وصديقاتها يناقشن قضايا سياسية واجتماعية مهمة: الحجاب، معاناة المرأة الفلسطينية في غزة... يصوّر الفيلم مجموعة من الشبان والشابات وهم يغنّون أغنية «سلام عليك»، من كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وألحان مرسيل خليفة وغنائه.
محطتنا الثالثة والأخيرة ستكون مع أسماء الغول. لا تحكي هذه الأخيرة عن الحصار الإسرائيلي للقطاع فقط. فهذه الكاتبة والصحافية تسير عكس التيار، ولا ترتدي الحجاب، ويأتي حديثها مشبعاً بهموم الحصار المفروض على حريّتها كإنسانة وامرأة. نسمعها تسأل: «كيف لنا أن نتحرر إذا لم يتحرر الإنسان فينا؟».


(عن "الأخبار" اللبنانية)
عدد الاثنين ٨ تشرين الثاني ٢٠١٠

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …