التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ورقة بيضاء/ رشا حلوة


على طاولة بيضاء في بيت صغير في القاهرة أخط هذه الأسطر، لا لا.. شو أخطها هاي؟ أخطها هي كلمة قديمة لا تعني شيئاً اليوم.. خاصة بأنهم قلائل الذين لا زالوا يستخدمون أقلامهم للكتابة، أنا شخصياً قلمي يستخدم للملاحظات القصيرة التي أكتبها على الدفتر الصغير المسافر معي في محفظتي البيضاء، أو لحوار حبّ في بار ما بعيد، لا أذهب إليه دوماً، لا لأني لا أرغب، بل لأن صدفة ما جعلتني أولد في عكّا وليس في القاهرة مثلاً. أما للنصوص طويلة، فالمجد للكيبورد!

ودفتري الصغير في المحفظة البيضاء هو نتاج إحدى عاداتي؛ بأني فور وصولي إلى بلد ما في العالم أشتري دفتراً.. كُتب عليه هذا المسكين الصغير أن يحتوي حياتي كلّها، يعني ممكن يكون فضيحة؛ أرقام هواتف لأشخاص قابلتهم للتوّ ولا يحملون بطاقات أي "البيزنس كاردز"، مقادير "الكشري" التي أرسلتها لي صديقتي من القاهرة من عند "كشري أبو طارق"، رسمة لصديقتي اللاجئة من قرية ميرون المقيمة في صيدا والتي التقيت بها منذ أشهر قليلة في كوبنهاجن- لو أنهم لم يحتلوا بيتها وأرضها، لكنا التقينا في صفد مثلاً، كانت من الممكن أن تعيش وتدرس الموسيقى هناك.. وكانت بالتأكيد سترسم لي رسمة أخرى على دفتري، غير التي رسمتها مؤخراً.. أو كانت ستفاجئني بدعوة خطيّة لمعرض رسوماتها في دمشق، سيكون هذا هو الأول لها هناك.. كانت ستكون الدعوة من تصميمها، وفي برنامج الافتتاح ستكون لها فقرة غنائية. آه صحيح.. وكنت سأقترح عليها أن نسافر سويةً في سيارتي الجديدة والذي سيكون لونها أبيض بالتأكيد. وكنت سأخرج من عكا إلى ميرون لاصطحابها معي، ومن ثم ننطلق إلى دمشق.. وكنا سنخرج في الصباح الباكر كي نتمكن من أن نصل وقت موعد الغداء، (وجبة غدا بالشام بتسوا الدنيا).

حين وصلت قبل فترة قليلة إلى أم الدنيا، ألقيت على بعض أصدقائي المصريين مهمة "إيقاظي من هذا الحُلم".. هذا الحلم بأن أصل إلى القاهرة بعد غياب أكثر من سنة وبعد الثورة المصرية المستمرة تحديداً. والأهم من هذا كلّه، هي أن زيارتي هذه حطمت وجودي كسائحة، فأصبحت "بنت البلد". أنا التي وُلدت في عكّا، في رواية أخرى، كان يمكن أن أصل إلى مصر من خلال البحر. كان يمكن أن يكون هنالك شخص اسمه عمي أبو علي، مواليد مدينة عكّا عام 1945، يملك قارباً كبيراً معداً للسفر لمسافات طويلة عبر البحر، كان سيصبح عمي أبو علي وأولاده وأحفاده فيما بعد الجسر البحري ما بين عكا والاسكندرية، كان سيقضى معظم حياته "شغال على هذا الخط"، وكانت ستكون زوجته اسكندرانية، بعد قصة حبّ يتحدثون عنها حتى يومنا هذا في عكا والاسكندرية. خالتي أم علي أحبته بعد ما سافرت معه مرة من الاسكندرية إلى عكا، وكان عمي أبو علي في ذلك الوقت عالي المزاج، وكان يغني "شط اسكندرية يا شط الهوا".. ووقعت في غرامه.. بالمناسبة أيضاً، هي التي غازلته في البداية.. نظرة فابتسامة فتزوجا عمي أبو علي وخالتي أم علي.. وقررا أن يسكنا في عكا- أيوا كده!

المهم، كنت سأصل إلى مصر عبر البحر، أنا ابنة البحر؛ لا أحبّ الطيران كثيراً، خاصة أني لا أحب فكرة رؤية الغيوم البيضاء من فوق. من تحت أجمل. كنت سأحبّ السفر الطويل عبر البحر، كان عندها سيكون بإمكاني أن أنتهي من قراءة الرواية التي لا ترغب أن تنتهي، وكنت سأنهي روايتي الأولى.. وكنت سأحبّ مصرياً وأسرقه معي إلى عكا.. من البحر.. متل ما عمل عمي أبو علي.

سأعود إلى عكّا قريباً، في محفظتي البيضاء دفتر جديد، أو للدقة، دفاتر كثيرة، بما أن دفاتري مرتبطة بالأماكن ورائحتها، فأريد أن أبقى في القاهرة لفترة طويلة، لذا قررت أن أشتري دفاتر عديدة تكفيني لنصف سنة. سأعود إلى طاولتي البيضاء هناك، أقضي ساعات طويلة أمام شاشة اللاب توب، فطبيعة حياتي وعملي تلزماني بذلك، ولي مدينة أعيشها في هذه الشاشة.. أنا والعديد من الأصدقاء. هي مدينة كبيرة، بيروت فيها لا تبعد مسافة 63 عاماً، والاسكندرية مسافة قرار وبعض النقود كي أتمكن من أن أسافر نهاية الأسبوع إليها، لأني سئمت من بحر عكّا. وفيها أيضاً، لا زالت أم كلثوم تستطيع أن تأتي لتغنّي في حيفا.

هذه المدينة، رسمناها أنا وأصدقائي على ورقة بيضاء، وسوف تُنشر الرسمة قريباً.. فهي قيد الرسم منذ 18 ديسمبر 2010.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"فوكس" بار، عفويّة الثقافة الإيطاليّة في برلين

برلين – رشا حلوة

بالقرب من محطّة "هرمان بلاتس" في حيّ "نويكولن" البرلينيّ، وفي شارع فرعيّ تصل نهايته إلى النهر، هناك بار صغير يحمل الاسم "فوكس"، شبابيكه الكبيرة على الشّارع، التي تطلّ منها تفاصيل البار؛ كراسيه وكنباته القديمة، إضاءته الخفيفة، الشموع، ولون الحيطان الأخضر، كلّها محفزة لزيارة الجوّ "البيتوتيّ" هذا.

بالإضافة إلى جوّه الحميميّ، زيارة البار منوطة بالاستماع دومًا إلى موسيقى خاصّة من كلّ العالم، مع تسليط ضوء على الموسيقى الإيطاليّة. نسمّيه البار الإيطاليّ، ليس بسبب الموسيقى فقط، إنّما بالأساس لأن صاحب البار هو إيطاليّ الهويّة، كما أنّ معظم العاملين والعاملات في البار جاءوا من مناطق مختلفة في إيطاليا إلى برلين، كما أن جمهوره في غالبيته من الإيطاليّين/ات الذين يعيشون في المدينة، واللغة الإيطاليّة حاضرة دومًا.

صاحب البار اسمه ماسيمو فينكو، مواليد العام 1979 في فيرونا الإيطاليّة، هو فنان وموسيقيّ وكاتب أغاني، وصل إلى برلين في العام 2006 للعمل كفنان، وبموازاة ذلك عمل عندها في وظائف عديدة، تنظيف مواعين في المطاعم ومن ثم طباخًا، وكان باره المفضل …

عن متحف "أم كلثوم" في القاهرة: يُعرف المرء في عصره، بحبّ الناس فقط

القاهرة – رشا حلوة زرت القاهرة مرات عديدة، وزياراتها كانت طوال الوقت عبارة عن مطلّ على الحياة فيها، وخاصة حياة ناسها، لإيماني أن المدينة هي "حاجات كتيرة" ممزوجة بتفاصيل سكانها. كانت زيارتي لمواقع تاريخيّة وأثريّة مرافقة بكثافة للزيارة الأولى مع عائلتي في العام 1995، ومن بعدها، كانت الشّوارع، قصص الناس وأحاديثهم، المقاهي والبيوت، بمثابة شبابيك واسعة لمعرفتي عن هذا البلد.

خلال زيارتي هذه إلى القاهرة في ربيع العام 2014، قررت أن أذهب إلى متحف "أم كلثوم"، الموجود في شارع "الملك الصالح" وفي جزيرة "المنيل روضة" في النيل، والمتحف هو أحد مباني "قصر المانسترلي"، والمنطقة معروفة أيضًا بإسم "المقياس"، لوجود مقياس النيل الشهير، حيث كان يُستخدم لقياس منسوب نهر النيل. مساحة المتحف هي عبارة عن 250 مترًا، وكانت قد فتحت أبوابه وزارة الثقافة المصريّة في عام 1998، على أن يكون متحفًا "يليق بعطائها، يحمل اسمها الخالد، ليصبح منارة إشعاع فنّيّة وثقافيّة".

قاعات المتحف ومضمونها في المتحف، ثلاث قاعات أساسيّة، الأولى هي التي تحتوي على فاترينات ت…

بيوتنا اللي معنا

كنت كتبت عن هاد الشرشف (اللي بالصّورة) من شي سنة وشوي. هاد كان في بيت بحيفا، بشارع الجبل، نقلنا عليه أنا وأختي سنة 2015. وقتها لقينا أغراض كثير تاركينها صحاب البيت، منهن هالشرشف، الإشي الوحيد اللي خليته من أغراضهن. 
ليش؟ لأنّه حلو، ولأنّي فجأة لقيت إنه الماركة لسّه عليه، مكتوب عليها "دمشق - سورية". وقتها قررت وكتبت، إنّي رح أحمل هالشرشف معي وين ما أروح بالدّنيا. نقلته معي من هداك البيت اللي بشارع الجبل بحيفا، لبيت ثاني بشارع الحمير بحيفا، وبزيارتي الماضية لفلسطين، جبته معي لألمانيا. دفيت فيه تختي اللي ببرلين، وقررت أحمله معي لهاد الشّهر لشتوتغارت.

بتدوينة "دمشق في بيتي" اللي كتبتها في آذار/ مارس 2016، قلت: "رح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.".

اليوم، ومن خلال أصدقاء سوريّين وصديقات سوريّات ببرلين، قادرة كتير مرات أطلّ من خلالهن على دمشق، من قصصهن وذكرياتهن، مرات بروح رحلة لهناك، وكل مرة بحسّ إنّي بعرفها أكثر.

رح نضل نحمل بيوتنا معنا، لكل البيوت اللي جاي، هيك منضلنا دافيّ…