التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غالية بن علي: شاهدة على الموسيقى/ رشا حلوة

حوار خاصّ مع الفنانة التونسية غالية بن علي لديها أحلام عديدة، ولكن جميعها تعبر عن رغبتها بأن ترى البشر يعانون أقلّ.. تمارس الموسيقى والتصميم الغرافيكي ولكنها تقول إنها لا ترى في نفسها مغنية حقيقية ومع ذلك فهي موسيقية تبحث عن البراعم في تونس وفلسطين...

|حاورتها: رشا حلوة|

وُلدت في تونس هي وصوتها؛ منذ طفولتها كانت تغني -وبشكل يومي- أمام والدتها التي أولت الأهمية لغنائها دومًا، خاصة وأنّ الغناء كان جزءاً من تعبير بن علي عن ذاتها. لم تفكر يوماً بأنّ الغناء سوف يخرج عن الإطار الضيق للعائلة.

اِنتقلت إلى بروكسل العام 1987، حيث كبرت وعاشت هناك. واستمرت في التعليم المدرسي الثانوي. في بروكسل درست التصميم الجرافيكي: "كنت عندها بدأت أسمع أكثر الموسيقى العربية، وهناك كانت بداية عالمي الموسيقي الحقيقي. حاول الغربيون فهم عالمنا أكثر.. وهناك أطلقوا عليّ اسم "سفيرة العالم العربي!"، تقول غالية بن علي في حوار خاص مع "قديتا".

صوت غالية متأثر جداً بالفولكلور العربي وحضارات الجاز في العالم بالإضافة إلى كلاسيكيات الموسيقى الهندية. هي التي التزمت الاستماع منذ طفولتها إلى كلٍّ من الشيخ عبد الباسط الصمد وأم كلثوم وصباح فخري وأديب الدايخ وناظم الغزاليّ وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وهيدي جوني ووديع الصافي، بالإضافة إلى Lata Mangeshkar, Med Rafi, Ghoulam Aly (India) وفيما بعد نصرات فاتح علي خان وAbeeda Parveen, S.Gainsbourg, Mozart, Mahler, Beethoven, Edith Piaf وآخرين.

في رصيدها مشروع "روميو وجوليت" وأسطوانة تعيد فيها غناء أغاني "أم كلثوم"، بالإضافة إلى تأثرها الواضح بالجوّ الموسيقي الصوفي، حيث تؤمن بأنّ هذا الجوّ هو طريقتها الأساسية في صُنع الموسيقى. أي بما يتعلق بطريقة الغناء وليس في اللون الصوفي أو بإظهار الغناء في حبّ الله: "إنها الطريقة لجعل الله يعيش داخلنا، نشعر به في روحنا ونتفس حبّه بشكل مستمر"، تقول بن علي.

تونس الموسيقى

لم تدرس الموسيقى تماماً؛ كانت في مدرستها بعض الدروس الموسيقية التي علمتها على قراءة النوتة، وفيما بعد غادر أستاذ الموسيقى فألغت المدرسة الدروس. تعيش بن علي ما بين الموسيقى والفنون البصرية، وبشكل خاص تخصّصها في التصميم الجرافيكي. عن العيش بين العالمين تقول: "الموسيقى والفنون التشكيلية كلاهما ضروريان، والفرق بينهما هو كيفية حاجتي إلى التعبير عن نفسي بشكل مختلف وفقاً للحظة ذاتها.. الفنون التشكيلية والتصميم الجرافيكي أستخدمها عندما أكون بحاجة إلى الجلوس والتفكير.. أما الموسيقى فعندما أكون بحاجة للتواصل مع العالم، للإستماع إليه ولاستبدال طاقة".

بالرغم من أنها تعيش في بروكسل، إلا أنّ بن علي وُلدت في تونس وقضت سنوات عديدة فيها قبل أن تنتقل إلى المدرسة الثانوية في بروكسل، ممّا جعل تونس تؤثر على هويتها الموسيقية واختياراتها أيضًا. عن هذا تقول بن علي: "تونس بلد مفتوح جداً، فيه على الأقل لغتان؛ العربية والفرنسية.. ويحتوي على زائرين كثيرين. فكنت قد تعودت منذ ذلك الحين على ثقافتين. عشت مع عائلتي في جنوب تونس، بالقرب من الحدود الليبية، لذا كان من السّهل الاستماع إلى الإذاعات الليبية بالإضافة إلى تواصلي مع الموسيقى الكلاسيكية والثقافة الهندية.. لأنّ هناك اختلافاً ما بين شمال وجنوب تونس من حيث الموسيقى والثقافة.. لنقُل إنّ وجودي في تونس ساهم في فتح عقلي وروحي إلى باقي العالم، وجهّزني للإلتقاء وفهم الغربيين في عالمهم، وساعدني أيضاً للتواصل الأسهل معهم والحديث معهم عن ثقافتي في لغتهم هم".

الموروث الموسيقيّ العربيّ.. والغرب

منذ أن عرفها الجمهور في الغرب ومن ثم في الشرق، غنت بن علي الأغاني العربية، بل أعادت غناء أغانٍ من التراث الموسيقي العربي، مع الحفاظ على اللحن والقالب الموسيقيين. وقد جاء هذا نتاجًا لكون هذه الأغاني، الأغاني الوحيدة التي عرفتها منذ أن بدأت بالغناء في البيت ومع والدتها. وقد كان ردّ فعلها الأولي فيما بعد بإعادة غناء هذه الأغاني. تقول: "عشت في مدينة غربية، وكانت هذه الأغاني طريقي إلى جعل الغرب يكتشف ويقدّر ثقافتنا. هناك طريقة فكرية تعمل على الترجمة تماماً، لكني أعتقدت بأنّ عليهم الإحساس بالقصيدة والموسيقى، والتي لا يمكن تفسيرهما من خلال العقل. بدأت بإيلاء أهمية أكبر للكلمات وللقصائد، وهذا تبين لي فيما بعد من خلال طريقتي بالغناء.. الغربيون استطاعوا لمس المشاعر والعواطف! موسيقانا العربية هي -بشكل أساسي- مليئة بالعواطف، والكلمات العربية دقيقة جداً والطريقة التي تندمج فيها مع الموسيقى رائعة جداً.. نحن نستطيع أن نجد حكمة كبيرة في المعاناة في في كلّ أغنية جدية!".

لم تكن غالية بن علي تتوقع أن تصبح مغنية، فقد كانت "الأديبة" في عائلتها. إلا أنّ تعاملها واحترافها للغناء جاءا من منطلق إيمانها بأنه نوع من التواصل مع الآخرين.. والمقصود بالآخرين، أي الغربيين، الناس التي عاشت معهم سنوات عديدة في أوروبا. لم يتم دعوتها إلى إقامة حفلات في البلاد العربية، لذا عرفها الغرب قبل الشرق: "نعم، لربما كنت خائفة طوال الوقت من الذهاب وإقامة حفلة في بلد عربي.. لأني لم أعتبر نفسي مغنية حقيقية، وخوفاً أيضاً من أن يُسيء العرب فهم عملي الموسيقي".

عن تجربتها بما يخصّ تعامل الجمهور الغربي مع الأغاني الكلاسيكية العربية، تقول بن علي: "الغربيون مستعمون جيدون.. يسمعون من خلال عقولهم، لديهم حسّ نقدي حقيقي على ما لا يعرفونه.. دائماً سمعت عن محبتهم العظيمة لأم كلثوم! ولكنها حقيقة بأنّ الموسيقى العربية الكلاسيكية صعبة للفهم، ومن الصعب أيضاً لشخص ليس بعربي بأن يندمج في الثقافة العربية.. وكأنها كوكب آخر، يجب عليهم دراسة الكثير من أجل أن يكونوا مقبولين في عالمنا.. مما ليس من الممكن دائماً".

السينما قديمة.. والموسيقى رسالة

بالإضافة إلى الموسيقى، كانت لبن علي تجربتان في السينما، إلا أنها ترى أنّ التجربتين كانتا جيدتين بما فيه الكفاية لتكون واثقة بأنّ السينما ليست طريقها، "إلا إذا احتجتها يوماً ما كقيمة مضافة من أجل التواصل. فأنا أبحث عن الحقيقة بطريقة ما، أحاول أن أكون مؤمنة قدر الإمكان بنفسي، فالتمثيل في حالتي أشبه بكوني شخصاً آخر.. سأقوم بالتمثيل من أجل أن أقول حقيقة عن نفسي، أو أن أدافع عن قضية تمسّ قلبي. الوقت ثمين وقليل، ويحتاج إلى أولويات"، تقول بن علي.

حتى الآن، لم يصدر لغالية بن علي مشروع موسيقي غنائي خاص بها، إلا أنها بالمقابل ترى أن كلّ مشاريعها شخصية وخاصة: "لا أعتبر نفسي "مغنية حقيقية"، والغناء بالنسبة لي طريقة للتعبير عن الأفكار، أنا أشبه الشاهدة"- تقول بن علي. إلا أنها في هذه الفترة، تضع الصيغة النهائية لمشروع إسمه "Ellissa’s skin"، في إشارة إلى عليسة، ملكة قرطاج. الفكرة والعمل بدءا قبل عامين، عندما أرادت أن تهدي مشروعاً ما إلى تونس. عن المشروع تقول: "شعرت بأنني كنت في المهجر منذ أن تركت تونس، كانت رغبتي في إعادة التواصل مع وطني وصناعة السلام. عليسة وأتباعها وصلوا ساحل شمال أفريقا، هناك طلبت عليسة من المحليين قطعة أرض من أجل الإقامة المؤقتة حتى تتمكن من متابعة رحلتها. قسمت عليسة المنطقة إلى قطع صغيرة كانت كافية لتطويق تلة تقريباً والتي سُميت فيما بعدByrsa (اختباء). الفكرة الأساسية من المشروع هي كيفية صناعة أشياء كبيرة من تفاصيل صغيرة.. سيكون المشروع موسيقيًا، ولكن سأرغب أيضاً بأن أكتب أيضاً كتاباً عن المشروع".

تمرّ الساحة الموسيقية العربية بشكل عام بتغييرات جذرية، بدأت منذ أن شقت الفرق الشابة والفنانون الشباب في الوطن العربي طريقها المختلف عمّن سبقها، كسرت التابوهات لتحكي عمّا يعني الشباب فقط، عن همهم في أماكنهم الجغرافية الخاصة وعلى صعيد همّ الشباب العام. عن الساحة الموسيقية العربية تقول بن علي: "نحتاج إلى هويتنا السليمة من جديد! هذا لا يعني أنّ علينا إغلاق أبوابنا على الآخرين.. ولكن علينا التعلم من الآخرين على أن ننسخ تجاربهم. بالأحرى يجب أن نكون أكثر حقيقيين تجاه فننا بدلاً عن محاولة الإقناع.. ولكن العالم العربي يتغير، ولدي إيمان بأنّ الجيل الجديد والذي نما تحت الأرض الآن سوف يزدهر قريباً".

تونس.. فلسطين والحُلم

في ظلّ التغييرات والربيع العربي الذي بدأ من بوعزيزي وتونس، تقول بن علي: "تونس؟ هي الأم! وهي أرض خصبة ما زالت تعجّ براعمَ خارقة.. وهي ملهمة جداً، خاصة في أيامنا هذه".

في هذه الفترة، تستمع غالية بالأساس إلى موسيقى من المدرسة العربية القديمة، بالإضافة إلى كلاسيكيات غريبة وتكتشف موسيقى عربية "تحت أرضية".

أما عن مشاريعها المستقبلية فتقول: "آوووف.. الاستمرار في مشروع قديم: الاستمرار في التنفس، المحبة والمقدرة دائماً بالتعبير عنها".

والحُلم؟ لديها أحلام عديدة، ولكن جميعها تعبر عن رغبتها بأن ترى البشر يعانون أقلّ.. لجمهورها في فلسطين تقول: "ماذا أقول لفلسطين.. الأم الكبرى.. الأرض الخصبة التي دُمرت لكنها لا تزال تنتج براعم خارقة. درس أساسي من الحياة هو ما تقدم لنا فلسطين: الحياة وُجدت لتستمرّ ولتبقى! وكُلنا فلسطين!".

http://www.myspace.com/ghaliabenaliofficial


عن "قديتا.نت"


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صحّة

بالطريق من برلين إلى مطارها، سألني سائق التاكسي عن المكان الذي جئت منه، بطبيعة الحال تحدثنا في السّياسة قليلًا، ومن ثم حدثني عن عمله وعن برلين، وانتقل في حديثه إلى مفهوم الحرية. عندها، تطرق إلى "أوشو"، فيلسوف هنديّ، كان السّائق من أحد متابعيه. عندها سألته: "بماذا يؤمن أوشو؟"، قال: "لا شيء"، وضحك. ثم أكمل إجابته: "كان يقول: "كن حرًا وواعيًا، عندها ستحدث الأشياء".

انتهى حديثنا حين وصلت المطار، وكان قد أعطاني بطاقته التي تضمّ معلومات عن البيوت التي يؤجرها في برلين.
وصلت شتوتغارت عند الحادية عشر صباحًا، متوجهة مع سائق تاكسي نحو موقع الجامعة. سألني السّائق السّؤال المتكرر: "من أين أتيت؟"، قلت له: "من فلسطين، لكني وصلت برلين بداية، وجئت منها إلى هُنا". "وماذا ستفعلين؟"، سألني. حدثته عن إقامتي وأضفت لها: "سأكتشف المدينة أيضًا". فقال لي: "ستكتشفين المدينة المملة". "لم تكن هذه الجملة ذكيّة لمن وصلت للتوّ إليها قادمة من برلين"، قلت له.. وضحكنا.

عند السّاعة الثّالثة والنصف ظهرًا، التقيت بفنانٍ …

دمشق في بيتي

في شهر شباط/ فبراير ٢٠١٥، نقلت عَ بيت جديد بحيفا، بعد ما كنت عايشة ٣ سنين بعكّا، وقبلها كنت برام الله وقبلها بحيفا وقبلها بالقدس وبالأساس بيتي الأبديّ اللي في عكّا.. البيت اللي بحيفا، موجود بمنطقة شارع الجبل.. شبابيكه بتطلّ على الجبل، وشباك الحمام بطلّ على جهة البحر.. وفيه كمان جنبه سطح كبير، لبناية ثانيّة، بس إلنا مناليّة عليه.. السّطح بطلّ عل الجبل والبحر والجليل وجبل الشّيخ..
لما وصلنا البيت، كان فيه أغراض كتير، خلوها النّاس اللي كانوا ساكنين فيه.. رمينا كل إشي، ما عدا إشي واحد: هاد الشّرشف اللي بالصّورة.. لما مسكته، انتبهت على الماركة اللي عليه، واللي مكتوب عليها: دمشق- سورية.
غسلته، ولقيتله مكان بالصالون.. وكل الوقت محطوط على الكنباي إنه تضل هالورقة مبيّنة..
وكل ما أشوفها، أفكر إنه دمشق ببيتي.. براويحها اللي عمري ما شميتها.. بس قادرة أشمّها.
رح أترك هالبيت قريبًا.. ورح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.

تفاصيل تافهة

الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي …