التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفنانة اللبنانية تانيا صالح: جمهوري يحترم الفن الهادف والمختلف ولكن لا أحد يحترم رأيه!

حاورتها: رشا حلوة
الأحد 25/11/2007


في غرفتي العكيّة بكل تفاصيلها، عكيّة الموقع والرائحة والبحر، أستطيع أن أستمع إلى إذاعة "صوت الشعب" اللبنانية أحيانًا، وفقًا لاتجاه الهواء. وأكثر الأيام التي تُمكنّي من الاستماع إلى الإذاعة هي أيام الصيف.
قبل أكثر من عامين، كنت أستمع لبرنامج "سهرية"، والذي يُبث أيام الثلاثاء مباشرةً على الهواء. وفي إحدى "السهريات"، استضاف طاقم البرنامج الفنانة اللبنانية تانيا صالح.
لم أكن يومها قد سمعت بـ "تانيا صالح" من قبل، فكلنا نعلم الأسباب التي عرقلت وتعرقل وصول الأغاني والموسيقى البديلة، الملتزمة وغير الاستهلاكية، إلينا، وإلى كلّ الناس أينما كانوا.
لكن حديث تانيا صالح وأغانيها المفعمة بالرفض للحالة الاجتماعية، السياسة والثقافية التي يعيشها الإنسان العربي أينما كان، والممتلئة بالسخرية المحاطة بالأمل، جعلتني أبحث عنها في مواقع الإنترنيت، علـّي أحصل على أغنية أسمعها متى أشاء (كي لا أرتبط بمواعيد بث الإذاعات). ومع الوقت، استطعنا أن نحصل على جميع أغاني تانيا صالح من ألبومها الأول والذي يحمل اسمها، لنجد أن "الجيل الجديد" هو الهاجس المتراكم فينا، وأن كلنا نبكي على الحقيقة مثل "سلوى"..
إليكم/ن هذا الحوار مع الفنانة اللبنانية تانيا صالح.

* متى وأين ولدت تانيا صالح؟

وُلدت في بيروت عام 1969.

* من ألقى عليك اسم "تانيا"؟ ولماذا؟

والدي هو من أطلق عليّ اسم "تانيا" تيمُـنًا بصديقة وملهمة المناضل الثوري تشي غيفارا.

* متى بدأ مشوارك الفني؟ وما هي الخطوات الأولى التي كانت نحو الموسيقى والأغنية؟

بدأت بتأليف موسيقى الإعلانات، ثم شاركت بفرقة كورس السيد زياد الرحباني، ومن بعدها شاركت بالغناء في أعمال الفنانين شربل روحانا و توفيق فروخ. بعد ذلك تعاونت مع زوجي فيليب طعمة بتأليف ألبومي الغنائي الخاص الأول "تانيا صالح".

* كيف كان العمل مع الفنان زياد الرحباني؟ وماذا أضاف لك؟

وجود زياد هو السبب الذي دفعني لكي أصبح مغنية. فأغانيه ومسرحياته وأقواله ألهمت الشعب اللبناني والعربي كله. عملت معه في مسرحيّتين هما: "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" و"لولا فسحة الأمل" وكانت التجربتان مفيدتين جدًا. فقد تعلمت منه التواضع والصدق في العمل ومحبة الناس مهما اختلفت مستوياتهم الاجتماعيّة.

* حدثيني عن دراستك للفنون الجميلة، وهل هي مجالك الفني الإضافي؟

تخصصي الأصلي هو الفنون الجميلة، ولا أزال أعمل في مجال الفن التصويري من خلال عملي في تصميم الإعلانات.

* بعدما أنهيت دراستك في باريس، عدت إلى لبنان وعملتِ في قناة "المستقبل"، ماذا عملت هناك؟

شاركت في تصميم الهوية الفنية للمحطة لمدة سنتين.

* هل تغني تانيا الأغنية الملتزمة؟ أو تطلق عليها تسمية أخرى؟ ولماذا؟

أغني ما أشعر به حيال ما يدور في بلادنا من الناحية الاجتماعية، الفنية وأحيانًا السياسية.

* قمت بكتابة وتلحين معظم أغانيك، متى وفي أي حالة تولد الأغنية فيك؟

في كل الحالات؛ في الأوقات الحزينة كما في أوقات الفرح. في المكتب أو في البيت أو على الطريق وأحيانًا في الأحلام!

* عاصرتِ الحرب الأهلية اللبنانية، ماذا كان تأثيرها على تانيا كإنسانة وكفنانة، هذا إن جاز الفصل بينهما أصلا..

أفقدتنا الحرب الشعور بالطفولة وكادت أن تميت كل الأحاسيس الرقيقة والبريئة التي يتمتع بها أي طفل في العالم. لكنها بالمقابل علمتنا الصبر وحب الحياة، وعلمتنا أيضًا الاتكال على الذات وليس على علاقاتنا الخارجية.


* عرفناك بدايةً، نحن الفلسطينيون في الداخل، عبر إذاعة "صوت الشعب". حين تمكن لبعضنا أن يستمع إليها. ومن بعدها بحثنا عنك على شبكة الانترنيت. لماذا لم تصلنا تانيا صالح بسهولة؟ ومن منعها بالوصول إلينا؟

أظن أن التقصير هو مني أنا شخصيًا. فأنا لم أقم بتصميم موقع خاص بي حتى الآن بسبب الكسل لا أكثر. ولكني أعدكم بالعمل على ذلك في أقرب وقت.

* في أحد حواراتك، ذكرت أمنيتك بأن تكوني يومًا على منصة في دور قيادي يحكي هموم الناس ويدافع عنها.. وأنك اليوم لا ترين نفسك بهذا المكان بشكل أو بآخر. ألا تعتقدين أن أغنيات تانيا تُشكل نوعًا ما هذا الصوت الصارخ من على المنصة يشكو هموم الناس ويطالب بها؟

ولكن من يسمع!؟ فالتلفزيونات ومعظم الإذاعات لا ترضى ببث أغاني تانيا صالح لأنها ليست بمستوى الابتذال المطلوب وبالتالي فالجمهور الذي يسمع الأغاني هو أقلية منتشرة في كل البلاد العربية يحترم الفن الهادف والمختلف ولكن للأسف لا أحد يحترم رأيه!

* غنت تانيا للوطن، للمجتمع وللحب.. لمن ولما ستغني بعد؟

سوف أغني الأغاني التي تحاكي الأحاسيس والعقل في آن واحد.

* أي أغنية هي التي تسمعينها أكثر من باقي الأغاني في ألبومك الأول "تانيا صالح"؟ ولماذا؟

أغنية سلوى، لأنها تعبر عني شخصيًا.

* لماذا اخترت صورة الغلاف (ثلاثية الحكمة: الصمم والبكم والعمى)؟

لأن الشعب اللبناني يشبه هذا التمثال للأسف، فهو لا يريد أن يسمع أو أن يرى أو أن يتكلم عن مشاكله. يريد أن ينسى. ولكن لن يكون هناك أمل في أي تغيير إذا ظل الشعب غير معنيًا بحل مشاكله.

* استولت السخرية السوداء على معظم أغانيك، هل أسهل علينا اليوم أن نوصل الرسالة عبر السخرية السوداء؟ وليس بالمباشرة؟

أنا لا أحب المباشرة وأحاول قدر المستطاع الابتعاد عنها. السخرية هي من طبعي فأنا لا آخذ الأمور على محمل الجد مهما كانت معقدة. فالحياة "مش حرزانة" والعمر قصير جدًا.

* أغنية واحدة للحب "خلصوا الدفاتر".. لماذا؟

لأنني لا أعتقد انه ينقصنا أغاني حب في وطننا العربي.

* كيف كانت تجربتك مع الفنان الكبير طوني حنّا في أغنية "يابا يابا لا"؟

طوني فنان بكل معنى الكلمة. متواضع، حسّاس وصادق. كان العمل معه بالنسبة لي شرف كبير ولم أصدق عندها وحتى هذا اليوم، كيف واقف على أن يشاركني الغناء، علمًا بأنني لم أكن معروفة أبدًا قبل إطلاق الألبوم. بالإضافة إلى أن خبرتي لا يمكن مقارنتها مع خبرة شخص في مكانة طوني حنّا الفنية.

* ماذا يعني لبنان بالنسبة لك؟ وهل اختلفت صورته يومًا عندك؟ أو تغيرت منذ أن كنت صغيرة إلى اليوم؟

كنت ولا أزال أعبد هذا البلد.

* ما هو همّ تانيا صالح الأكبر؟

أن يعيش أولادي في بلدهم عندما يكبرون وأن لا أضطر المغادرة في يوم ما لسبب أو لآخر.

* ما هو السبب الذي قد يجعل تانيا تضطر لمغادرة لبنان؟

لا يوجد أي سبب إطلاقًا، فأنا أعبد هذا البلد وليس لي نيّة بالهجرة إلى أي مكان آخر.. أبدًا.

* ما هي موسيقى والأغاني التي يسمع أولاد تانيا وفيليب (طارق وكريم) في البيت؟

نسمعهم كل أنواع الموسيقى؛ موسيقى قديمة في معظمها ولكن جميلة: فيروز، زياد الرحباني، شربل روحانا، توفيق فرّوخ، فرقة البيتلز، بوب ديلان، فرقة البوليس...وكل ما يعجبهم هم.

* ما هو أكثر عمل ادبي أثر فيك؟ ولماذا؟

آخر كتاب قرأته بعنوان "الأبدية" للكاتب التشيكي ميلان كونديرا، فالكاتب يتكلم عن الحياة بطريقة مختلفة عن أي كاتب آخر فهو لا يأخذها على محمل الجد أبدًا وأنا أحب ذلك.

* هل تستمعين لفرق فلسطينية، فنانين/ات فلسطينيين/ات؟

أحب فرقة "صابرين"، ولكن للأسف سمعت أنهم افترقوا. أحب صوت كاميليا جبران كثيرًا.

* ما هو الشيء الذي يعجبك ويثير انتباهك في الفنّ الفلسطيني؟

ناجي العلي ومحمود درويش بالنسبة لي هما من أهم الفنانين عالميًا، والشعب الذي أنجبهما لا يمكن أن يموت.

* ما هي مشاريعك المستقبلية؟

أن أبقى على اتصال مع الناس من خلال الموسيقى. وفي هذه الأيام أقوم بالتحضير لألبوم جديد ولكني أطبخه على نار هادئة.

* هل من الممكن أن يكون لك عرض موسيقي قريب في عمان؟

أتمنى ذلك وفي أقرب وقت. المهم أن يعلم الشخص الذي سيدعونا إلى هناك أن عدد الموسيقيين في فرقتي هو 13.

* ما هو حلم تانيا صالح المتجدد؟

أن أتمكن من المثابرة في عملي الموسيقي وحتّى لو لم أتمكن من إنتاج الكثير، لكن حلمي هو أن أواصل العمل وأترك بصمة ما في مكان ما.

* ماذا تريدين أن تقولي لمحبيك في كل فلسطين؟

سلام...
نُشر الحوار في "الاتحاد" الحيفاوية

تعليقات

  1. يعطيك العافيه يا رشا
    والى الامام

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …