التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صحّة


بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ هنديّ، يشبه صديقي الفنان الفلسطينيّ عامر شوملي. جلسنا في حديقة الجامعة، وتحدثنا الحديث الأوّليّ البسيط والجميل. وتذمرنا قليلًا من هدوء المكان. سألته: "هل ترغب بزيارة مركز المدينة؟"، أجابني بالإيجاب واتفقنا على موعد.

لم يكن أحد معنا يعرف إلى أين ستصل الحافلة التي تمرّ بالجامعة باتجاه المدينة. لعبت دورَ مرشدة الرّحلة التي تحبّ المغامرات (يعني، دوري في الحياة عمومًا). نزلنا عند محطّة ما، ومشينا باتجاه لا نعرفه. لكن كلانا كان يرغب بأن يحتسي القليل من البيرا الألمانيّة. وجدنا مكانًا فارغًا وقررنا الجلوس فيه. كان من الغريب أن نقرر الجلوس في مكانٍ فارغ، خاصة بعد أن اتسع حوارنا في غالبيته بالحديث عن ملل الأماكن الهادئة، هو القادم من الهند، وأنا التي أحبّ القاهرة.

المكان الذي قررنا الجلوس فيه، كان مطعمًا يونانيًا. طلبنا البيرا، ومن ثم قررنا أن نطلب شيئًا نأكله. هو نباتيّ، فوجد له طبقًا من اللبن والثوم والخيار. وأنا وجدت لي طبقًا من ورق العنب المملوء بالرز. "كأني في البيت"، قلت له. ومن ثم وصلتنا الموسيقى اليونانيّة التي وضعها صاحب المكان. والتي لا تبعد عن جوّ موسيقانا. تمام.. جزء لا بأس به من الأغاني العربيّة الحديثة هي بمثابة ألحان يونانيّة.

أخبرت صديقي الهنديّ بأنه يشبه صديقي عامر شوملي. وحدثته عن فيلمه "المطلوبون الـ 18" والانتفاضة الأولى. عندها أخبرني، هو الذي يدرّس فنون في كلية فنيّة في الهند، بأن طالبًا ما كان قد صنع video game عن الانتفاضة الأولى، فيها يُلاحق الثّوار من قبل جيش الاحتلال.

بعدها، رفع كل منا كأس البيرا، فقلت له: "صحّة"، وترجمت له معنى الكلمة: "تعني health بالعربيّة". صمت قليلًا، وقال: "لا من كلمة لدينا كما الـ cheers، لكن صحّة أيضًا بالـ indie، تعني الصّحّة".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …