التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عبد الوهاب ويوم الأحد

أظن كانت السّنة 2011، وغالبًا كانت الدنيا صيف، كنت في مصر (ووقتي الأكبر بقضيه في القاهرة)، بس دايمًا وأنا بمصر، بسافر يومين على الإسكندرية، أشوف المدينة والأصحاب الطيبين فيها.. بهديك الفترة، نمت عند ماهينور بالبيت، وقتها تعرفت على والدتها وأخواتها، وكان يوم السّبت.. صحينا يوم الأحد على تجهيزات الفطور وصوت عبد الوهاب بغني بالخلفية. قعدنا على الطاولة، حكينا عن عكّا والإسكندرية، عن السّمك، عن الأدب الفلسطينيّ والأدباء الفلسطينيّين وعن البحر وعن شركة السّفن اللي رح نأسّسها لما نح رر فلسطين وتصير تسافر بين ميناء عكّا وميناء الإسكندرية.. وكل الوقت أغاني عبد الوهاب شغالة بالخلفية. فجأة، وإحنا ساكتين، حكتلي ماهينور إنه عبد الوهاب مربوط بأيام الأحد عندهن بالبيت.. وكل يوم أحد، من الصّبح، بكون عبد الوهاب حاضر بالبيت.. وحضوره هاد مربوط لأنه جدها لأمها كان يسمعه يوم الأحد، والعادة هاي انتقلت بالوراثة مع إمها.. وصارت حاضرة في بيتهن. هاي من أبسط وأجمل القصص اللي سمعتها بحياتي، ومن وقتها، لما بتذكر أيام الأحد إنه أشغل عبد الوهاب بالبيت بعكّا أو بحيفا، بحس إنه انتقال العادة هاي من الإسكندرية لع...

عن "البحر بيضحك ليه؟" ومراحل الحياة..

عكّا، بعدسة: نادر هواري أغنية "البحر بيضحك ليه"، من كلمات الشّاعر نجيب سرور، ألحان وغناء الشّيخ إمام عيسى، هي الأغنية الملائمة لكلّ مراحل الحياة. لا يهم المرحلة إنّ كانت سعيدة أو حزينة، فيها أمل أو خيبة، قلق أو راحة، كلما سمعتها تشعر بأنها تُغنى لك. تحكي معك.. الأغنية لا علاقة لها لمن يعرف البحر أو لا يعرفه، سواء كان البحر قريبًا أو وبعيدًا.. هي قادرة أن تحمل لك مشاهد بصريّة مختلفة كلما سمعتها، تحمل معها وجوهًا عديدة وذكريات.. وكأنك كلما تسمعها تشعر بأن الزّمن توقف. لا يتحرك. كأن حالتك المرافقة لها حين سمعتها قبل 5 أعوام، مع ناس أو من غيرهم، تشبه حالتك حين تعيد سماعها اليوم، لوحدك أو مع آخرين.. والأجمل، بأنك تدرك تمامًا بأن حالتك هي، المرافقة لسماع الأغنية، تمامًا كما الملايين من عشاق الأغنية ذاتها. هي أغنية الطبطبة على الروح.. وحاملة المقولة الوجوديّة الأبديّة: ولسّه جوا القلب أمل.

2014

2014، احفظي أسماء من وضعوا على قبورهم اسمكِ. وأولئك الذين أكلت الحروب أوقات دفنهم، فناموا فوق بعضهم البعض. احفظي اسماءهم، لأننا لا نعرفها.

أحد أطفال "كفرون"؛ يزن أتاسي: "نحنا ما منشبه بعض"

حاورته: رشا حلوة كان ذلك في العام 1990، حين قال له والده: "بدنا نروح مشوار"، لم يخبره إلى أين، "كنت رفيق أبي كتير وأنا وصغير، بروح معه على الشغل، وقالي رايحين مشوار، وبشكل طبيعي ركبنا بالسيارة، وصلنا على مكان قريب من مدرستي وفتنا على بناية، بكتشف بعد ما فتت إننا وصلنا على مكتب دريد لحّام"، يقول الفنان السوري يزن أتاسي في حوار خاص لمجلة "الحياة"، أجريناه عبر السكايب. ويزن أتاسي (1980) هو أيضاً "وسيم"، أحد الأطفال الذين مثلوا أدوار البطولة في فيلم "كفرون" لدريد لحّام، الذي سيتمحور معظم حديثنا عن تجربته فيه، التجربة الشخصية والفنّية لطفل في فيلم سوري، قبل 24 عاماً، كان لها أحد التأثيرات الكبرى على جيل كامل عاش طفولة التسعينيات. " هنالك معرفة بين دريد وأبي"، يقول يزن، "بس أنا انسطلت، لأنه أول مرة بحياتي بشوفه وجهاً لوجه، هني بحكوا وأنا مسحور لأني قاعد قدام غوار الطوشة!". بعدها خرجا من المكان، لا يذكر يزن الحديث الذي دار بين والده ودريد لحّام، ويعتقد أيضاً أنه كان قد قابل أخته نور أتاسي قبله، وهكذا وقع القرا...

مسافة الاحتلال

بعدسة: خلود باسل طنوس صديق مغربي: "ليش زعلانات؟ عكّا وبيروت قراب من بعض." أنا، وحاضنة صديقتي اللبنانية عشان أودعها في محطة القطار بالرباط: "نظريًا إحنا بعاد عن بعض ساعة ونصف، لكن عمليًا بعاد عن بعض ٦٦ سنة."

فيروز ورياض الصالح الحسين، الحياة ثم الحياة

رشا حلوة عرفت فيروز منذ وُلدت، ولا زالت أتعرف إليها كلما ألتقي بأغنية "غير معروفة لها"، مثلما حدث معي قبل فترة في برلين، حين جاءني صديق وسألني: "هل تعرفين هذه الأغنية لفيروز؟"، وقبل أن أجيبه بإجابة الواثقة التي تعرف كل أغاني فيروز، انتظرته حتى يشغل الأغنية، إذ بملامح وجهي المتفاجئة التي تتسع ترمي "إجابة الواثقة التي تعرف كلّ أغاني فيروز" جانبًا، وأقول وأنا سعيدة: "لا! بعرفهاش!".. وبالطبع، وكما يحصل مع كلّ من يلتقي بأغنية جميلة يحبّها، فهي لا تفارقه على مدار فترة طويلة، شهر على الأقل. ترتبط فيروز كثيرًا بوالدي، الذي رحل قبل حوالي نصف عامٍ، ارتباطها فيه لا لأنه أحبّها فقط، بل لأنه اتقن غناء أغانيها، فكانت أغاني فيروز، بصوت والدي، تحتل جزءًا كبيرًا من تهاليل طفولتي.. ومن سهرات حياتنا السعيدة التي جاءت فيما بعد، واستمرت لسنوات عديدة. هذا الارتباط تجسّد بمقولة أخي الصغير، حين كان لا زالاً طفلاً صغيرًا: "فيروز صاحبة بابا." أما الشاعر السوري رياض الصالح الحسين، فتعرفت إليه مؤخرًا. لا أذكر كيف التقيت للمرة الأولى بقصيدة له، لكني أعرف جيدً...

رياض الصالح الحسين

في الواحد والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ستصادف الذكرى الثانية والثلاثين لرحيل الشاعر السوري رياض الصالح الحسين (1952- 1982)، من أقرب الشعراء إلى قلبي. شاعر عاش أصم وأبكم، وقال عن الحياة والحبّ والموت أجمل ما قيل، بحساسية لا تشبه حساسية أحد، حساسية تنبع من قلب يدرك جيدًا بأن "الشمس كما يقولون لا تشرق في اليوم مرتين"، وبالتأكيد قال عن الحياة والحبّ والموت أجمل بكثير مِن عديد مَن يسمون أنفسهم "بالشعراء" في هذا العصر، وهم لا يكتبون إلا الثرثرة..  تحية لكَ يا أيها الشاعر الذي لم يتعرف إلى صوتِه يومًا ما، لكن كلمتك كانت خير موسيقى تحمي بعض تفاصيل هذا العالم من صدى الخراب.