التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل صبابة وحنظلة

ممنوعات

عزيزتي رشا
بالتأكيد علمت عن اقتراح القانون في البرلماني الإسرائيلي بشأن منع إحياء ذكرى النكبة. لقد مرّ القانون بالقراءة الأولى، مع «بعض التعديلات»! ولكن مثلما قال الشباب في الناصرة: «اللي بطلع بإيدهن، يطلع بـ...». أو مثلما قال الشباب في عكّا: «شخرله!».

في أية حال، سيكون لنا موعد «أون لاين» أنا وأنتِ مثل كلّ 15 أيار، عندما تحلّ ذكرى النكبة الثانية والستون لهذا العام، أنت في مقهى «ة مربوطة» وأنا في عكّا، أنت تجهزين مع رفاقكِ ورفيقاتك هناك المراسيم المتواضعة لإحياء الذكرى؛ بعض الشموع ولافتات وأغان بصوت تيريز سليمان وسناء موسى، الأغاني التي أعطيتك إياها يوم التقينا صدفةً في عمان عام 2008. وكان لقاؤنا ساحرًا؛ الاسم نفسه، لعنته ذاتها؛ أغنية «حبيبة بابا رشا» للفنان المصري محمد ثروت التي أصدرها عام 1983، فسُميت 30000 طفلة على الأقل، باسم «رشا». (على فكرة، هل أخبرتك أن في صفي الابتدائي كنّا ثماني طالبات يحملن اسم رشا!؟).
المهم، سأكون أنا في عكّا، وستطلبين مني مرة أخرى أن أضيء شمعة فور صعودي منصة المسرح قُبيل فقرة قراءتي لأقول للجمهور إنه في هذه الأثناء تضاء شموع عديدة في بيروت، وإن الناس في بيروت يرسلون سلامهم إلى العكّيين.
أخبريني، أين سنلتقي هذا العام؟ عمّان أم القاهرة؟
إلى أن نلتقي في بيروت أو عكّا يا صديقتي. عندها لن نعيش النكبة، سنتذكرها فقط.
كلّ الحب
عكا ــــ رشا حلوة

■ ■ ■

الرقم القياسي للوقاحة

عزيزتي رشا،
أنا بخير كما الأهل والأصدقاء، طمنيني عنكم، كيف أصبح والدك هل تحسنت صحته؟
أما بيروت، فقد تركتها تستعد للصيف، بجنونها الدائم. لكن بيروت يا صديقتي أصبحت مخيبة للآمال، ضاقت على أبنائها وتفتح ذراعيها للعالم مستغنية عن محبيها. أكتب إليك من القاهرة التي بدأ فيها الصيف فعلياً، لكن منظر النيل هنا يثلج القلب ويوحي بالانتعاش.
أما بالنسبة للقانون الذي حدثتني عنه، فأعتقد أنه من المتوقع أن يمر قانون كهذا، فقد نوى الاسرائيليون، وعلى نسق الموضة هذه الأيام، أن يتقدموا لموسوعة غينيس للرقم القياسي للوقاحة. أما بالنسبة لنا فإن ذلك على رأي شباب عكا الذين أرسلت لي أغنياتهم أيضا: «لو شربوا البحر أو هدوا السور/ لو سرقوا الهوا أو خنقوا النور» لن نتوقف عن التفكير بفلسطين وطناً نهائياً لأبنائها، ولن نتوقف عن استذكار كل المراحل التاريخية التي امتدت على أكثر من 62 عاماً والتي تبعدنا عن هذا الوطن القريب البعيد. لا أعرف ما الذي يحضّره الأصدقاء في بيروت، لكني سأضيء شمعة كما كل عام، وسأحاول أن أجد مقهى هنا في القاهرة ألتقي فيه وأصدقاء لنقوم بهذا النشاط جماعياً. سأضيء شمعة ككل عام وألعن هذا الظلام الذي يخنقنا والذي طال دون أن نعرف له نهاية أو أن يظهر له حلول. رشا، أكتب إليك هذه الرسالة وعندي الكثير من الغضب والإحباط، وأعتذر على نقل ذلك لكنه حقيقة ما أشعر به حالياً.
قبل فترة، أثناء إحياء ذكرى يوم الأرض، غنّت إحدى الفرق المشاركة أغنية «رمانا»، أما المقطع الذي استوقفني فهو «اشهدي يا بيروت علينا»، بصراحة لا أعرف لماذا سنطلب طلباً كهذا في هذه المرحلة؟ على ماذا ستشهد بيروت الآن لو أرادت أن تفعل؟ المخيمات بحالتها السيئة والتي تسوء أكثر فأكثر يومياً، أم فلسطين التي أصبحت قضية موسمية؟ أم تشهد علينا في خيبتنا، نحن الذين نُعتبر حملة القضية؟
قرأت منذ فترة ما قاله محمود درويش في رثاء ناجي العلي، قال: «إما القطيع، وإما القطيعة. (...) إن الوفاء لشهدائنا ولذاتنا لا يتم بالقطيعة، بل بتطوير هويتنا الديموقراطية وخوض معركة الحرية ومعركة الديموقراطية داخل الحالة الفلسطينية بلا هوادة وبلا شروط».
لا أعرف أين نحن من ذلك الخطاب؟ ولا أعرف حتى إن كان هناك خطاب نعرفه ونتبناه؟
وبالعودة إلى الموضوع الأساسي، سأكتب لك لاحقاً اسم المقهى الذي سأكون فيه، ونحاول أن نتكلم سوية قبل أن تصعدي إلى المسرح. غريب هذا التعلق بالهواء لكنه الطريقة الوحيدة هذه الأيام كي أرى فلسطين بالألوان، كي أرى مسارحها ومقاهيها وناسها والتحركات التي تقومون بها، غريب كيف أن هذا الخيط الواهي هو طريقتنا الوحيدة لإنعاش مخيلتنا عن هذا الوطن الممنوع. وكما كل عام، أرسل سلامي إلى أهل عكا وكل فلسطين، ما رأيك لو أكتب لك رسالة صغيرة تضيفينها إلى مقطعك، هذا العام؟
على فكرة، هل تعتقدين أننا سنستمر في إحياء ذكرى النكبة بعد التحرير؟
عندها، بيروت، صور أو حيفا وعكا، ستصبح أماكن لقاءاتنا الدورية فالبلاد حرة.
حتى ذلك اليوم تحية العمل والأمل*
القاهرة ــــ رشا نجدي

http://al-akhbar.com/ar/node/189897


عدد الاثنين ١٧ أيار ٢٠١٠ |

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …