التخطي إلى المحتوى الرئيسي

معزوفة مطر مختلفة..

(رشا حلوة)

// مطر ورام الله
أعود هذه المرة من رام الله إلى حيفا بصحبة المطر، هذا الذي يُذكرني كل مرة بقصص الحب الشتائية ورغبة احتواء قصيدة بأربعة أيدٍ قريبة من موقد متعبٍ من حرق الكستناء ورائحتها في غرفة تجاور البحر والجبل والبرد.
المطر المنهمر موسيقيًا في رام الله، الشيء الوحيد الصافي من مخالب الاحتلال يختلف رائحة وانعاكسًا على تفاصيل الروح عن القطرات الغريبة التي تسقط على الحاجز. المطر في الحاجز لا يطرّي بشاعة الاحتلال، لكن حواجز الاحتلال تعجز عن صدّه.

// مطر وعود
مطر في حيفا أيضًا، يجعلك تقاوم إغراء النعاس والارتياح بعد زيارة جميلة/متعبة، خاصة حين تعلم أذناك العائدتان من إزعاجات متطفلي الطرق أن للعود والموسيقى عرضًا مباشرًا في حيّنا، برفقة أصدقاء لو كان بإمكانهم لاحتفلوا بالمطر ليلة بعد ليلة.
تقاسيم ارتجالية تأخذك إلى أمكنة لا عودة منها. وانسجام التقاسيم مع المطر يُشكل معزوفات لها القدرة بأن تعيدك إلى رام الله تارة، وتضعك على حافة الانعزال عن مكانك/زمانك وترميك حيث تشاء تارة أخرى. ولكلٍ من ممارسي هذه الحالة الموسيقية في صحبة المطر قصصٌ تملأ المكان، قصص تستحق الكتابة والبكاء.

// مطر ولاجئ
طريق يواكبها المطر، وترافقها أمنية تدفئة سريعة، واحتمال حسرة بعيدة للاجئ. لن تلتقط عدسة كاميرتي رقصة القطرات الزوربية، فالوقت ليلاً، والقطرات لا تظهر عبر الكاميرا بوضوح ليلاً، بالكاد نهارًا. فكيف أُرسل له شكل المطر إذَا؟
أعرف مطر رام الله، ومطر الطريق، وأمارس فنون مطر حيفا كثيرًا في الآونة الأخيرة. سأكتب عنه، ليبلل روحه بكلمات ماطرة في حضرة غيابه الدائم عنه، وإن كان للمطر حضورًا في مكانه المؤقت.


// مطر وشاي
لكأس الشاي وأعشاب أم هشام المولودة في خصوصية تربة جبلية، ونكهة اللبنة والزيت والزيتون غير الموسمية، وأمي حين يوقظها قلقلها ليلاً لكي تغلق ذاك الشباك الذي لا يقاوم رياح الشتاء بجوار البحر، وابتسامة أخي حين يعود مساءً إلى البيت بعد يوم ماطر من عمله ويجد البيت دافئًا، كل هذا يستحق عشق المطر. لأن رام الله علمتني كيف يكون المطر جميلاً، ومشاركة المطر للعود رقصتني شبقًا، وحلم لاجئ كسعادة فلاحة بالمطر، ودفء ميرمية جليلية علمتني كيف لا
أختبئ عندما يأتي بعد قليل مرة أخرى هذا المطر.
عكا

تعليقات

  1. معزوفة مطر دافئة
    :)

    ردحذف
  2. على خلاف ما يعتقد البعض .. أعتقد أن مطرك هذا جديد ومتجدد وجميل ودافئ- تحياتي

    ردحذف
  3. بكرية..
    وأخيرًا التقينا في هذه الزغرودة :)
    شكرًا لزيارتك عزيزتي

    ردحذف
  4. شكرًا لك هيثم
    واهلا وسهلا بك في زغرودة :)

    ردحذف
  5. هاي الشتويه غير شكل
    بقصد دافيه غير عن العادة
    بتعطي دروس في الزغرده كمان؟
    ;)

    ردحذف
  6. اذا بتحبي اه :)
    تكملة شتوية دافي عزيزتي

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …