الاثنين، 4 مارس، 2013

عن مصر ويافا



رشا حلوة

قبل أن أبدأ بكتابة هذه التدوينة، يجب عليّ أن أعترف بإهمالي غير المقصود تجاه مدينة يافا، خاصة بأنني أعتبر أن جزءاً من واجبي تجاه هذه الأرض بناء علاقة وطيدة معها من كافة النواحي،
بما فيها خلق علاقة خارجة عن نطاق السياحة مع المدن والقرى والمساحات كلّها. لي مع يافا علاقة خاصة وأعترف، لكني لا أزورها باستمرار، فزيارتي لها مرتبطة دائماً بحدث ما يحملني إليها، بالرغم من أنها الأقرب إلى مدينتي عكّا، وكم يشعر الإنسان بالبيت في مُدن تشبهه.
خرجنا  أنا وصديقاتي يوم 12 شباط/ فبراير من حيفا باتجاه يافا، وبرج الساعة تحديداً، بعد الدعوة لإقامة تظاهرة فلسطينية؛ تضامناً مع فتيات ونساء مصر، وضد الإرهاب الجنسي الممارس ضدهن، كجزء من تظاهرات عديدة أقيمت في العالم العربي والعالم إجمالاً، والتي تمت بعد دعوة أولى من مجموعة «إنتفاضة المرأة في العالم العربي». استغرقت مسافة الطريقة ما يقارب الساعة ونصف، ولوّ أن الوصول إلى يافا لم يكن في ساعات أزمة السير، لأستغرق السفر أقل من ذلك بنصف ساعة تقريباً، وفي معايير المسافات المصرية، التاكسي من حيّ المقطم إلى المهندسين يستغرق نفس الوقت!
فور وصولنا إلى دوار الساعة، كانت قد وصلت مجموعة كبيرة من النساء والرجال، حاملين يافطات عديدة تندد بالإرهاب الجنسي المنظم ضد المرأة المصرية، بمرافقة شعارات صوتية، كأن المظاهرة تحدث الآن في ميدان التحرير أو في أي حيّ مصري. كان المشهد مؤثراً؛ أعلام مصر وفلسطين، صورة لنوال السعداوي، يافطة حملت بيت قصيد لنزار قباني، يافطة كُتب عليها: «إلنا الميدان وإلنا التحرير»، يافطة أخرى كُتب عليها: «من فلسطين إلى مصر، ألف تحية» وطفلة صغيرة تحمل يافطة كُتب عليها: «أنا متحرش إذاً أنا مش إنسان».
على مدار ساعة كاملة، وصل إلى برج الساعة العديد من الناس، من كلّ أنحاء الأراضي المحتلة عام 1948، هذا المكان الذي يشهد التظاهرات بشكل مستمر، ومنذ فترة يشهد يومياً المظاهرات لأجل الأسير سامر العيساوي. 
إن برج الساعة يعود تاريخه إلى الحقبة العثمانية في فلسطين، وهو واحد من 7 أبراج أقيمت في فلسطين؛ عكّا، حيفا، القدس، صفد، الناصرة ونابلس. ويعتبر «برج الساعة» أحد معالم الآثار المعمارية الإسلامية، الذي هدم الاحتلال الإسرائيلي العديد منها. ويطلق على الساحة أيضاً اسم «ساحة الشهداء»، كونها كانت شاهدة على الكثير من المظاهرات ضد الاستعمار والاحتلال، وكان قد سقط فيها العديد من الشهداء خاصة في عام 1948.
لماذا كان المشهد مؤثراً؟ لأن المظاهرة وصرختها هي ليست رمزية فقط، إنها أصوات النساء والرجال في يافا الفلسطينية المُحتلة التي وصلت نساء ورجال مصر على حدٍ سواء، ولأنها أثبتت لكلّ العالم أن سكة القطار التي كانت تبدأ من حلب مروراً في يافا ومن ثم إلى القاهرة والإسكندرية، لا زالت موجودة رغم أنف حراس الطرق الأنذال. ولأن مثل هذا الجيل من الشباب، الذي يصنع ثوراته في العالم العربي كلّ يوم يعرف بأن «الهمّ والحُلم» واحد، وأن التحرير هي قضية تخصنا كلنا، وأن تحرير الأرض من تحرير الإنسان. وأن الصرخة واحدة ضد الاحتلال والأنظمة الرجعية المتمثلة بوجوه عديدة على مرّ التاريخ. وبأن يافا، برغم الاحتلال والتهجير والهدم وسرقة البيوت والتهويد المستمر؛ لا زالت تتذكر وجه أم كلثوم الذي مرّ بجانبها، وبلا شك لا زالت تتذكر صوتها وأصوات المصريين الذين مرّوا هُنا، فأم كلثوم كما مصر، تقول لنا وليافا: «فضلت أعيش في قلوب الناس». 


هناك تعليق واحد:

البحر/ صابرين