التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شجون أكتوبر/هشام نفّاع

على مدخل كفر كنا تقرأ بوضوح على إحدى السيارات عبارة "الشرطة الجماهيريّة". من الواضح أن شبانًا متطوعين عربًا انضمّوا الى هذه المهمّة "الأمنية". نحن في الطريق للمشاركة في مسيرة المشاعل لذكرى هبة أكتوبر 2000. بعد قليل ستتردّد في المسيرة هتافات عديدة، بعضها ضد مخطط الخدمة المدنية الخطير. هناك من قد يعتبر إحضار "الشرطة الجماهيرية" بمثابة علامة على "حُسن نوايا السّلطة". ولكن هناك من سينظر الى الصورة من زاويتها القاتمة والحقيقية: قبل سبع سنوات فقط قتلت عناصر في الشرطة 13 شابًا فلسطينيًا مواطنًا في دولة إسرائيل وجرحت المئات. لا حدود للمفارقات.مَن تابع الجدل الحاد، والعقيم للأسف، بين لجنة ذوي الشهداء وبين لجنة المتابعة كان سيتوقّع المشهد: مظاهرة محدودة، رغم تسميتها بـ"المظاهرة المركزية". إن لجنة ذوي الشهداء هي جهة أساسية في هذا السياق. ولكنها ليست حصريّة. لأن الشهداء، بمكانتهم السامية هذه، قد خرجوا من خصوصيتهم الشخصية والعائلية، وباتوا جزءًا من ذاكرة ووعي وضمير جماهيرنا كافة. بالطبع، فمن حق لجنة ذوي الشهداء بل من واجبها متابعة "المتابعة" بالنقد، أما أن تقاطع نشاطًا يعبّر عن موقف وضمير مليون فلسطيني هنا، وإزاء حدث بحجم أكتوبر، فهو خط أحمر ما كان يجب تجاوزه مهما وصلت حدة النقد.لم تكن المظاهرة محدودة من حيث عدد المشاركين فيها فقط، بل من حيث قلة تنظيمها وعدم وضوح شعاراتها السياسية أيضًا. بعض الزملاء عبّر عن استيائه من بعض الهتافات الدينيّة التي بدت غير متّصلة بالحدث. تناقشنا، وكان موقفي أن الدين هو مركّب هام في وجدان قسم كبير من أهلنا ولذلك فمن الطبيعي أن يندرج في الخطاب السياسي الوطني. لكن يبقى السؤال هو كيفية صياغة الشعار الذي يعتمد على المضمون أو الرمز الديني، بحيث يعبّر عن موقف كفاحي ووطني، لا أن يعبّر عن مشاعر فقط. إنها مشاعر صادقة وتستحق الاحترام، كجزء من احترام المعتقد والكرامة الشخصية لصاحبها كما لأي إنسان. ولكن المشاعر وحدها لا تكفي لصياغة مقولة سياسية كفاحية. بالمقابل، لنتمعّن في عمق مقولة مثل: "الدين لله والوطن للجميع".لقد بدا من الواضح تمامًا أن أيًا من مركبات "المتابعة" لم يبذل جهدًا يُذكر كي يجنّد لهذا النشاط ويُنجحه. وما هي مركّبات "المتابعة"؟ لا أقصد رؤساء السلطات المحلية طبعًا، مع حفظ احترام مكانتهم، بل، وبالأساس، الأحزاب والحركات السياسية. سؤال: كم من مرّة يجب الإعادة والتكرار بأن مجرّد اتخاذ القرار لن يعني شيئًا أبدًا إن لم يترافق بالعمل الميداني على تطبيقه؟ "المتابعة" قررت تنظيم مظاهرة وهي تدعو الجماهير اليها.. حسنًا، عظيم، ولكن من المسؤول عن تطبيق القرار؟ في العادة هناك ميل الى التسطيح المتمثّل بلوم (وأحيانًا شتم) "لجنة المتابعة". لكن هذا الكلام لا يعني شيئًا. لأن هذه اللجنة ليست هيئة منفصلة مستقلة، بل تمثيلية ببنيتها وتركيبتها. هي هيئة تتألف من ممثلي أحزاب وحركات سياسية. وحين يقوم أحد الناشطين السياسيين بلومها، فيجب أن يتعمّق أكثر وأن يحمّل الأحزاب، والحزب الذي ينتمي هو اليه خصوصًا، مسؤولية ما لا يرتئيه. وهذا ما سأفعله أنا أيضًا: يجب على الحزب الشيوعي والجبهة إجراء نقد ذاتي لتقصيرهما. وهو تقصير يرتبط بالسؤال أعلاه عن معنى اتخاذ القرار دون العمل على تطبيقه. من جهة أخرى، لنلاحظ كم تنجح الأحزاب في التجنيد لنشاطاتها هي، خصوصًا الانتخابية منها.. ألا تستحق ذكرى بحجم اكتوبر منها ولو نصف ذلك النجاح؟لقد تندّر البعض بالقول إن أحد أسباب فشل المظاهرة هو الإدمان على ذلك المسلسل المسمّى "باب الحارة". لربما أن هناك بعض الحقيقة خلف هذه السخرية المرّة. وهناك بعض الجدّ أيضًا. فالصورة المرتسمة هي لجماهير عريضة يجري سلب وعيها وتخدير فاعليتها وإلهاؤها عن قضاياها الحقيقية بواسطة إعلام الترفيه. لو اتفقنا على أن هذه الفرضية واردة، فعلينا أن نلجأ الى السؤال اللينيني: ما العمل؟ أي ما هو دور الأحزاب السياسية والحركات السياسية من أجل إخراج الجماهير من المكان الذي يُراد لها أن تُسجن فيه، وتحشيدها للمشاركة في النضالات؟ سأكتفي بمثال يبدو بسيطًا وتقنيّـًا في ظاهره: تنظيم السّفر الى المظاهرة، تخصيص باصات، تحديد موعد خروجها، وقيام الكوادر الحزبية بدعوة وتجنيد جماهير تستقلّها. للأسف، حتى هذا الأمر البديهي لم يعد يلتفت اليه أحد. ويبدو أننا ندفع ثمن التعلّق الزائد بقوّة الاعلام: قرّرْ، أنشرْ وستجد الحشود تتوافد.. هذا وهم، وهم كبير، بل إنه تعبير عن كسل ذهني يجب الخروج منه اذا ما أردنا للنضالات أن لا تكون مجرّد "رفع عتب" بل نشاطات تبلور الوعي الكفاحي وتستثمره لتحقيق الحقوق بجهود جماعية وليس بأشكال فوقيّة منقطعة عن الناس.إضافة الى كل ما سبق، لا يمكن إلا الوقوف عند الانطباع الاشكالي التالي: هناك فصلٌ مستهجن بين حدث هبة أكتوبر وبين السياق الذي جاء فيه وتفاعل، أقصد الانتفاضة الثانية، او بالأحرى العدوان الاسرائيلي المفتوح على شعبنا في المناطق المحتلة. ليس أن هذا الفصل يجري بشكل مقصود، بل إنه يعود الى عدم وضع الحدث في نصابه. لكن هذا لا يخفف من الإشكالية. بل على العكس، إنه يعبّر عن نوع من "الانغلاق على الذات". وهذه "الذات" بدورها تُفصَل عن امتدادها الموضوعي. إن كل الشهداء الأبرار الذين سقطوا ضحايا للسياسات الاسرائيلية المجرمة، يستحقون منا على الأقل النظر اليهم بنفس الاحترام الكبير. أما التعامل مع شهدائنا أو مع قضايانا وكأنهم الأهم، فهو يدلّ على هشاشة في فهمنا لعمق انتمائنا. وكل هذا، دون قول كلمة واحدة عن حقيقة حلول ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا ومرورها كأنها حدث لا
يعنينا؛ كأنه حدث قد وقع في زمان ومكان بعيدين مجهولَي الهويّة!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"فوكس" بار، عفويّة الثقافة الإيطاليّة في برلين

برلين – رشا حلوة

بالقرب من محطّة "هرمان بلاتس" في حيّ "نويكولن" البرلينيّ، وفي شارع فرعيّ تصل نهايته إلى النهر، هناك بار صغير يحمل الاسم "فوكس"، شبابيكه الكبيرة على الشّارع، التي تطلّ منها تفاصيل البار؛ كراسيه وكنباته القديمة، إضاءته الخفيفة، الشموع، ولون الحيطان الأخضر، كلّها محفزة لزيارة الجوّ "البيتوتيّ" هذا.

بالإضافة إلى جوّه الحميميّ، زيارة البار منوطة بالاستماع دومًا إلى موسيقى خاصّة من كلّ العالم، مع تسليط ضوء على الموسيقى الإيطاليّة. نسمّيه البار الإيطاليّ، ليس بسبب الموسيقى فقط، إنّما بالأساس لأن صاحب البار هو إيطاليّ الهويّة، كما أنّ معظم العاملين والعاملات في البار جاءوا من مناطق مختلفة في إيطاليا إلى برلين، كما أن جمهوره في غالبيته من الإيطاليّين/ات الذين يعيشون في المدينة، واللغة الإيطاليّة حاضرة دومًا.

صاحب البار اسمه ماسيمو فينكو، مواليد العام 1979 في فيرونا الإيطاليّة، هو فنان وموسيقيّ وكاتب أغاني، وصل إلى برلين في العام 2006 للعمل كفنان، وبموازاة ذلك عمل عندها في وظائف عديدة، تنظيف مواعين في المطاعم ومن ثم طباخًا، وكان باره المفضل …

عن متحف "أم كلثوم" في القاهرة: يُعرف المرء في عصره، بحبّ الناس فقط

القاهرة – رشا حلوة زرت القاهرة مرات عديدة، وزياراتها كانت طوال الوقت عبارة عن مطلّ على الحياة فيها، وخاصة حياة ناسها، لإيماني أن المدينة هي "حاجات كتيرة" ممزوجة بتفاصيل سكانها. كانت زيارتي لمواقع تاريخيّة وأثريّة مرافقة بكثافة للزيارة الأولى مع عائلتي في العام 1995، ومن بعدها، كانت الشّوارع، قصص الناس وأحاديثهم، المقاهي والبيوت، بمثابة شبابيك واسعة لمعرفتي عن هذا البلد.

خلال زيارتي هذه إلى القاهرة في ربيع العام 2014، قررت أن أذهب إلى متحف "أم كلثوم"، الموجود في شارع "الملك الصالح" وفي جزيرة "المنيل روضة" في النيل، والمتحف هو أحد مباني "قصر المانسترلي"، والمنطقة معروفة أيضًا بإسم "المقياس"، لوجود مقياس النيل الشهير، حيث كان يُستخدم لقياس منسوب نهر النيل. مساحة المتحف هي عبارة عن 250 مترًا، وكانت قد فتحت أبوابه وزارة الثقافة المصريّة في عام 1998، على أن يكون متحفًا "يليق بعطائها، يحمل اسمها الخالد، ليصبح منارة إشعاع فنّيّة وثقافيّة".

قاعات المتحف ومضمونها في المتحف، ثلاث قاعات أساسيّة، الأولى هي التي تحتوي على فاترينات ت…

بيوتنا اللي معنا

كنت كتبت عن هاد الشرشف (اللي بالصّورة) من شي سنة وشوي. هاد كان في بيت بحيفا، بشارع الجبل، نقلنا عليه أنا وأختي سنة 2015. وقتها لقينا أغراض كثير تاركينها صحاب البيت، منهن هالشرشف، الإشي الوحيد اللي خليته من أغراضهن. 
ليش؟ لأنّه حلو، ولأنّي فجأة لقيت إنه الماركة لسّه عليه، مكتوب عليها "دمشق - سورية". وقتها قررت وكتبت، إنّي رح أحمل هالشرشف معي وين ما أروح بالدّنيا. نقلته معي من هداك البيت اللي بشارع الجبل بحيفا، لبيت ثاني بشارع الحمير بحيفا، وبزيارتي الماضية لفلسطين، جبته معي لألمانيا. دفيت فيه تختي اللي ببرلين، وقررت أحمله معي لهاد الشّهر لشتوتغارت.

بتدوينة "دمشق في بيتي" اللي كتبتها في آذار/ مارس 2016، قلت: "رح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.".

اليوم، ومن خلال أصدقاء سوريّين وصديقات سوريّات ببرلين، قادرة كتير مرات أطلّ من خلالهن على دمشق، من قصصهن وذكرياتهن، مرات بروح رحلة لهناك، وكل مرة بحسّ إنّي بعرفها أكثر.

رح نضل نحمل بيوتنا معنا، لكل البيوت اللي جاي، هيك منضلنا دافيّ…